مشاهدة النسخة كاملة : رجال حول الرسول -صلى الله عليه و سلم
تبارك
28-10-2014, 09:02 PM
-
بدأ النبي -صلى الله عليه و سلم- دعوته منذ أن نزل عليه الوحي الكريم يأمره بذلك ، واستجاب لدعوته عدد قليل من أهل "مكة" ، وشيئًا فشيئًا زاد عدد الداخلين في الإسلام ، وكان الرسول يجتمع بهم في دار "الأرقم بن أبى الأرقم"، يحفظهم القرآن، ويعلمهم أمور دينهم ، ويعدهم لنشر دعوة الإسلام .
وتحمل المسلمون الأوائل في سبيل التمسك بدينهم كل ألوان التعذيب والإيذاء، ولم يسلم النبي -صلى الله عليه و سلم- من ذلك .
ولما اشتد إيذاء "قريش" أمرالنبي -صلى الله عليه و سلم- بعض أصحابه بالهجرة إلى "الحبشة"، فرارًا بدينهم، وليعبدوا ربهم في أمن وسلام .
ثم هاجر النبي -صلى الله عليه و سلم- إلى "المدينة" ، ووجد فيها من يقف إلى جواره من أهلها الذين سموا بالأنصار ، وهؤلاء قاموا بالدفاع عن الإسلام وإيواء المهاجرين ، وتقاسموا معهم أموالهم ، وقد آخي النبي -صلى الله عليه و سلم- بينهم وبين المهاجرين .
وفى الفترة التي انتقل فيها النبي -صلى الله عليه و سلم- إلى "المدينة" انتشر الإسلام ودخل فيه أعداد كبيرة، وخاض النبي -صلى الله عليه و سلم- معارك للدفاع عن الإسلام ضد هجمات "قريش" ومؤامرات اليهود وغدرهم، وقد كلل الله نجاحه بفتح مكة العظيم في العام الثامن من الهجرة ، وبعد ذلك بدأت الوفود من العرب تتوالى على "المدينة" لتعلن بيعتها وإسلامها للرسول -صلى الله عليه و سلم- .
وخلال بعثة النبي -صلى الله عليه و سلم- التي استمرت ثلاثًا وعشرين سنة، صحب النبي -صلى الله عليه و سلم- ولازمه عدد من الرجال الكرام الذين حملوا على عاتقهم نشر الإسلام في كل مكان ، وهؤلاء الصحابة الذين أعدهم النبي -صلى الله عليه و سلم- كان فيهم الخلفاء والزعماء ، والقادة الفاتحون ، والفقهاء والعلماء ، وكتاب الوحي .. وسنحاول التعرف على بعض هؤلاء الرجال .
الخلفاء الراشدون :
بعد وفاة النبي -صلى الله عليه و سلم- تولى أربعة من صحابته الكرام خلافة المسلمين، وتحملوا قيادة الدولة ونشر الإسلام ، وسمى عصرهم بعصر الخلافة الراشدة، وهم :
1-"أبو بكر الصديق" :
هو أول من آمن وأسلم من الرجال ، وقد وهب نفسه وماله لله ولرسوله ، فكان يشترى من أسلم من العبيد الذين كانت "قريش" تعذبهم ويعتقهم كبلال بن رباح . واختاره النبي -صلى الله عليه و سلم- ليرافقه دون غيره من الصحابة في هجرته إلى "المدينة"، ثم لازم النبي -صلى الله عليه و سلم- بعد الهجرة فلم يفارقه ، وشهد معه كل غزواته ولم يتخلف في واحدة منها . و"أبو بكر الصديق" هو أفضل المسلمين جميعًا بعد النبي -صلى الله عليه و سلم- .
وبعد وفاة النبي تولى "أبو بكر" مسئولية الدولة وأصبح خليفة للمسلمين ، وقد واجهته منذ اللحظة الأولى مشكلة ارتداد كثير من القبائل العربية ، التي لم يكن الإسلام قد تمكن منها ، وامتناع بعضها عن دفع الزكاة ، وقد وقف "أبو بكر الصديق" موقفًا حازمًا من حركة الردة ، وأرسل إليها الجيوش حتى تمكن من القضاء عليها ، وأعاد الأمن إلى الجزيرة العربية، وبعد ذلك أرسل الجيوش لفتح "الشام" و"العراق" وأحرزت جيوشه انتصارات عظيمة على "الفرس" و"الروم" ، وفى عهد "الصديق" جمع القرآن الكريم في مصحف واحد ، وعهد بهذه المهمة إلى "زيد بن ثابت" الصحابي الجليل . وتوفى "أبو بكر الصديق" سنة (13 ه) بعد أن قضى في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر .
2-"عمر بن الخطاب" :
أسلم في العام الخامس من البعثة وعمره سبع وعشرون سنة ، وعرف بشخصية قوية وإرادة لا تلين ، وهيبة في القلوب ، ومنذ أن أسلم احتل المكانة التالية لمكانة "أبى بكر الصديق" ، وكان النبي -صلى الله عليه و سلم- قد دعا بأن يعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب وقد لازم النبي -صلى الله عليه و سلم- ملازمة تامة ، وشهد مع النبي -صلى الله عليه و سلم- الغزوات جميعها.
ولحبه للحق وحرصه على إقامته قال فيه النبي -صلى الله عليه و سلم- " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" . (رواه الترمذى)
وبعد وفاة "أبى بكر الصديق" خلفه "عمر بن الخطاب" في منصب الخلافة ولقب بأمير المؤمنين ، فاستكمل ما كان بدأه "أبو بكر" في الفتوحات ففتح "العراق" و"الشام" و"مصر" ، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ، وانتشر الإسلام في كل المناطق التي فتحها المسلمون .
وقد تميز عهد الخليفة "عمر بن الخطاب" بالعدل والأمن اللذين شعر بهما الناس جميعًا، وبتدوين الدواوين، وهى التي تشبه الوزارات في الوقت الحاضر ، مثل ديوان الجند (وزارة الدفاع حاليًا) وديوان الخراج (وزارة المالية) .
وتوفى "عمر بن الخطاب" سنة (23 ه) بعد أن طعنه "أبو لؤلؤة المجوسي" وهو يصلى الفجر في مسجد " النبوي " .
3- "عثمان بن عفان" :
أسلم مبكرًا ، وتزوج من ابنتي رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ، "رقية" و"أم كلثوم" ، ولذلك سمى بذي النورين ، وجاهد مع النبي -صلى الله عليه و سلم- منذ أن أسلم بماله ونفسه ، وهاجر الهجرتين إلى "الحبشة" وإلى "المدينة" ، وبذل ماله في سبيل الله ونصرة دعوته ، وكان من أكثر "قريش" مالاً ، فاشترى بئر رومة بمبلغ (12) ألف درهم، وجعلها للمسلمين في "المدينة"، وكانوا يعانون من قلة المياه وارتفاع أسعارها، كما أنفق ماله في تجهيز ثلث جيش العسرة في غزوة "تبوك" ، وكان عدد الجيش نحو ثلاثين ألفًا .
وشهد "عثمان" المشاهد كلها مع رسول الله عدا غزوة "بدر" التي تخلف عنها بأمر من رسول الله .
وقد تولى الخلافة بعد استشهاد "عمر بن الخطاب" سنة (23 ه) ، وفى عهده استكمل المسلمون الفتوحات في بلاد "فارس" ، وفى شمال "إفريقية" ، وبنوا أول أسطول إسلامي ، وقد حقق انتصارًا على "الروم" في موقعة "ذات الصوارى" سنة (34 ه).
ومن أعظم أعمال "عثمان بن عفان" أنه جمع الناس على مصحف واحد ، وأرسل منه نسخًا إلى الأمصار ليلتزموا به ، وهذا المصحف اشتهر بالمصحف العثماني ، وهو الأصل الذي لا يزال المسلمون يلتزمون به حتى الآن .
واستشهد الخليفة "عثمان بن عفان" في سنة (35 ه) ، بعد أن اقتحم داره مجموعة من الخارجين على الدولة ، وقتلوه وهو يقرأ القرآن في مصحفه .
4-"على بن أبى طالب" :
أسلم صغيرًا ، ولازم النبي -صلى الله عليه و سلم- لأنه كان يعيش معه في بيته ، اشتهر منذ صغره بالشجاعة والفروسية ، فشهد "بدرًا"مع الرسول الكريم ، وثبت معه في غزوة "أحد"، وقتل في غزوة "الخندق" "عمرو بن عبدود" فارس العرب ، وأعطاه النبي -صلى الله عليه و سلم- الراية في غزوة "خيبر" .
وكان "على بن أبى طالب" واحد ممن حفظوا القرآن كله من الصحابة ، وعرضوه على النبي -صلى الله عليه و سلم- ، ومن أكثرهم معرفة بالقرآن وبتفسيره وأسباب نزوله وكان أيضًا من كتاب الوحي وقد زوجه الرسول- صلى الله عليه وسلم - ابنته "فاطمة الزهراء" وأنجب منها "الحسن" و"الحسين" وهما اللذان حفظا نسل الرسول -صلى الله عليه و سلم- .
وكان "على بن أبى طالب" موضع ثقة الخلفاء الراشدين الذين سبقوه ، ومن أقرب المعاونين لهم ، وبعد وفاة "عثمان بن عفان" سنة (35 ه) تولى الخلافة ، وكانت الفتنة قد اشتدت بالمسلمين بعد استشهاد عثمان , وفى أثناء ذلك تمكن "عبد الرحمن بن ملجم" أحد الخوارج من قتل "على بن أبى طالب"، وهو يصلى الفجر في مسجد "الكوفة"، وذلك في رمضان سنة (40ه) .
القادة والفاتحون من الصحابة :
1-"خالد بن الوليد" :
واحد من أعظم القادة المسلمين ، أسلم متأخرًا في العام السابع من الهجرة ، هو و"عمرو بن العاص" و"عثمان بن طلحة" في يوم واحد .
ومنذ أن أسلم أخذ يقاتل في سبيل الله بكل قوة وإيمان ، وكانت معركة "مؤتة" أول معركة خاضها مع المسلمين في العام الثامن من الهجرة ، وقد نجح بفضل مهارته العسكرية من إنقاذ جيش المسلمين ، وهو يواجه جيش "الروم" الذي كان يفوقه أضعافًا مضاعفة في العدد والعتاد، وبعد هذه المعركة سماه الرسول -صلى الله عليه و سلم- سيف الله، وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه و سلم- ولاه الخليفة "أبو بكر الصديق" أكبر الجيوش التي خصصت لحرب المرتدين ، وقد حقق انتصارات عظيمة ، وقضى على "مسيلمة" الكذاب في أكبر معارك حروب الردة المعروفة بمعركة "اليمامة" .
ثم قاد "خالد بن الوليد" أكبر معارك الفتوحات الإسلامية على جبهتي "فارس" و"الشام" ، وحقق أعظم انتصاراته على "الروم" في معركة "اليرموك" سنة (13 ه) ، وتوفى "خالد بن الوليد" في مدينة "حمص" سنة (21 ه) في خلافة "عمر بن الخطاب" .
2- "سعد بن أبى وقاص" :
أحد العشرة الذين بشرهم النبي -صلى الله عليه و سلم- بالجنة مع الخلفاء الراشدين الأربعة و"أبى عبيدة بن الجراح" ، و"عبد الرحمن بن عوف" ، و"طلحة بن عبيد الله" ، و"الزبير بن العوام" ، و"سعيد بن زيد" .
أسلم قديمًا وهو في السابعة عشرة من عمره ، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله ، وأول من رمى بسهم في سبيل الله . وقد شهد مع النبي -صلى الله عليه و سلم- "بدرًا" و"أحد" و"الخندق"، وغيرها من المشاهد ، وأبلى يوم "أحد" بلاءً عظيمًا .
ويحكى هو عن قصة إراقته لأول دم في سبيل الله فيقول : إن أصحاب رسول الله في "مكة" كانوا يذهبون إلى خارجها بعيدًا عن عيون "قريش" لأداء الصلاة ، فبينما هم كذلك إذ رآهم نفر من المشركين ، فعابوا عليهم دينهم وصلاتهم فتشاجروا واقتتلوا ، فضرب "سعد بن أبى وقاص" رجلاً من المشركين بعظمة كبيرة فأسالت دمه ، فكان هذا أول دم أريق في الإسلام .
وفى خلافة "عمر بن الخطاب" ولاه قيادة الجيوش المتجهة لحرب "فارس"، وقد حقق نصرًا عظيمًا في معركة "القادسية" التي استمرت أربعة أيام ، وفى هذه المعركة العظيمة قتل "رستم" قائد "الفرس" وتشتت من نجا منهم ، وقد حسمت الجيوش أمر "العراق" وأخرجته من السيطرة الفارسية التي دامت قرونًا طويلة ، وأعادته إلى أهله العرب المسلمين . وبعد هذا النصر تمكن "سعد بن أبى وقاص" من فتح "المدائن" عاصمة "الفرس"، وانتهت بذلك دولة "فارس" تمامًا ولم يعد لها وجود .
وقد توفى "سعد بن أبى وقاص" في المدينة سنة (55 ه) .
الفقهاء والعلماء :
1- "عبد الله بن مسعود" :
كان من السابقين الذين دخلوا الإسلام مبكرا فهو سادس من أسلموا ، وهو أول من جهر بالقرآن في "مكة" ،وحين قرأه على مرأى من قريش قاموا بضربه ولطمه.
واشتهر "عبد الله بن مسعود" بإتقانه للقرآن ، وكان النبي -صلى الله عليه و سلم- يقول عنه : "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" ، وكان النبي -صلى الله عليه و سلم- يحب أن يسمع القرآن من "ابن مسعود" فيقول له "عبد الله بن مسعود" : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟! فيقول له النبي -صلى الله عليه و سلم- : "إني أحب أن أسمعه من غيري" .
وبلغ من تمكن "ابن مسعود" من القرآن وتفسيره أنه قال : والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأعلم متى أنزل ، وفيم أنزل، وأين أنزل .
وكان "عمر بن الخطاب" يحبه ويستشيره في كثير من الأمور ، ولما أرسله إلى "الكوفة" ليتولى بيت المال بها ، قال : والله لقد آثرتكم به على نفسي فخذوا منه وتعلموا .
هاجر ابن مسعود الهجرتين إلى "الحبشة" وإلى "المدينة" ، وشهد "بدرًا" و"أحد" و"الخندق" و"بيعة الرضوان" ، وسائر المشاهد مع رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ، وشهد "اليرموك" بعد النبي -صلى الله عليه و سلم- ، وهو الذي أجهز على "أبى جهل" في غزوة "بدر" ، وشهد له النبي -صلى الله عليه و سلم- بالجنة .
وتوفى "ابن مسعود" بالمدينة سنة (32 ه) .
2-"زيد بن ثابت" :
كان عمره لما قدم النبي -صلى الله عليه و سلم- "المدينة" إحدى عشرة سنة ، وأمره النبي -صلى الله عليه و سلم- لما رأى شدة ذكائه أن يتعلم لغة اليهود حتى يقرأ له كتبهم وقال له :"إني لا آمنهم" ، وقد تعلم "زيد بن ثابت" السريانية في مدة قصيرة لا تتجاوز شهرًا .
وقد شهد مع النبي -صلى الله عليه و سلم- غزوة "الخندق"، وكان قد رده من قبل في غزوتي "بدر" و"أحد" لصغر سنه .
وكان "زيد بن ثابت" من كتاب الوحي ، وإذا نزل الوحي على رسول الله بعث إليه ، فجاء فكتب ما نزل من القرآن .
وكان "زيد بن ثابت" من فقهاء الصحابة على حداثة سنه ، وكان النبي -صلى الله عليه و سلم- يقول عنه: "إنه أعلم الناس بالفرائض" . (رواه أحمد)
وقد تولى "زيد بن ثابت" جمع القرآن ، كلفه بذلك الخليفة "أبو بكر الصديق" وقال له:
إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- ، فتتبع القرآن فاجمعه.
فقام "زيد بن ثابت" بهذه المهمة على خير وجه حتى أتمها ، وجمع القرآن كله في مصحف واحد.
وكان "عمر" و"عثمان" لايقدمان على "زيد" أحدًا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء.
وتوفى "زيد بن ثابت" سنة (45 ه).
تبارك
28-10-2014, 09:04 PM
حمزة بن عبد المطلب - أسد الله وسيّد الشهداء
كانت مكة تغطّ في نومها، بعد يوم مليء بالسعي، وبالكدّ، وبالعبادة وباللهو..
والقرشيون يتقلبون في مضاجعهم هاجعين.. غير واحد هناك يتجافى عن المضجع جنباه، يأوي الى فراشه مبركا، ويستريح ساعات قليلة، ثم ينهض في شوق عظيم، لأنه مع الله على موعد، فيعمد الى مصلاه في حجرته، ويظل يناجي ربه ويدعوه.. وكلما استيقظت زوجته على أزير صدره الضارع وابتهالاته الحارّو الملحة، وأخذتها الشفقة عليه، ودعته أن يرفق بنفسه ويأخذ حظه من النوم، يجيبها ودموع عينيه تسابق كلماته:
" لقد انقضى عهد النوم يا خديجة"..!!
لم يكن أمره قد أرّق قريش بعد، وان كان قد بدأ يشغلا انتباهها، فلقد كان حديث عهد بدعوته، وكان يقول كلمته سرا وهمسا.
كان الذين آمنوا به يومئذ قليلين جدا..
وكان هناك من غير المؤمنين به من يحمل له كل الحب والاجلال، ويطوي جوانحه على شوق عظيم الى الايمان به والسير في قافلته المباركة، لا يمنعه سوى مواضعات العرف والبيئة، وضغوط التقاليد والوراثة، والتردد بين نداء الغروب، ونداء الشروق.
من هؤلاء كان حمزة بن عبد المطلب.. عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة.
**
كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه وكماله.. وكان على بيّنة من حقيقة أمره، وجوهر خصاله..
فهو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب، بل معرفة الأخ بالأخ، والصديق بالصديق.. ذلك أن رسول الله وحمزة من جيل واحد، وسن متقاربة. نشأ معا وتآخيا معا، وسارا معا على الدرب من أوله خطوة خطوة..
ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق، فأخذ حمزة يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة، وافساح مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش.. في حين عكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من ضوضاء الحياة الى التأمل العميق، والى التهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه..
نقول لئن كان شباب كل منهما قد اتخذ وجهة مغايرة، فان حمزة لم تغب عن وعيه لحظة من نهار فضائل تربه وابن أخيه.. تلك الفضائل والمكارم التي كانت تحلّ لصاحبها مكانا عليّا في أفئدة الناس كافة، وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم.
في صبيحة ذلك اليوم، خرج حمزة كعادته.
وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتها فجلس معهم، يستمع لما يقولون..
وكانوا يتحدثون عن محمد..
ولأول مرّة رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق من دعوة ابن أخيه.. وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد، والغيظ والمرارة.
لقد كانوا من قبل لا يبالون، أو هم يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أما اليوم، فوجوههم تموج موجا بالقلق، والهمّ، والرغبة في الافتراس.
وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا.. ورماهم بالمبالغة، وسوء التقدير..
وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الانس علما بخطر ما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أم يهوّن الأمر حتى تنام قريش، ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبها، وظهر أمر ابن أخيه عليها...
ومضوا في حديثهم يزمجرون، ويتوعدون.. وحمزة يبتسم تارّة، ويمتعض أخرى، وحين انفض الجميع وذهب كل الى سبيله، كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة، وخواطر جديدة. راح يستقبل بها أمر ابن أخيه، ويناقشه مع نفسه من جديد...!!!
**
ومضت الأيام، ينادي بعضها بعضا ومع كل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول..
ثم تتحوّل همهمة قريش الى تحرّش. وحمزة يرقب الموقف من بعيد..
ان ثبات ابن أخيه ليبهره.. وان تفانيه في سبيل ايمانه ودعوته لهو شيء جديد على قريش كلها، برغم ما عرفت من تفان وصمود..!!
ولو استطاع الشك يومئذ أن يخدع أحدا عن نفسه في صدق الرسول وعظمة سجاياه، فما كان هذا الشك بقادر على أن يجد الى وعي حمزة منفا أو سبيلا..
فحمزة خير من عرف محمدا، من طفولته الباكرة، الى شباب الطاهر، الى رجولته الأمينة السامقة..
انه يعرفه تماما كما يعرف نغسه، بل أكثر مما يعرف نفسه، ومنذ جاءا الى الحياة معا، وترعرعا معا، وبلغا أشدّهما معا، وحياة محمد كلها نقية كأشعة الشمس..!! لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمّت بهذه الحياة، لا يذكر أنه رآه يوما غاضبا، أو قانطا، أو طامعا،أو لاهيا، أو مهزوزا...
وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب، بل وبرجاحة العقل، وقوة اارادة أيضا..
ومن ثم لم يكن من الطبيعي أن يتخلف عن متابهة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة.. وهكذا طوى صدره الى حين على أمر سيتكشّف في يوم قريب..
**
وجاء اليوم الموعود..
وخرج حمزة من داره،متوشحا قوسه، ميمّما وجهه شطر الفلاة ليمارس هوايته المحببة، ورياضته الأثيرة، الصيد.. وكان صاحب مهارة فائقة فيه..
وقضى هناك بعض يومه، ولما عاد من قنصه، ذهب كعادته الى الكعبة ليطوف بها قبل أن يقفل راجعا الى داره.
وقريبا من الكعبة، لقته خادم لعبدالله بن جدعان..
ولم تكد تبصره حتى قالت له:
" يا أبا عمارة.. لو رأيت ما اقي ابن أخيك محمد آنفا، من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالسا هناك ، فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره"..
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله..
واستمع حمزة جيدا لقولها، ثم أطرق لحظة، ثم مد يمينه الى قوسه فثبتها فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى سريعة حازمة صوب الطعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل.. فان هو لم يجده هناك، فسيتابع البحث عنه في كل مكان حتى يلاقيه..
ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش..
وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثم استلّ قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل:
" أتشتم محمدا، وأنا على دينه أقول ما يقول..؟! الا فردّ ذلك عليّ ان استطعت"..
وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل والدم لذي ينزف من رأسه، وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم طالصاعقة.. الكلمة التي أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه، ويقول ما يقوله..
أحمزة يسلم..؟
أعزّ فتيان قريش وأقواهم شكيمة..؟؟
انها الطامّة التي لن تملك قريش لها دفعا.. فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام، وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشدّ ازره، وتصحو قريش ذات يوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها..!!
أجل أسلم حمزة، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره، وترك الجمع الذاهل يجترّ خيبة أمله، وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج.. ومدّ حمزة يمينه مرّة أخرى الى قوسه فثبتها فوق كتفه، واستقبل الطريق الى داره في خطواته الثابتة، وبأسه الشديد..!
**
كان حمزة يحمل عقلا نافذا، وضميرا مستقيما..
وحين عاد الى بيته ونضا عنه متاعب يومه. جلس يفكر، ويدير خواطره على هذا الذي حدث له من قريب..
كيف أعلن اسلامه ومتى..؟
لقد أعلنه في لحظات الحميّة، والغضب، والانفعال..
لقد ساءه أن يساء الى ابن اخيه، ويظلم دون أن يجد له ناصرا، فيغضب له، وأخذته الحميّة لشرف بني هاشم، فشجّ رأس أبي جهل وصرخ في وجهه باسلامه...
ولكن هل هذا هو الطريق الأمثل لك يغدار الانسان دين آبائه وقومه... دين الدهور والعصور.. ثم يستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه، ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا..
صحيح أنه لا يشك لحظة في صدق محمد ونزاهة قصده..
ولكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا، بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات، في لحظة غضب، مثلما صنع حمزة الآن..؟؟؟
وشرع يفكّر.. وقضى أياما، لا يهدأ له خاطر.. وليالي لا يرقأ له فيها جفن..
وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل، يفرض الشك نفسه كوسيلة الى المعرفة.
وهكذا، لم يكد حمزة يستعمل في بحث قضية الاسلام، ويوازن بين الدين القديم، والدين الجديد، حتى ثارت في نفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث الى دين آبائه.. والتهيّب الفطري الموروث من كل جيد..
واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة، وآلهاها وأصنامها... وعن الأمجاد الدينية التى أفاءتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها، وعلى مكة بأسرها.
لقد كان يطوي صدره على احترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها..
ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أح أتباع هذه الدعوة، المؤمنين بها، والذائدين عنها.. فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين..؟
لحظة غضب وحميّة..؟ أم أوقات تفكير ورويّة..؟
وهكذا فرضت عليه استقامة ضميره، ونزاهة تفكيره أن يخضع المسألأة كلها من جديد لتفكر صارم ودقيق..
وبدأ الانسلاخ من هذا التاريخ م\كله.. وهذا الدين القديم العريق، هوّة تتعاظم مجتازها..
وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة.. وندم على ما فعل.. ولكنه واصل رحلة العقل.. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه..
وعند الكعبة، كان يستقبل السماء ضارعا، مبتهلا، مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور، كي يهتدي الى الحق والى الطريق المستقيم..
ولنضع اليه وهو يروي بقية النبأ فيقول:
".. ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم..
ثم أتيت الكعبة، وتضرّعت تاة الله أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا..
وغدوت الى رسول الله صلى الل عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدع الله أن يثبت قلبي على دينه.."
وهكذا أسلم حمزة اسلام اليقيم..
**
أعز الله الاسلام بحمزة..ز ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله، وعن المستضعفين من أصحابه..
ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين، فأدرك أنها الحرب لا محالة، وراح يحرّض قريشا على انزال الأذى بالرسول وصحبه، ومضى يهيء لحرب أهليّة يشفي عن طرقها مغايظة وأحقاده..
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا.. كما كان اغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها اسلام حمزة أولا. ثم اسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك الى الاسلام فدخلت فيه أفواجا..!!
ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته، وبأسه، وحياته، لله ولدينه حتى خلع النبي عليه هذا اللقب العظيم:
"أسد الله، وأسد رسوله"..
وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء عدو، كان أميرها حمزة..
وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة..
ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر، كان أسد الله ورسوله هناك يصنع الأعاجيب..!!
**
وعادت فلول قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها... ورجع أبو سفيان مخلوع القلب، مطأطئ ال{اس. وقد خلّف على أرض المعركة جثث سادة قريش، من أمثال أبي جهل.. وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف. وعقبة بن أبي معيط.. والأسود بن عبدالله المخزومي، والوليد بن عتبة.. والنفر بن الحارث.. والعاص بن سعيد.. وطعمة ابن عديّ.. وعشرات مثلهم من رجال قريش وصناديدها.
وما كانت قريش لتتجرّع هذه الهزيمة المنكرة في سلام... فراحت تعدّ عدّتها وتحشد بأسها، لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها.. وصمّمت قريش على الحرب..
**
وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب، وبقيادة أبي سفيان مرة أخرى.
وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه الى رجلين اثنين: الرسول صلى اله عليه وسلم، وحمزة رضي الله عنه وأرضاه..
أجل والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب، يرى كيف كان حمزة بعد الرسول بيت القصيد وهدف المعركة..
ولقد اختاروا قبل الخروج، الرجل الذي وكلوا اليه أمر حمزة، وهو عبد حبشي، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة، جعلوا كل دوره في المعركة أن يتصيّد حمزة ويصوّب اليه ضربة قاتلة من رمحه، وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء آخر، مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال.
ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريّته.. فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم.. وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير"
" اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق"..!!
ثم أحالوه الى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الهدف الذي يريدون..
وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها، وعمها، وأخاها، وابنها.. وقيل لها ان حمزة هو الذي قتل بعض هؤلاء، وأجهز على البعض الآخر..
من أجل هذا كانت أكثر القرشيين والقرشيّات تحريضا على الخروج للحرب، لا لشيء الا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه المغامرة..!!
ولقد لبثت أياما قبل الخروج للحرب، ولا عمل لها الا افراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به..
ولقد وعدته ان هو نجح في قال حمزة بأثمن ما تملك المرأة من متاع وزينة، فلقد أمسكت بأناملها الحاقدة قرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها، ثم قالت وعيناها تحدّقان في وحشي:
" كل هذا لك، ان قتلت حمزة"..!!
وسال لعاب وحشي، وطارت خواطره توّاقة مشتاقة الى المعركة التي سيربح فيها حريّته، فلا يصير بعد عبدا أو رقيقا، والتي سيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزيّن عنق زعيمة نساء قريش، وزوجة زعيمها، وابنة سيّدها..!!
كانت المؤمرة اذن.. وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم..
**
وجاءت غزوة أحد...
والتقى الجيشان. وتوسط حمزة أرض الموت والقتال، مرتديا لباس الحرب، وعلى صدره ريشة النعام التي تعوّد أن يزيّن بها صدره في القتال..
وراح يصول ويجول، لا يريد رأسا الا قطعه بسيفه، ومضى يضرب في المشركين، وكأن المنايا طوع أمره، يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.!!
وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم.. وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة.. ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل، ونزلوا الى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم.. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها، رجالها، ونسائها بل وخيلها وابلها..!!
لقد دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة، واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة.. وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديدو ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار.. ولكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة.
ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه..
وأخذ يضرب عن يمينه وشماله.. وبين يديه ومن خلفه.. ووحشيّ هناك يراقبه، ويتحيّن الفرصة الغادرة ليوجه نحنوه ضربته..
ولندع وحشا يصف لنا المشهد بكلماته:
[.. وكنت جلا حبشيا، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بها شيئا.. فلما التقى الانس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقف امامه شيء، فوالله اني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، اذ تقدّمني اليه سباع بن عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: هلمّ اليّ يا بن مقطّعة البظرو. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه..
عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على امره ثم مات..
وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت الى المعسكر فقعدت فيه، اذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق..]
ولا بأس في أن ندع وحشيا يكمل حديثه:
[فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت الى الطائف..
فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم تعيّت عليّ المذاهب. وقلت : الحق بالشام أو اليمن أو سواها..
فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل: ويحك..! ان رسول اله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه..
فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرني الا قائما أمامه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: أوحشيّ أنت..؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدّثني كيف قتلت حمزة، فحدّثته.. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكّب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله اليه..
فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الانس رأيت مسيلمة الكذاب قائما، في يده السيف، فتهيأت له، وهززت حربتي، حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه..
فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فاني لأرجو أن يغفر الله لي اذ قتلت بها شرّ الناس مسيلمة]..
**
هكذا سقط أسد الله ورسوله، شهيدا مجيدا..!!
وكما كانت حياته مدوّية، كانت موتته مدوّية كذلك..
فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. وكيف يكتفون أو يقتنعون، وهم الذين جنّدوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمّه حمزة..
لقد أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.. أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة.. واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة.. وعندما عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه، ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه، مكافأة له على انجاز مهمته..
ومضغت هند بنت عتبة الذي صرعه المسلمون ببدر، وزوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية،مضغت كبد حمزة، راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدها وغلها. ولكن الكبد استعصت على أنيابها، وأعجزتها أن تسيغها، فأخرجتها من فمها، ثم علت صخرة مرتفعة، وراحت تصرخ قائلة:
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي وعمّه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري
أزاح وحشي غليل صدري
وانتهت المعركة، وامتطى المشركون ابلهم، وساقوا خيلهم قافلين الى مكة..
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها..
وهناك في بطن الوادي. وا هو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم، وقدّموها قرابين مبرورة لربهم الكبير. وقف فجأة.. ونظر. فوجم.. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..
فما كان يتصوّر قط أن يهبط الخلق العربي على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشهداء..
وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كومض القدر وقال وعيناه على جثمان عمّه:
" لن اصاب بمصلك أبدا..
وما وقفت موقفا قط أغيظ اليّ من موقفي هذا..".
ثم التفت الى أصحابه وقال:
" لولا أن تحزن صفيّة _أخت حمزة_ ويكون سنّه من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير.. ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم.."
فصاح أصحاب الرسول:
" والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم، مثلة لم يمثلها أحد من العرب..!!"
ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة، يكرّمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة الى الأبد، ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..
وهكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده السالف حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة:
(ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين.
وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
واصبر وما صبرك الا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون.
ان الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون..)
وكان نزول هذه الآيات، في هذا الموظن، خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله..
**
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب، فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمّه الحبيب فحسب..
بل كان اخاه من الرضاعة..
وتربه في الطفولة..
وصديق العمر كله..
وفي لحظات الوداع هذه، لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودّعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا..
وهكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه، واحتضنت دماءه، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم جيء يشهيد آخر، فصلى عليه الرسول.. ثم رفع وترك حمزة مكانه، وجيء بشهيد ثاث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول..
وهكذا جيء بالشهداء.. شهيد بعد شهيد.. والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معه حتى صلى على عمّه يومئذ سبعين صلاة..
**
وينصرف الرسول من المعركة الي بيته، فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن، فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه:
" لكنّ حمزة لا بواكي له"..!!
ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه، فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن… ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج اليهن، ويقول
" ما الى هذا قصدت، ارجعن يرحمكن الله، فلا بكاء بعد اليوم"
ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة وتمجيد مناقبه العظيمة.
فقال حسان بن ثابت:
دع عنك دارا قد عفا رسمها
وابك على حمزة ذي النائل
اللابس الخيل اذا أحجمت
كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من بني هاشم
لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم
شلت يدا وحشي من قاتل
وقال عبد الله بن رواحة:
بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا:
أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا
هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى، لك الأركان هدّت
وأنت الماجد البرّ الوصول
وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة:
دعاه اله الحق ذو العرش دعوة
الى جنة يحيا بها وسرور
فذاك ما كنا نرجي ونرتجي
لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله ما أنساك ما هبّت الصبا
بكاءا وحزنا محضري وميسري
على أسد الله الذي كان مدرها
يذود عن الاسلام كل كفور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي
جزى الله خيرا من أخ ونصير
على أن خير رثاء عطّر ذكراه كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال:
" رحمة الله عليك، فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات"..
**
لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا. وكان العزاء فيه مهمة صعبة.. بيد أن الأقدر طكانت تدّخر لرسول الله أجمل عزاء.
ففي طريقه من أحد الى داره مرّ عليه الصلاة والسلام بسيّدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها، وأخوها..
وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو، سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة..
فنعوا اليها الزوج..والأب ..والأخ..
واذا بها تسألهم في لهفة:
" وماذا فعل رسول الله"..؟؟
قالوا:
" خيرا.. هو بحمد الله كما تحبين"..!!
قالت:
" أرونيه، حتىأنظر اليه"..!!
ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رأته أقبلت نحوه تقول:
" كل مصيبة بعدك، أمرها يهون"..!!
**
أجل..
لقد كان هذا أجمل عزاء وأبقاه..
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفذّ الفريد، فليس في دنيا البذل، والولاء، والفداء لهذا نظير..
سيدة ضعيفة، مسكينة، تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها.. ثم يكون ردّها على الناعي لحظة سمعها الخبر الذي يهدّ الجبال:
" وماذا فعل رسول الله"..؟؟!!
لقد كان مشهد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء.. في أسد الله، وسيّد الشهداء..!!
تبارك
28-10-2014, 09:05 PM
العباس بن عبد المطلب - ساقي الحرمين
في عام الرمادة، وحيث أصاب العباد والبلاد قحط وبيل، خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه الى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء، ويضرعون الى الله الرحيم أن يرسل اليهم الغيث والمطر..
ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه، ورفعها صوب السماء وقال:
" اللهم انا كنا نسقى بنبيك وهو بيننا..
اللهم وانا اليوم نستسقي بعمّ نبيّك فاسقنا"..
ولم يغادر المسلميون مكانهم حتى حاءهم الغيث، وهطل المطر، يزفّ البشرى، ويمنح الريّ، ويخصب الأرض..
وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه، ويقبّلونه، ويتبركون به وهم يقولون:
" هنئا لك..
ساقي الحرمين"..
فمن كان ساقي الحرمين هذا..؟؟
ومن ذا الذي توسل به به عمر الى الله.. ومعر من نعرف تقى وسبقا ومكانة عند الله ورسوله ولدى المؤمنين..؟؟
انه العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم..
كان الرسول يجلّه بقدر ما كان يحبه، وكان يمتدحه ويطري سجاياه قائلا:
" هذه بقيّة آبائي"..
**
هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها"..!!
وكما كان حمزة عمّ الرسول وتربه، كذلك كان العباس رضي الله عنه فلم يكن يفصل بينهما في سنوات العمر سوى سنتين أو ثلاث، تزيد في عمر العباس عن عمر الروسل..
وهكذا كان محمد، والعباس عمه، طفلين من سن واحدة، وشابين من جيل واحد..
فلم تكن القرابةالقريبة وحدها، آصرة ما بينهما من ودّ، بل كانت كذلك زمالة السنّ،وصداقة العمر..
وشيء آخر نضعه معايير النبي في المكان الأول دوما.. ذلك هو خلق العباس وسجاياه..
فلقد كان العباس جوّادا، مفرط الجود، حتى كأنه للمكلرم عمّها أو خالها..!!
وكان وصولا للرحم والأهل، لا يضنّ عليهما بجهد ولا بجاه، ولا بمال...
وكان الى هذه وتلك، فطنا الى حدّ الدهاء، وبفطنته هذه التي تعززها مكانته الرفيعة في قريش، استطاع أن يدرأ عن الرسول عليه الصلاة والسلام حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء..
**
كان حمزة كما رأينا في حديثنا عنه من قبل يعالج بغي قريش، وصلف أبي جها بسيفه الماحق..
أما العباس فكان يعالجها بفطنة ودهاء أدّيا للاسلام من لنفع مثلما أدّت السيوف المدافعة عن حقه وحماه..!!
فالعباس لم يعلن اسلامه الا عام فتح مكة، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه مع الذين تأخر اسلامه..
بيد أن روايات أخرى من التاريخ تنبئ بأنه كان من المسلمين المبكّرين، غير أنه كان يكتم اسلامه..
يقول أبو رافع خادم الرسول صلى الله عليه وسلم:
" كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت... وكان العباس يكتم اسلامه"..
هذه رواية أبو رافع يتحدث بها عن حال العباس واسلامه قبل غزوة بدر..
كان العباس اذن مسلما..
وكان مقامه بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه خطة أدت غايتها على خير نسق..
ولم تكن قريش تخفي شكوكها في نوايا العباسو ولكنها أيضا لم تكن تجد سبيلا لمحادّته، لا سيما وهو في ظاهر أمره على ما يرضون من منهج ودين..
حتى اذا جاءت غزوة بدر رأتها قريش فرصة تبلو بها سريرة العباس وحقيقته..
والعباس أدهى من أن يغفل عن اتجاهات ذلك المكر السيء الذي تعالج به قريش حسراتها، وتنسج به مؤامراتها..
ولئن كان قد نجح في ابلاغ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أنباء قريش وتحرّكاتها، فان قريشا ستنجح في دفعه الى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها.. بيد أنه نجاح موقوت لن يلبث حتى ينقلب على القرشيين خسارا وبوارا..
**
ويلتقي الجمعان في غزوة بدر..
وتصطك السيوف في عنفوان رهيب، مقررة مصير كل جمع، وكل فريق..
وينادي الرسول في أصحابه قائلا:
" ان رجالا من بني هاشم، ومن غير بني هاشم، قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا.. فمن لقي منكم أحدهم فلا يقتله..
ومن لقي البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله..
ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فانه انما أخرج مستكرها"..
لم يكن الرسول بأمره هذا يخصّ عمّه العباس بميّزة، فما تلك مناسبة المزايا، ولا هذا وقتها..
وليس محمد عليه الصلاة والسلام من يرى رؤوس أصحابه تتهاوى في معرة الحق، ثم يشفع والقتال دائر لعمه، لو كان يعلم أن عمه من المشركين..
أجل..
ان الرسول الذي نهى عن أن يستغفر لعمه أبي طالب على كثرة ما أسدى أبو طالب له وللاسلام من أياد وتضحيات..
ليس هو منطقا وبداهة من يجيء في غزوة بدر ليقول لمن يقتلون آباءهم واخوانهم من المشركين: استثنوا عمي ولا تقتلوه..!!
أما اذا كان الرسول يعلم حقيقة عمه، ويعلم أنه يطوي على الاسلام صدره، كما يعلم أكثر من غيره، الخدمات غير المنظورة التي أدّاها للاسلام.. كما يعلم أخيرا أنه خرج مكرها ومحرجا فآنئذ يصير من واجبه أن ينقذ من هذا شأنه، وأن يعصم من القتل دمه ما استطاع لهذا سبيلا..
واذا كان أبو البختري بن حارث وهذا شأنه، قد ظفر بشفاعة الرسول لدمه حتى لا يهدر، ولحياته كي لا تزهق..
أفلا يكون جديرا بهذه الشفاعة، مسلم يكتم اسلامه... ورجل له في نصرة الاسلام مواقف مشهودة، وأخرى طوي عليها ستر الخفاء..؟؟
بلى..ولقد كان العباس ذلك المسلم، وذلك النصير.
ولنعد الى الوراء قليلا لنرى..
**
في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحاج وفد الأنصار، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم، وليتفقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة الى المدينة، أنهى الرسول الى عمه العباس نبأ هذا الوفد، وهذه البيعة.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يثق بعمه في رأيه كله..
ولما جاء موعد اللقاء الذي انعقد سرا وخفية، خرج الرسول وعمه العباس الى حيث الأنصار ينتظرون..
وأراد العباس ان يعجم عود القوم ويتوثق للنبي منهم..
ولندع واحدا من أعضاء الوفد يروي لنا النبأ، كما سمع ورأى.. ذلكم هو كعب بن مالك رضي الله عنه:
".. وجلسنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب.. وتكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج، ان محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وانه أبى الا النحياز اليكم واللحوق بكم..
فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك..
وان كنتم ترون أنكم مسلموه خاذلوه بعد خروجه اليكم، فمن الآن فدعوه"..
كان العباس يلقي بكلماته الحازمة هذه، وعيناه تحدقان كعيني الصقر في وجوه النصار.. يتتبع وقع الكلام وردود فعله العاجلة..
ولم يكتف العباس بهذا، فذكاؤه العظيم ذكاء عملي يتقصّى الحقيقة في مجالها المادي، ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير..
هناك استأنف حديثه مع الأصار بسؤال ذكي ألقاه، ذلك هو:
" صفوا لي الحرب، كيف تقاتلون عدوّكم"!!؟؟
ان العباس بفطنته وتجربته مع قريش يدرك أن الحرب لا محالة قادمة بين الاسلام والشرك، فقريش لن تتنازل عن دينها ومجدها وعنادها.
والاسلام ما دام حقا لن يتنازل للباطل عن حقوقه المشروعة..
فهل الأنصار، أهل المدينة صامدون للحرب حين تقوم..؟؟
وهل هم من الناحية الفنية، أكفاء لقريش، يجيدون فنّ الكرّ والفرّ والقتال..؟؟
من اجل هذا ألقى سؤاله السالف:
" صفوا لي الحرب، كيف تقاتلون عدوّكم"..؟؟
كان الأنصار الذين يصغون للعباس رجالا كالأطواد...
ولم يكد العباس يفرغ من حديثه، لا سيما ذلك السؤال المثير الحافز حتى شرع الأنصار يتكلمون..
وبدأ عبدالله بن عمرو بن حرام مجيبا على السؤال:
" نحن، والله، أهل الحرب.. غذينا بها،ومرّنا عليها، وورثناها عن آبائنا كابرا فكابر..
نرمي بالنبل حتى تفنى..
ثم نطاعن بالرماح حتى تنكسر..
ثم نمشي بالسيوف، فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا"..!!
وأجاب العباس متهللا:
" أنتم أصحاب حرب اذن، فهل فيكم دروع"..؟؟
قالوا:
" نعم.. لدينا دروع شاملة"..
ثم دار حديث رائع وعظيم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الأنصار.. حديث سنعرض له ان شاء الله فيما بعد.
**
هذا موقف العباس في بيعة العقبة..
وسواء عليه أكان يومئذ اعتنق الاسلام سرا، أم كان لا يزال يفكّر، فان موقفه العظيم هذا يحدد مكانه بين قوى الظلام الغارب، والشروق المقبل،
ويصوّر أبعاد رجولته ورسوخه..!!
ويوم يجيء حنين ليؤكد فداءية هذا الهادئ السمت، اللين الجانب، حينما تدعو الحاجة اليها، ويهيب المواقف بها، بينما هي في غير ذلك الظرف الملحّ، مستكنّة تحت الأضلاع، متوارية عن الأضواء..!!
**
في السنة الثامنة للهجرة، وبعد ان فتح الله مكة لرسوله ولدينه عز بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة..
فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف ونصر وجشم وآخرون. وققروا شنّ حرب حاسمة ضدّ الرسول والمسلمين..
ان كلمة قبائل لا ينبغي أن تخدعنا عن طبيعة تلك الحروب التي كان يخوضها الرسول طوال حياته. فنظن انها كانت مجرّد مناوشات جبلية صغيرة، فليس هناك حروب أشدّ ضراوة من حروب تلك القبائل في معاقلها..!!
وادراك هذه الحقيقة لا يعطينا تقديرا سديدا للجهد الخارق الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فحسب، بل يعطينا تقديرا صحيحا وأمينا لقيمة النصر العظيم الذي أحرزه الاسلام والمؤمنون، ورؤية واضحة لتوفيق الله الماثل في هذا النجاح وذلك الانتصار..
احتشدت تلك القبائل في صفوف لجبة من المقاتلين الأشدّاء..
وخرج اليهم المسلمون في اثني عشر ألفا..
اثنا عشر ألفا..؟؟
وممن..؟؟
من الذين فتحوا مكة بالأمس القريب، وشيعوا الشرك والأصنام الى هاويتها الأخيرة والسحيقة، وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها..!!
هذا شيء يبعث الزهو..
والمسلمون في آخر المطاف بشر، ومن ثم، فقد ضعفوا امام الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم، وانتصارهم بمكة، وقالوا:
" لن نغلب اليوم عن قلة".
ولما كانت السماء تعدّهم لغاية أجلّ من الحرب وأسمى، فان ركونهم الى قوتهم العسكرية، وزهزهم بانتصارهم الحربي، عمل غير صالح ينبغي أن يبرؤا منه سريعا، ولو بصدمة شافية..
وكانت الصدمة الشافية هزيمة كبرى مباغتة في أول القتال، حتى اذا ضرعوا الى الله، وبرؤا من حولهم الى حوله، ومن قوتهم الى قوته، انقلبت الهزيمة نصرا، ونزل القرآن الكريم يقول للمسلمين:
(.. ويوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين)..
كان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال..
فبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية تهامة ينتظرون مجيء عدوّهم، كان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه وأحنائه، شاحذين أسلحتهم، ممسكين زمام المبادرة بأيديهم..
وعلى حين غفلة، انقضّوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة، جعلتهم يهرعون بعيدا، لا يلوي أحد على أحد..
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ الخاطف على المسلمين، فعلا صهوة بغلته البيضاء، وصاح:
" الى أين أيها الناس..؟؟
هلموا اليّ..
أنا النبي لا كذب..
انا ابن عبد المطلب"..
لم يكن حول النبي ساعتئذ سوى أبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وولده الفضل بن العباس، وجعفر بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، وقلة أخرى من الأصحاب..
وكان هناك سيدة أخذت مكانا عاليا بين الرجال والأبطال..
تلك هي أم سليم بنت ملحان..
رأت ذهول المسلمين وارتباكهم، فركبت جمل زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما، وهرولت بها نحو الرسول..
ولما تحرك جنينها في بطنها، وكانت حاملا، خلعت بردتها وشدّت بها على بطنها في حزام وثيق، ولما انتهت الى النبي صلى الله عليه وسلم شاهرة خنجرا في يمينها ابتسم لها الرسول وقال:
" أم سليم؟؟"..
قالت: " نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله..
اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فانهم لذلك أهل"..
وازدادت البسمة ألقا على وجه الرسول الواشق بوعد ربه وقال لها:
" ان الله قد كفى وأحسن يا أم سليم"..!!
هناك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، كان العباس الى جواره، بل كان بين قدميه بخطام بغلته يتحدى الموت والخطر..
وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرخ في الناس، وكان العباس جسيما جهوري الصوت، فراح ينادي:
" يا معشر الأنصار..
يا أصحاب البيعة"...
وكانما كان صوته داعي القدر ونذيره..
فما كاد يقرع أسماع المرتاعين من هول المفاجأة، المشتتين في جنبات الوادي، حتى أجابوا في صوت واحد:
" لبّيك.. لبّيك"..
وانقلبوا راجعين كالاعصار، حتى ان أحدهم ليحرن بعيره أو فرسه، فيقتحم عنها ويترجل، حاملا درعه وسيفه وقوسه، ميممّا صوب موت العباس..
ودارت المعركة من جديد.. ضارية، عاتية..
وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الآن حمي الوطيس"..
وحمي الوطيس حقا..
وتدحرج قتلى هوزان وثقيف، وغلبت خيل الله خيل اللات، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين..!!!
**
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العباس عمه حبا كبيرا، حتى انه لم ينم يوم انتهت غزوة بدر، وقضى عمه ليله في الأسر..
ولم يخف النبي عليه السلام عاطفته هذه، فحين سئل عن سبب أرقه، وقد نصره الله نصرا مؤزرا أجاب:
" سمعت أنين العباس في وثاقه"..
وسمع بعض المسلمين كلمات الرسول، فأسرع الى مكان الأسرى، وحلّ وثاق العباس، وعاد فأخبر الرسول قائلا:
" يا رسول الله..
اني أرخيت من وثاق العباس شيئا"..
ولكن لماذا وثاق العباس وحده..؟
هنالك قال الرسول لصاحبه:
" اذهب، فافعل ذلك بالأسرى جميعا".
أجل فحب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه لا يعني أن يميزه عن الناس الذين تجمعهم معه ظروف مماثلة..
وعندما تقرر أخذ الفدية من الأسرى، قال الرسول لعمه:
" يا عباس..
افد نفسك، وابن اخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو وأخا بني الحارث بن فهر، فانك ذومال"..
وأردا العباس أن يغادر أسره با فدية، قائلا:
" يا رسول الله، اني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني"..
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أصرّ على الفدية، ونزل لقرآن الكريم في هذه المناسبة يقول:
" يا ايها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم".
وهكذا فدى العباس نفسه ومن معه، وقفل راجعا الى مكة.. ولم تخدعه قريش بعد ذلك عن عقله وهداه، فبعد حين جمع ماله وحمل متاعه، وأدرك الرسول بخيبر، ليأخذ مكانه في موكب الاسلام، وقافلة المؤمنين.. وصار موضع حب المسلمين واجلالهم العظيم، لا سيما وهم يرون تكريم الرسول له وحبه اياه وقوله عنه:
" انما العباس صنو أبي..
فمن آذى العباس فقد آذاني".
وأنجب العباس ذريّة مباركة.
وكان حبر الأمة عبدالله بن عباس واحدا من هؤلاء الأبناء المباركين.
**
وفي يوم الجمعة لأربع عشرة سنة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين سمع اهل العوالي بالمدينة مناديا ينادي:
" رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب".
فأدركوا أن العباس قد مات..
وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها..
وصلى عليه خليفة المسلمين يومئذ عثمان رضي الله عنه.
وتحت ثرى البقيع هدأ جثمان أبي الفضل واستراح..
ونام قرير العين، بين الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه!!
تبارك
28-10-2014, 09:06 PM
{ سهيل بن عمرو - من الطلقاء الى الشهداء }
عندما وقع أسيرا بأيدي المسلمين في غزوة بدر اقترب عمر بن الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
" يا رسول الله دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم"
فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم :
" كلا يا عمر
لا أمثل بأحد ، فيمثل الله بي ، وان كنت نبيا"!
ثم أدنى عمر منه وقال عليه السلام:
" يا عمر
لعل سهيلا غدا يقف موقفا يسرّك"..!!
ودارت نبوءة الرسول
وتحوّل أعظم خطباء قريش سهيل بن عمرو الى خطيب باهرمن خطباء الاسلام
وتحوّل المشرك اللدود الى مؤمن أوّاب، لا تكف عيناه عن البكاء من خشية الله!!
وتحوّل واحد من كبار زعماء قريش وقادة جيوشها الى مقاتل صلب في سبيل الاسلام،مقاتل عاهد نفسه أن يظل في رباط وجهاد حتى يدركه الموت على ذلك، عسى الله أن يغفر ما تقدم من ذنبه!!
فمن كان ذلك المشرك العنيد، والمؤمن التقي الشهيد؟؟
انه سهيل بن عمرو
واحد من زعماء قريش المبرّرين، ومن حكمائها وذوي الفطنة والرأي فيها
وهو الذي انتدبته قريش ليقنع الرسول بالعدول عن دخول مكة عام الحديبية
ففي أخريات العام الهجري السادس خرج الرسول وأصحابه الى مكة ليزوروا البيت الحرام، ويعظم حرماته ، لا يريدون حربا، وليسوا مستعدين لقتال
وعلمت قريش بمسيرهم الى مكة ، فخرجت لتقطع عليهم الطريق ، وتصدّهم عن وجهتهم
وتأزم الموقف ، وتوترت الأنفس
وقال الرسول لأصحابه:
" لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألونني فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها"
وراحت قريش ترسل رسلها ومندوبيها الى النبي عليه الصلاة والسلام، فيخبرهم جميعا أنه لم يأت لقتال ، انما جاء يزور البيت الحرام، ويعظم حرماته:
وكلما عاد الى قريش أحد مندوبيها ، أرسلوا من بعده آخر أقوى شكيمة ، وأشد اقناعا حتى اختاروا عروة بن مسعود الثقفي وكان من أقواهم وأفطنهم.. وظنت قريش أن عروة قادر على اقناع الرسول بالعودة.
ولكنه سرعان ما رجع اليهم يقول لهم:
" يا معشر قريش
اني قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه..
واني والله ما رأيت ملكا قط يعظمه قومه ، كما يعظم أصحاب محمد محمدا!!
ولقد رأيت حوله قوما لن يسلموه لسوء أبدا
فانظروا رأيكم"!!
عندئذ آمنت قريش أنه لا جدوى من محاولاتها وقررت أن تلجأ الى المفاوضة والصلح.. واختارت لهذه المهمة أصلح زعمائها لها.. وكان سهيل بن عمرو
رأى المسلمون سهيلا وهو مقبل عليهم فعرفوه ، وأدركوا أن قريشا آثرت طريق التفاهم والمصالحة ، ما دامت قد بعثت آخر الأمر سهيلا
وجلس سهيل بين يدي الرسول ، ودار حوار طويل انتهى بالصلح
وحاول سهيل أن يكسب لقريش الكثير وساعده على ذلك، التسامح النبيل والمجيد الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يديره في التفاوض والصلح
ومضت الأيام ، ينادي بعضها بعضا ، جتى جاءت السنة الثامنة من الهجرة.. وخرج الرسول والمسلمون لفتح مكة بعد أن نفضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله.
وعاد المهاجرون الى وطنهم الذين أخرجهم بالأمس كارهين..
عادوا ، ومعهم الأنصار الذين آووهم في مدينتهم وآثروهم على أنفسهم
وعاد الاسلام كله ، تخفق في جو السماء راياته الظافرة
وفتحت مكة جميع أبوابها
ووقف المشركون في ذهول ترى ماذا سيكون اليوم مصيرهم ، وهم الذين أعملوا بأسهم في المسلمين من قبل قتلا ، وحرقا، وتعذيبا، وتجويعا..؟!
ولم يشأ الرسول الرحيم أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة المنهكة.
فاستقبل وجوههم في تسامح وأناة ، وقال لهم ونبرات صوته الرحيم تقطر حنانا ورفقا:
" يا معشر قريش
ما تظنون أني فاعل بكم"؟؟
هنالك تقدم خصم الاسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال مجيبا:
" نظن خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم".
وتألقت ابتسامة من نور على شفتي حبيب الله وناداهم:
" اذهبوا
فأنتم الطلقاء"..!!
لم تكن هذه الكلمات من الرسول المنتصر لتدع انسانا حيّ المشاعر الا أحالته ذوبا من طاعة وخجل ، بل وندم
وفي نفس اللحظة استجاش هذا الموقف الممتلئ نبلا وعظمة ، كل مشاعر سهيل بن عمرو فأسلم لله رب العالمين.
ولم يكن اسلامه ساعتئذ ، اسلام رجل منهزم مستسلم للمقادير.
بل كان كما سيكشف عنه مستقبله فيما بعد اسلام رجل بهرته وأسرته عظمة محمد وعظمة الدين الذي يتصرّف محمد وفق تعاليمه ، ويحمل في ولاء هائل رايته ولواءه!!
أطلق على الذين أسلموا يوم الفتح اسم الطلقاء.. أي الذين نقلهم عفو الرسول من الشرك الى الاسلام حين قال لهم:
" اذهبوا فأنتم الطلقاء"
بيد أن نفرا من أولئك الطلقاء جاوزوا هذا الخط باخلاصهم الوثيق ، وسموا الى آفاق بعيدة من التضحية والعبادة والطهر ، وضعتهم في الصفوف الأولى بين أصحاب النبي الأبرار ومن هؤلاء سهيل بن عمرو.
لقد صاغه الاسلام من جديد.
وصقل كل مواهبه الأولى، وأضاف اليها، ثم وضعها جميعا في خدمة الحق، والخير، والايمان
ولقد نعتوه في كلمات فقالوا:
" السّمح ، الجواد..
كثير الصلاة ، والصوم ، والصدقة ، وقراءة القرآن ، والبكاء من خشية الله"!!
وتلك هي عظمة سهيل.
فعلى الرغم من أنه أسلم يوم الفتح ، لا قبله ، نراه يصدق في اسلامه وفي يقينه ، الى مدى الذي يتفوّق فيه على كل نفسه ، ويتحوّل الى عابد ، زاهد والى فدائي مجاهد في سبيل الله والاسلام.
ولما انتقل الرسول الى الرفيق الأعلى ، لم يكد النبأ يبلغ مكة، وكان سهيل يومئذ مقيما بها ، حتى غشي المسلمين هناك من الهرج والذهول ما غشي المسلمين بالمدينة.
واذا كان ذهول المدينة ، قد بدّده أبو بكر رضي الله عنه ساعتئذ بكلماته الحاسمة:
" من كان يعبد محمد ، فان محمدا قد مات
ومن كان يعبد الله ، فان الله حيّ لا يموت"
فسيأخذنا العجب حين نرى سهيلا رضي الله عنه هو الذي وقف بمكة ، نفس موقف أبي بكر بالمدينة.
فقد جمع المسلمين كلهم هناك ، ووقف يبهرهم بكلماته الناجعة ، يخبرهم أن محمدا كان رسول الله حقا وأنه لم يمت حتى أدّى الأمانة ، وبلّغ الرسالة . وأنه واجب المؤمنين به أن يمعنوا من بعده السير على منهجه.
وبموقف سهيل هذا ، وبكلماته الرشيدة وايمانه الوثيق ، درأ الفتنة التي كادت تقلع ايمان بعض الناس بمكة حين بلغهم نبأ وفاة الرسول!!
وفي هذا اليوم أكثر من سواه تألقت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ألم يكن لعمر يوم استأذنه في نزع ثنيتي سهيل أثناء أسره ببدر:
" دعها فلعلها تسرك يوما"؟!
ففي هذا اليوم.. وحين بلغ المسلمين بالمدينة موقف سهيل بمكة وخطابه الباهر الذي ثبت الايمان في الأفئدة ، تذكر عمر بن الخطاب نبوءة الرسول.. وضحك طويلا ، اذ جاء اليوم الذي انتفع فيه الاسلام بثنيتي سهيل اللتين كان عمر يريد تهشيمهما واقتلاعهما!!
عندما أسلم سهيل يوم الفتح.
وبعد أن ذاق حلاوة الايمان ، أخذ على نفسه عهدا لخصه في هذه الكلمات:
" والله لا أدع موقفا من المشركين ، الا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين الا أنفقت مع المسلمين مثلها ، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا"..!!
ولقد وقف مع المشركين طويلا أمام أصنامهم..
فليقف الآن طويلا وطويلا مع المؤمنين بين يدي الله الواحد الأحد.
وهكذا راح يصلي ويصلي
ويصوم ويصوم
ولا يدع عبادة تجلو روحه ، وتقربه من ربه الأعلى الا أخذ منها حظا وافيا..
وكذلك كان في أمسه يقف مع المشركين في مواطن العدوان والحرب ضد الاسلام.
فليأخذ الآن مكانه في جيش الاسلام ، مقاتلا شجاعا ، يطفئ مع كتائب الحق نار فارس التي يعبدونها من دون الله ، ويحرقون فيها مصاير الشعوب التي يستعبدونها. ويدمدم مع كتائب الحق أيضا على ظلمات الرومان وظلمهم
وينشر كلمة التوحيد والتقوى في كل مكان.
وهكذا خرج الى الشام مع جيوش المسلمين ، مشاركا في حروبها.
ويوم اليرموك حيث خاض المسلمون موقعة تناهت في الضراوة والعنف والمخاطرة
كان سهيل بن عمرو يكاد يطير من الفرح ، اذ وجد هذه الفرصة الدسمة لكي يبذل من ذات نفسه في هذا اليوم العصيب ما يمحق به خطايا جاهليته وشركه
وكان يحب وطنه مكة حبا ينسيه نفسه..
ومع ذلك، فقد أبى أن يرجع اليها بعد انتصار المسلمين بالشام وقال:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة، خير له من عمله طوال عمره
واني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ، ولن أرجع الى مكة"!!
ووفى سهيل عهده
وظل بقيّة حياته مرابطا ، حتى جاء موعد رحيله ، فطارت روحه مسرعة الى رحمة من الله ورضوان
سامر سويلم
28-10-2014, 10:44 PM
موضوع طويل لكن يستحق القراءة
بارك الله فيكي
شكرا وبارك الله فيك على الطرح العطر
Powered by vBulletin® Version 4.2.6 by vBS Copyright © 2026 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir