المرأة في مجتمعات المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط: المجتمع المرابطي نموذجا
أفلحت المصادر التاريخية في نقل الصورة التي كانت قد رسمتها المرأة في مجتمعات الدول التي تداولت السلطة في المجال الجغرافي للمغرب الأقصى في جميع المجالات، سياسية كانت أم اقتصادية أو اجتماعيا، هذا لم يكن إلا دليلا على تلك الرغبة الدائمة لها في التحرر وإبراز المؤهلات، فمن خلال تلك الكتابات يمكن القول بأنها نالت ما تستحقه بالفعل داخل تلك المجتمعات الصحراوية، إذا انضمت للحروب؛ واقتنت الثروات؛ كما تمتعت بالمساواة التامة مع الرجل أحيانا.
ولاستعراض مقام المرأة في التاريخ لابأس في العودة عبر العصور لاستحضار مشاركتها الكبيرة في صناعة الأحداث والتسبب في الوقائع والمجريات. فلا محاشة أن المرأة في أي مجتمع كان، مهما كانت ثقافته ودينه، لاتحبذ الانكماش والغياب عن الساحة السياسية والإجتماعية و الاقتصادية والعسكرية، فحتى إن حدث العكس، فإن السبب قد يعود في الغالب لطبيعة السلطة والحكم المتمسك بزمام الأمور، وتقاليد البلد وعاداته المتحكمة في ذهنيات ذاك المجتمع، فهذا من العوامل الكافية لجعلها طرفا معزولا أو مقصيا أحيانا، مثلما قد تمنحها مراتب سامية، تساعدها على تسجيل حضور متميز يليق بها في أحيان أخرى. ففي العصر الوسيط، عهد الدولة المرابطية على وجه التخصيص، تناولت المصادر التاريخية المكانة المرموقة التي تبوأتها المرأة، حتى ذهب بعض شعراء هذه المرحلة الى مدحها في أشعارهم وتغنوا بها في حفلاتهم. الأمر الاستثنائي الذي دفع بالعديد من المؤرخين المهتمين بهذه الحقبة إلى مسك أقلامهم، ومحاولة دراسة هذا الموضوع من شتى جوانبه؛ ولو اختلفت آراؤهم حول تعليل سبب ذلك، فبعضهم ردها الى تأثير التنظيم القبلي القائم على مبدأ المساواة بين أفراد القبيلة، والبعض الأخر أرجعها الى البيئة (البربرية) التي اعتادت فيها المرأة الحرية والنفوذ[1].
فمن الشخصيات التي تمثل المثال البارز لمشاركة المرأة في ترأس الشؤون السياسية والإدارية للدولة الصنهاجية المرابطية نجد الأميرة “زينب النفزاوية”[2] المشهورة في المصادر التاريخية، فهي تبدو كأنها إمرأة عادية، إلا أن إبن عذاري اتهمها بأنها:” ساحرة وتكلّمها الجن”، ولكن يغيب عن هؤلاء التفسير التاريخي المتمثل في طبيعة المجتمع اللمتوني، الذي يسمح للمرأة بالمشاركة بجانب الرجل في ميادين الحياة العامة، فقد استفادت زينب النفزاوية من تلك الفرصة وفرضت نفسها فأثرت في الأحداث، ولم تكن تخرج عن المألوف الإجتماعي في ذلك الأمر[3]. لقد شملها كغيرها من المرابطيات حق التطليق*، إذ اضطر زوجها الثالث الأمير أبو بكر بن عمر الى تطليقها بعد زواج دام ستة أشهر فيما يبدو، حينما قرر الرجوع الى الصحراء فجأة؛ حوالي سنة (452هـ/1060م)، فأبو بكر لم يعمل إلا على الإمتثال للعرف الصنهاجي القديم في مثل هذه الحالة، وهو الطلاق، وليس الأمر كما تحاول بعض المصادر أن تبرر طلاقه لها سواء بالإشفاق عليها من تحمل مناخ الصحراء القاسي وشظف العيش بها، وأنه عمل بالمثل المغربي القائل:”للي طلقها ما كايورها دار أباها”، وقد وردت عند ابن عذاري رواية أقرب لما وقع” قيل أنها هي التي طلبت منه ذلك”[4]، ومن جهة أخرى فإن المصادر تنسب لزينب النفزاوية بأنها صاحبة فكرة الانقلاب الأبيض الذي وصل بموجبه يوسف بن تاشفين السلطة، وذلك بعد أن أوعزت الى الأمير أبي بكر بالتخلي عن الزعامة لابن عمَه يوسف بعد رجوعه من الصحراء وإقناعه بتسليم الأمر له، حيث وضعت خطة مدروسة ومحكمة لهذا الغرض نفذتها بإحكام، معتمدة على معرفتها بنفسية أبي بكر وأخلاقه وميوله السلمية وتقواه وديانته، إذ أوصت يوسف أن يستعرض قوته العسكرية أمامه، وفي نفس الوقت عرفت كذلك كيف تستمل أنصاره وجنوده بإغداق الهدايا عليهم[5]. وإذا كان يصعب تأكيد وقبول هذه الرواية التي تبد للوهلة الأولى أنها مصطنعة وموضوعة، فهي في الوقت نفسه تبين مدى تأثير هذه المرأة في المجال السياسي، لأن ما لا شك فيه أنها شاركت زوجها الجديد في وضع وتنفيذ سياسة فتح المغرب الأقصى،”إذ كانت القائمة بملكه المديرة لأمره، الفاتحة بسياستها أكثر بلاد المغرب، وكانت عنوان سعده[6]. وحقيقة الأمر أن هذا الدور السياسي لم يأتي لزينب النفزاوية من فراغ، بل قام بناءً على عادات الأسر الأمسية التي لازالت راسخة لدى المرابطين الى ما بعد عصر يوسف بن تاشفين، وعلى أية حال، لم تكن المرأة المرابطية هي الوحيدة التي تدخلت في الشؤون السياسية للدولة فقد احتفظت النساء المرابطيات بنفوذ قوي في تسيير الأمور العامة، لأن رجوع أبي بكر بن عمر للصحراء كان بسبب إصغائه لقول”ممثلة الرأي العام والقائمة على أمور العباد” في قبيلتها، وهي إمرأة عجوز، وذلك حين قالت:”ضيعنا أبوبكر بن عمر بدخوله الى بلاد المغرب”[7].
على غرار زينب النفزاوية التي اقتحمت المجال السياسي الذي إحتكر كثيرا من طرف الرجل في الفترة المرابطية، برزت الى جانبها نساء أخريات في ميادين شتى، كالأدب الذي لم يفلت من قبضتهن، حيث ظهرت بنت أخ يوسف بن تاشفين من أمه، ويتعلق الأمر هنا بحواء بنت تاشفين وزوجة قائد مرابطي مشهور هو سير بن أبي بكر الذي ولي أشبيلية مدة أربعة وعشرين سنة، كانت هذه السيدة أديبة شاعرة جليلة ماهرة ذات نباهة وبديهية وبراعة، وكانت تعقد المجالس الأدبية ويحضرها كبار الشعراء والكتاب في البلاط المرابطي، وتستمع الى أحاديثهم في الشعر وتنتقد عليهم وتحاضرهم، منهم الوزير والفيلسوف مالك بن وهيب الأندلسي والشاعر الكبير ابن القصيرة وغيرهم في فحول أدباء عصرها، الدين تزخر بهم مدينة مراكش من علماء المغرب والأندلس، كما مدحها شعراء كثيرون منهم الرجل والشاعر الأعمى التطيلي الذي خصها بقصيدة طويلة[8]. مثلما برزت كذلك رفاء بنت ينتان الطليلية التي سكنت مدينة فاس، اشتهرت بالأدب والشعر وحفظ القرأن وبراعة الخط، توفيت بعد سنة (540هـ/1145م)[9].
والملاحظ كذلك، أن هذا العنصر المؤثر اجتماعيا لم يقتصر دوره فيما هو سياسي واقتصادي فقط؛ بل تجاوز الأمر المألوف، فمن خلال ما صدفناه من إفادات مصدرية اتضح لنا كذلك، أن المرأة الصنهاجية تقمصت مهمات قد تبدو صعبةٍ؛ على فزيولوجيتها وقدراتها العضلية، حيث تطرق المؤرخين لمجموعة من النسوة اللواتي اقتحمن المجال الحربي والعسكري؛ ونحن نعلم واقع الوضعية السياسية والأمنية لتلك الحقبة؛ التي اتسمت أساسا بالتوثر والصراع المستمر بين الكيانات السياسية في الغرب الإسلامي أنداك، الصراع المتمثل في التناحر المرابطي الموحدي من أجل السيطرة على المجال، والذي يعتبر من الأسباب التي ساهمت في تسلل الحماس والعاطفة لذهنية المرأة، لتساهم بما لها من إمكانيات في دفع الضرر وجلب المنفعة، فقد كان لها داخل الدولة هذه صيت وممارسة عملية عندما كانت تخوض الحرب عند الضرورة للدفاع عن النفس، ومن تلك الزعامات النسوية نذكر الفارسة “فانو” بنت عمر بن ينتان التي قاومت الموحدين ببسالة سنة (541هـ/1146م)، أثناء احتلالهم لمدينة مراكش بعد حصار لها دام تسعة أشهر، فكانت تحاربهم عند قصر الحجر، لذلك فلم يستطيعوا دخوله حتى استشهدت تلك الفتاة، وأخبرنا البيدق بالحادث فقال: “كانت في ذلك اليوم تقاتل الموحدين وهي في هيئة رجل، وكان الموحدين متعجبون من قتالها، ومن شدة ما أعطاها الله من الشجاعة وهي بكرًا، فلما ماتت حينئذ دخلت القصر، ولم يعرف الموحدون هل هي إمرأة حتى ماتت”[10]، علاوة على ذلك، فهناك من المصادر من أشارت الى انزعاج زعماء الجيش الموحدي لقتلهم لها حينما نقلت للبلاط، لربما أن السبب يعود بالأساس لتبني الموحدين للتقاليد الإسلامية؛ التي تأمر بعدم المس بالضعفاء(الأطفال، الشيوخ، النساء) أثناء الحروب.
وأيضا الأميرة تمكونت بنت الأمير سير بن أبي بكر، التي وقعت في أسر الموحدين في صحبة ألف وخمس مائة امرأة مرابطية سنة (535هـ/1140م)، وطالبت مقابلة الخليفة عبد المومن بن علي الكومي، ذكرته بفضل أبيها سير الذي شفع لمهدي بن تومرت لدى علي بن يوسف بمراكش، فراعى لها المؤمن ذلك وهم بإطلاق سراحها وحدها، لكنها أصرت على أن يطلق معها باقي الأسيرات وإلا فلن تقبل أن تسرح وحدها، وحصل لها ما أرادت، فوصلت مراكش معززة مكرمة مع رفيقاتها، فرد المرابطون هذا الجميل بإطلاق أسيرات موحديات حصلن في أيديهم[11].
بالإضافة لهذه الأدوار الطلائعية التي لعبتها المرأة المرابطية داخل مجتمعها؛ فقد ارتبطت كذلك لما لها من حضور وازن داخل الأسرة والقبيلة بعادة تعود لعهود قديمة وبالضبط الى العهد الأميسي، حيث عرف الكثير من وجهاء المرابطين من أمراء؛ ووزراء وولاة أقاليم وقادة عسكريين كبار بالإنتساب إلى أمهاتهم، وحملت كذلك كثير من البيوتات المرابطية الشهيرة إسم الجدة، في الوقت الذي قد نجد فيه أن هذه العادة غير مقبولة في مناطق أخرى في العالم الإسلامي، فلا نجد في الأسر المرابطية حرجا أو غضاضة في الانتساب للأم لأنه كان من أعرافهم، وقد حاول البيدق جمع عدد من الأسماء في مؤلفه التي انتسبت للأم من لقادة عسكريين وولاة على الأقاليم[12]. كما اشتهر بعض العلماء بنسبهم الى أمهاتهم كذلك، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أبو الحسن بن سكينة[13]، ونسب الولد الى أمه أضحى ظاهرة في الإخوة، نذكر منهم: أولاد مية، أولاد الكسيمية، وفي الأولاد نذكر منهم: أولاد بنت السيد، أولاد بنت كلاد، وأولاد امباركة، أولاد العالية، وأولاد عيشة، وغيرهم[14] ، كما ينسب الولد الى قبيلة الأم مثل: هنون العبيدي نسبة الى العبيدات قبيلة أمه[15].
فصحة القول، ان نجاح الدولة المرابطية في أن تكوين أكبر إمبراطورية شهدها الغرب الإسلامي لم يأتي من فراغ، وإنما ذلك قائم على عدة عوامل ساهمت بدورها في إبراز قوة هذا الكيان السياسي في المغرب الأقصى وإفريقيا بشكل عام، عوامل كانت فيها للجانب الإجتماعي والسياسي الغلبة ، ذلك من خلال الإبقاء على تقاليد متوارثة لا تهدف الى خلخلة البنية الاجتماعية للدولة وإنما لتقويتها في شتى الجوانب، عن طريق إشراك مختلف مكوناتها في عملية بناءها في ميادين عدة، فالمرأة الصنهاجية في ظل ما تضمنها لها الأعراف المحلية في هذا المجتمع؛ استطاعت الوصول لأعلى المراتب السياسية والعسكرية؛ التي سيحتكرها الرجل في الدول التي تلت المرابطين كالمرينيين مثلا، بالتالي فالتجربة المرابطية قدمت لنا نموذجا فريدا في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، فما نجده في العصر المعاصر في بعض المجتمعات الصحراوية(المجتمع الأزوادي) في افريقيا الشمالية، من تقدير وإعلاء للمرأة، فإنه يعتبر امتدادا للثقافة المرابطية وأعرافها بالرغم من التباعد الزمني بين هذه المرحلة وتلك.
المصادر والمراجع:
[1]- انظر، مقال، مصطفى علاحمو، “المرأة والحرب في دولة المرابطين”، ص2.
[2]- نفسه.
[3]- إبن عذاري(المراكشي)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج4، [الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، تحقيق: إبراهيم الكتاني ومحمد زنيبر ومحمد بن تاويت عبد القادر رزمامة]، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1985، ص. 18.
[4]- نفسه، ص.ص. 24-25.
[5]- حسن علي(حسن)، الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين، مصر: مكتبة الخانجي، ط1، 1980، ص. 18.
[6]- إبن عذاري(المراكشي)، م. س.ج1، ص. ص. 23-24.
[7]- أنظر، إبن أبي زرع، الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ص. 53.
[8]- إبن عذاري، م. س، ج4، ص. 22.
[9]- أنظر، عبد الملك المراكشي، الديل والتكلمة، ص. 493.
[10]- أبي بكر بن علي الصنهاجي(البيدق)، المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين، الرباط: دار المنصورة للطباعة والوراقة، 1971، ص. 64.
[11]- نفسه، م. س. ص. 49.
[12]- البيدق، أخبار المهدي، م. س. ص. ص. 21-27.
[13]- ابن عبد الملك(المراكشي)، م. س. ج5، ص. ص. 561- 562.
[14]- البيدق، م. س. ص. 49.
[15]- ابن أبي زرع، م. س. ص. 53.
* طالب باحث في التاريخ والتراث- جامعة إبن زهر، أكادير



























المفضلات