بسم الله الرحمن الرحيم ما أكثر ما تناول غير المؤهَّلين أسرارًا سماوية فاستخدموها لأغراض شخصية، أرضية، فكان ذلك وبالاً عليهم، وقط لم يكن وبالاً على الأسرار ذاتها. إننا قد نُسيء استخدام الحقيقة، ولكننا لا نستطيع تشويهها. ولنا اليوم في أسرار الذرة خير المثال على ذلك: فقد يهدم الإنسان بالذرة حضاراتٍ متعاقبةً شادها بكدِّ النفس والجسد، ولكنه لن يهدم الطاقة الكامنة في الذرة؛ ولو كان له الفهم الكافي لبنى له بالذرة عبَّارةً من الأرض إلى السماء – من عالم المحسوسات إلى عالمٍ وراء المحسوسات. فهل نقول إن سرَّ الذرة قد انكشف للإنسان قبل الأوان؟ أم نقول إن الذي كَشَفَه قد أخطأ في الحساب؟ ومَن الذي كَشَفَه: أهو الإنسان؟ أم هو النظام الذي يسيِّر الإنسانَ والأكوانَ والذي يحدِّد لكلِّ حَدَثٍ أوانَه؟
وها هو ذلك النظام يذيع ذاته باستمرار، في المحسوسات وغير المحسوسات، دون أقل تمييز بين عاقل وجاهل، وبين مستحقٍّ وغير مستحق. فهل نكون نحن أشد غيرةً عليه منه؟ وفيمَ خوفنا على الحقيقة مادام كل إنسان يتقبل منها على قَدْر حاجته وطاقته؟ وهل كان يومٌ تساوتْ فيه تمامًا حاجاتُ الناس وطاقاتُهم؟
ومن ثَمَّ فمتى كانت الحقيقة قابلةً "للاحتكار" من قِبَل هذه الجماعة أو تلك من الناس؟ أليس أنها كالشمس، تشرق على الأبرار والأشرار بالسواء؟ فشأن البارِّ أن يهتدي بنورها إلى البِرِّ، وشأن الشرير أن يستخدم نورَها للشر – فيلقى الأولُ ثوابَه، ويلقى الثاني عقابَه. إذا كان لنا أن نحتكر نورَ الشمس، أو أن نبيحه للبعض ونحجبه عن البعض، كان لنا أن نحتكر الحقيقة، فنحصر نورَها في طائفة من الناس دون كلِّ الناس. فلا مبرِّر، في نظري، للضجة التي أثارها كتابُ عبد الله النجار، ولا لتحريمه على الموحِّدين وغير الموحِّدين.
على الزارع الصالح أن يلقي بذارًا صالحًا، وليس عليه أن يعرف أين تقع كل حبَّة من بذاره: على الطريق، أم على الصخر، أم في حقل كثرت فيه بذورُ الشوك، أم في تربة كلُّ ما فيها مُهيَّأ لاقتبال تلك الحبَّة[5]؟ وليس مَن يدري – كما تقول العامَّة – "خوف الله بقلب مين". ليس مَن يميِّز المستحق من غير المستحق، ومَن يحدِّد أوان التفتح لهذا الإنسان أو ذاك، إلاَّ الذي عنده علم ما كان وسيكون ضمن الزمان والمكان. ومن ثَمَّ فالحقيقة ذاتها تفرض على الذين اهتدوا إليها أن يهدوا غيرَهم إليها، وتأبى أن تكون مِلكًا لأيِّ إنسان أو لأية جماعة من الناس: "مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا" [إنجيل متى 10: 9].
