 |
بتاريخ : 17-01-2017 الساعة : 09:10 PM
رقم
#1
رسالة جليلة المقدار في نسب وخصوصيات وشمائل ومعجزات النبي المختار
|
شاملى ذهبى
|
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم
رسالة جليلة المقدار في نسب وخصوصيات وشمائل ومعجزات النبي المختار
صلي الله عليه وسلم تأليف العبد الفقير إلي عفو ربه القدير يوسف إبراهيم بقوى التجاني
عفا الله عنه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين .
أما بعد :
قال رسول الله ما عرفني غير ربي ) وإنما يكتب الذين يكتبون في خصائصه وغيرها من خصاله تبركاً وإلا فمن يحصي مياه البحر في مده العريض وعمقه البعيد رسالة جليلة المقدار في نسب وخصوصيات وشمائل ومعجزات النبي المختار وإنما هو نذر يسير ليعين المسلم ويقف بذلك علي قدر ما أكرم الله به رسوله صلي الله عليه وسلم رسالة جليلة المقدار في نسب وخصوصيات وشمائل ومعجزات النبي المختار وقد منَّ الله علينا بتخريج هذا الكتاب في شمائله ومعجزاته وخصوصياته وقد جاء نفحة ربانية وفيضة من فيوض الرحمة العلية ونبعة من عيون المعارف الجلية كيف لا وهو يتحدث عما امتن الله به علي سيد الوجود والسبب الأصلي في كل موجود قطب العوالم وإنسان عينها وأساس الكائنات ومنبع سرها رسالة جليلة المقدار في نسب وخصوصيات وشمائل ومعجزات النبي المختار أرسله الله سبحانه وتعالي رحمة للعالمين وقدوة للسالكين ومحجة علي الناس أجمعين ، فهدي به من الضلالة ، وبصر به من العمى ، وعلم به من الجهالة ، وأعز به بعد الذلة وكثر به بعد القلة ، وجمع به بعد الشتات وأرشد به من الغي ، تألفت به القلوب ، وزالت به الكروب ، واستقامت به الحجة افترض الله سبحانه وتعالي علي العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه ، وسد إلي جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه ، وفتح برسالته أعيناَ عمياَ وآذانا ًصماً وقلوباً غلفا ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأُمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فانتقل إلي البرزخ يتقلب في الألطاف الإلهية فلم يترك خيراً إلا دل أُمته عليه ، ولم يترك شراً إلا حذر منه ومنع من سلوك طريق يؤدي إليه ، فاجزه اللهم عنا أفضل ما جازيت به نبياً عن أُمته واعطه سؤله وبلغه مأموله ، اللهم صل عليه صلاة وسلاماً نستمد بهما من بحره الفياض ونستوجب بهما من الله رضا لا يعقبه إعراض . وعلي آله المقتبسين من مشكاة أنواره وأصحابه المغترفين من بحور أسراره . والله أسأل أن ينفع كل من كل من وقف علي هذا الكتاب النفع العميم إنه نعم المولي ونعم النصير.
يوسف إبراهيم بقوي
سلسلة المصطفي الذهبية التي تحكي نسبه صلي الله عليه وسلم
السيد الأكرم الذي شرف الناس وجوده وهو سيدنا (محمد بن عبد الله) من زوجه آمنة بنت وهب الزهرية من بني زهرة بن كلاب من قريش (ابن عبد المطلب) من زوجه فاطمة بنت عمرو المخزومية من بني مخزوم بن يقظة بن مرة من قريش وكان عبد المطلب شيخاً معظماً في قريش يصدرون عن رأيه في مشكلاتهم ويقدمونه في مهماتهم (ابن هاشم) من زوجه سلمي بنت عمرو المخزومية من بني النجار من الخزرج إحدى القبيلتين التين كانتا تقيمان بالمدينة وهما الأوس والخزرج وهما أخوان وسمي رسول الله كلاً أنصاراً (ابن عبد مناف ) من زوجه عاتكة بنت مُرة السلمية من بني سليم بن منصور إحدى قبائل قيس غيلان بن مضر ( بن قصي ) من زوجه حي بنت حليل الخزاعية من بني خزاعة بن عمرو إحدى قبائل قمعة بن الياس بن مضر وهم الذين كانوا يتولون البيت قبل قريش . وكانت لقصي في الجاهلية حجابة البيت وسقاية الحاج وإطعامه المسمي بالرفادة . والندوة وهي الشورى لا يتم أمر إلا في بيته . وكذلك اللواء لا تعقد راية لحرب إلا بيده ولما أشرف علي الموت جعلها في يد أحد أولاده عبد الدار ، لكن بنو عبد مناف أجمعوا رأيهم ألا يتركوا بني عمهم عبد الدار يستأثرون بهذه المفاخر وكاد يفضي الأمر إلي القتال لولا أن تدارك الأمر عقلاء الفريقين فأعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة فدامتا فيهم ألي أن انتهت إلي العباس بن عبد المطلب ثم لبنيه من بعده . أما الحجابة فبقيت بيد بني عبد الدار وأقرها لهم الشرع فهي فيهم إلي الآن وهم بني شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. وأما اللواء فدام فيهم حتى أبطله الإسلام وجعله حقاً للخليفة علي المسلمين يضعه فيمن يراه صالحاً له وكذلك الندوة وقصي (ابن كلاب ) من زوجه فاطمة بنت سعد وهي يمانية من أزد شنوءة (ابن مرة ) من زوجه هند بنت سرير من بني فهر بن مالك ( ابن كعب) من زوجه وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضا ( ابن لؤى) من زوجه أُم كعب مارية بنت كعب من قضاعة ( بن غالب ) من زوجه أُم لؤى سلمي بنت عمر الخز اعي ( ابن فهر) من زوجه أُم غالب ليلي بنت سعد من هزيل . وفهر هو قريش _ في قول الأكثرين _ وكانت قريش اثني عشرة قبيلة :
1/ بنو عبد مناف 2/ بنو عبد الدار بن قصي
3/ بنو أسد بن عبد العزى بن قصي 4/ بنو زهرة بن كلاب
5/ بنو مخزوم بن يقظة بن مرة 6/ بنو تيم بن مرة
7/ بنو عدي بن كعب . 8/ بنو سهم بن هصيص بن عمرو بن كعب.
9/ بنو عامر بن لؤى . 10/ بنو تيم بن غالب .
11/ بنو الحارث بن فهر . 12/ بنو محارب بن فهر.
المقيمون منهم بمكة يسمون قريش البطاح والذين بضواحيها يسمون قريش الظواهر( ابن مالك ) من زوجه جندلة بنت الحرث من جرهم ( ابن النضر ) من زوجه عاتكة بنت عدوان من قيس غيلان ( ابن كنانة ) من زوجه بره بنت مرين إد ( ابن خزيمة ) من زوجه عوانة بنت سعد من قيس غيلان ( ابن مدركة ) من زوجه سلمي بنت أسلم من قضاعة ( ابن الياس ) من زوجه خندق المضروب بها المثل في الشرف والمنعة ( ابن مضر ) من زوجه الرباب بنت جندة بن معد ( ابن نزار ) من زوجه سوده بنت عك (ابن معد) من زوجه معانة بنت جو شم من جرهم (ابن عدنان ) . هذا هو النسب المتفق علي صحته من علماء التاريخ والمحدثين ، أما النسب فوق ذلك فلا يصح فيه طريق غاية الأمر أنهم أجمعوا علي أن نسب الرسول ينتهي إلي إسماعيل بن إبراهيم أبي العرب المستعربة . نسب شريف كما تري آباء طاهرون وأُمهات طاهرات . فالجدة الأُولي مخزومية والثانية نجارية والثالثة سلمية والرابعة سلمية وقيل خزاعية والخامسة أزدية والسادسة كنانية والسابعة فهريه والثامنة فهميه أو فهريه والتاسعة كنانية والعاشرة هزلية والحادية عشر جرهميه والثانية عشر قيسيه والثالثة عشر مريه . أهـ
نسب النبي صلي الله عليه وسلم من جهة الأُم
هو نبينا محمد بن السيدة الجليلة المصونة ( آمنة ) بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن النضر بن كنانة .
نسب جدات النبي صلي الله عليه وسلم من جهة أُمه آمنة
أُم السيدة آمنة هي ( بره ) بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر 0 أما أُم بره فهي ( قلابة ) بنت الحرث بن مالك بن طابخة بن صعصعة ابن غادية بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هزيل 0 وأما أُم قلابة فهي ( أُميمة ) بنت مالك بن غنم بن لحيان بن غادية بن كعب0 وأما أُم أُميمة فهي ( دية ) بنت الحرث بن لحيان بن غادية 0 أما أُم دية فهي بنت كهف الظُلَم من ثقيف _وان أبا قلابة المتقدم أعني الحرث كان أقدم شعراء هزيل وفصحائها _ إن أُمهات النبي كلهن قرشيات حسباً ونسباً وعفة وكرامة لم يزل من أصلاب أُولئك إلي أرحام هؤلاء حتى اختاره الله هادياً مهدياً من أواسط العرب نسباً فهو صميم قريش التي لها القدم الأُولي في الشرف وعلو المكانة بين العرب ولا تجد في سلسلة آبائه إلا كراماً ليس فيهم مسترذل بل كلهم سادة قادة وكذلك أُمهات آبائه من أرفع قبائلهن شأناً ولا شك أن شرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة وكل اجتماع بين آبائه وأُمهاته كان شرعياً بحسب الأُصول العربية ولم ينل نسبه شيء من سفاح الجاهلية بل طهره الله من ذلك والحمد لله رب العالمين .
شمائل الرسول صلي الله عليه وسلم
منح الله سبحانه وتعالي نبينا من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره من قبله أو بعده فلا بد للمسلم أن يقف علي شمائل الرسول العظيم ليستقي منها ومن ينعها رشفات من المعرفة تكون له هادياً دليلاً لمتابعة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ولن يتأتي له السير علي القدم النبوي إلا بمعرفة محاسن صفات النبي ومعرفة أحاسن آدابه . وبذلك يستحق الحمد في الدنيا والفوز في الأُخرى .
خصال الكمال والجلال في البشر
اعلم أرشدنا الله وإياك وخصنا بمتابعة النبي أن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلي الله زلفى .
خصال الكمال والجلال الضرورية :
الكمال الضروري ما ليس للمرء فيه اكتساب ولا اختيار مثل ما كان في جبلته من كمال الخلقة وجمال الصورة وقوة العقل وصحة الفهم وفصاحة اللسان وقوة الحواس والأعضاء واعتدال الحركات وشرف النسب وعزة القوم وكرم الأرض ويلحق بذلك ما تدعوا الضرورة إليه من الغذاء والنوم والملبس والمسكن والمال والجاه.
الخصال المكتسبة الأُخروية :
كل ما يصلح أن يكون من زاد الآخرة مثل الأخلاق العلية والآداب السنية مثل الدين والعلم والحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع والعفو والعفة والجود والشجاعة والحياء والمروءة والصمت والتؤدة
والوقار والرحمة وحسن الأدب والمعاشرة وكل ما يجمعه حسن الخلق .
خصال الكمال التي هي غير مكتسبة وفي جبلة الخلقة حاز أوفرها
الصورة وجمالها وتناسب أعضائه في حسنها :
فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك من أنه كان أزهر اللون أدعج [ أي شديد سواد الحدقة مع سعة فيها ] أنجل [ واسع العين مع حسن فيها ] أشكل [ أي في بياض عينيه حمرة ] أهدب الأشفار [ أي كثير شعر حروف الأجفان ] أبلج [ أي مضيء الوجه مشرقه ] أزج [ أي رقيق الحاجبين ] أقنى [ مرتفع قصبة الأنف ] أفلج [ أي مفتوح بين الثنايا والرباعيات ] واسع الجبين كث اللحية تملأ صدره سواء البطن عظيم الصدر عظيم المنكبين ضخم الكراديس عبل العضدين والذراعين والأسافل رحب الكفين والقدمين سائل الأطراف أنور المنجرد دقيق المسربة ربعة القد ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ومع ذلك لم يكن يماشيه أحد ينسب إلي الطول إلا طاله رجل الشعر إذا افْتَرَّ ضاحكاً افْتَرَّ عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام إذا تكلم رؤى النور يخرج من بين ثناياه . أحسن الناس عنقاً ليس بمطهم [ أي كثير اللحم ] ولا مكلثم _متماسك البدن ضرب اللحم _ قال البراء بن عازب : ما رأيت من ذي لمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله .وقال أبو هريرة : ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله كأن الشمس تجري في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدر . وفي حديث ابن أبي هالة : يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر . وقال علي في آخر وصف له : من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفةً أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله . أما نظافته في جسمه وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد فكان قد خصه الله تعالي في ذلك بخصائص لم توجد في غيره ثم أتمها بنظافة الشرع . قال عليه الصلاة والسلام : ( بني الدين علي النظافة ) ، وقال أنس : ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله . وعن جابر أنه مسح خده قال : فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار . قال غيره : مسها بطيب أو لم يمسها ، يصافح المصافح فيظل يجد ريحها يومه كله ، ويضع يده علي رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها . وروي البخاري في تاريخه الكبير عن جابر : لم يكن النبي يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه.
وفور عقله صلي الله عليه وسلم
أما وفور عقله وذكاء لبه وقوة حواسه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم 0 ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم وسياسته للعامة مع عجيب شمائله وبديع سيره فضلاً عما أفاد من العلم وقدره من الشرع دون تعلم سابق ولا ممارسة تقدمت ولا مطالعة للكتب لم يمتر في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول بديهة . وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام في الصلاة يري من خلفه كما يري من أمامه وبذلك فسر قوله : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . وفالت عائشة : كان عليه الصلاة والسلام يري في الظلمة كما يري في الضوء ، وكان يعد في الثريا أحد عشر نجماً . وجاءت الأخبار أنه صرع ركانة أشد أهل وقته ، وكان قد دعاه إلي الإسلام . وقال أبو هريرة : ما رأيت أحداً أسرع من رسول الله في مشيه كأنما الأرض تطوي له إنّا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث . وفي صفته عليه الصلاة والسلام أن ضحكه كان تبسما إذا التفت التفت معاً وإذا مشي مشي تقلعاً كأنما ينحط من صبب .
فصاحة لسانه صلي الله عليه وسلم
أما فصاحة لسانه وبلاغة قوله فقد كان عليه الصلاة والسلام بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع وفصاحة لفظ وجذالة قول وصحة معان وقلة تكلف ، أوى جوامع الكَلِم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب فكان يخاطب كل أُمة بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله . من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه ، وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال حضرموت وملوك اليمن وعظماء نجد بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته من الألفاظ وما انتهجته من طرق البلاغة ليبين للناس ما أُنزل إليهم وليحدث الناس بما يعملون .
كلامه صلي الله عليه وسلم
أما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه فقد ألف الناس فيها الدواوين وجمعت من ألفاظها ومعانيها الكتب ومنها ما لا يوازي فصاحة وبلاغة كقوله : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد علي من سواهم . قوله : الناس كأسنان المشط. والمرء مع من أحب . ولا خير في صحبة من لا يري لك ما ترى له . والناس معادن . وما هلك امرؤ عرف قدره . والمستشار مؤتمن . ورحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت فسلم. وقوله أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين . وان أحبكم أليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون . وقوله : لعله كان يتكلم بما لا يعنيه أو يبخل بما لا يغنيه .وقوله : ذو الوجهين لا يكون وجيهاُ عند الله . ونهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات وعقوق الأُمهات ووأد البنات . وقوله : اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن . وخير الأُمور أوسطها . وقوله : أحبب حبيبك هونا ًما عسي أن يكون بغيضك يوماً ما . وقوله : الظلم ظلمات يوم القيامة . وقوله في بعض دعائه : اللّهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي وتصلح بها رغائبي وتزكي بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها الفتي وتعصمني بها من كل سوء . اللّهم إني أسألك الفوز في القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر علي الأعداء. إلي غير ذلك مما روته الكافة عن الكافة من مقاماته ومحاضراته وخطبه وأدعيته ومخاطباته وعهوده مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز سبقاً لا يقدر قدره وقد قال أصحابه : ما رأينا الذي هو أفصح منك . فقال : وما يمنعني وإنما نزل القرآن بلساني لسان عربي مبين . وقال مرة أُخري : بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد .جمع بذلك قوة عارضة البادية وجذا لتها ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلي التأييد الإلهي الذي هو مدد الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشر .
* * *
شرف أرومته وكرم محتده صلي الله عليه وسلم
أما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلي إقامة دليل عليه ولا بيان مشكل ولا خفي منه . فإنه نخبة بني هاشم ونخبة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفراً من قبل أبيه و أُمه ومن أهل مكة أكرم بلاد الله علي الله وعلي عباده .
ما تدعوا إليه ضرورة الحياة كالنوم والأكل
أما ما تدعوا إليه ضرورة الحياة فمنه ما الفضل في قلته ومنه ما الفضل في كثرته ومنه ما تختلف فيه الأحوال .
الغذاء والنوم :
لم تزل العرب والحكماء قديماً تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل والشرب دليل علي النهم والحرص وعلي الشره وغلبة الشهوة مسبب لمضار الدنيا والآخرة جالب لأدواء الجسد وخثارة النفس وامتلاء الدماغ وقلة الأكل دليل علي القناعة وملك النفس وقمع الشهوة مسبب للصحة وصفاء الخاطر وحدة الذهن .
النوم :
النوم وكثرته دليل علي الغسولة وضعف النفس وعدم الذكاء والفطنة مسبب للكسل وعادة العجز وتضيع العمر في غير فائدة وقسوة القلب وغفلته وموته . وكان قد أخذ من النوم والأكل بالأقل وحض عليه .
قول الرسول صلي الله عليه وسلم في الأكل
( ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) القاعدة الاعتدالية التي من عمل بها أغناه الله من الوقوف علي أبواب الحكماء يطلب منهم وصفات الدواء لما يعتريه من الآلام التي يسببها التفريط في الأكل . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل . وقالت عائشة رضي الله عنها : لم يمتلئ جوف النبي شبعاً قط وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاماً ولا يشتهاه إن أطعموه أكل وما أطعموه قبل وما سقوه شرب. وفي صحيح الحديث أما أنا فلا آكل متكئاً ).
الاتكاء للأكل :
الاتكاء هو التمكن للأكل والتقعد في الجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس علي ما تحته والجالس علي هذه الهيئة يستدعي للأكل ويستكثر منه . والنبي إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعياً ويقول : ( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ) وكذلك نومه كان قليلا ومع ذلك كان يقول إن عيني تنامان ولا ينام قلبي). أما ما الفضل في كثرته فكالجاه وهو محمود عند العقلاء وعادة بقدر جاهه عظمة في القلوب وقد قال تعالى في صفة عيسي : وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وكان النبي قد رزق الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه ويقصدون أذاه في أنفسهم خفية حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته كما ذكرنا وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره كما روي عن قيلة أنها أرعدت من الفرق فقال : ( يا مسكينة عليك السكينة ) وفي حديث أُبي أن رجلاً قام بين يديه فأرعد فقال له عليه الصلاة والسلام : ( هون عليك فإني لست ملك ) .
وان كل الحسن يكمل صورة ورآه كان مهللاً ومكبرا
أما عظيم قدره بالنبوة وشريف منزلته بالرسالة وأنافة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ
النهاية ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم .
أما تختلف فيه الحالات في التمدح به والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله ككثرة المال فصاحبه علي الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به إلي حاجاته وتمكنه من أغراضه وإلا فليس فضيلة في نفسه ، فمتي كان بهذه الصورة وصاحبه منفقاً له في مهماته ومهمات من قصده وأمله يصرفه في مواضعه مشتريا به المعالي والثناء الحسن والمنزلة في القلوب كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا . وإذا صرفه في وجوه البر ، وأنفقه في سبيل الخير، وقصد بذلك الله تعالي والدار الآخرة فضيلة عند الكل بكل حال . ومتي كان صاحبه ممسكاً له غير موجه وجوهه حريصاً علي جمعه عاد كثرة كالعدم وكان منقصة في صاحبه ولم يقف به علي جدد السلامة بل أوقعه في وهدة رذيلة البخل ومذمة النذالة . فلتمدح بالمال ليس لذاته بل للتوصل به إلي غيره وتصريفه في متصرفاته فنبينا أُوتى خزائن الأرض ومفاتيح البلاد وأُحلت له الغنائم وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن ، وجمع جزيرة العرب وما داني ذلك من الشام والعراق وجُلب إليه الكثير من أخماسها وجزيتها وصدقاتها وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء ولا أمسك شيء منه بل صرفه مصارفه وأغني به غيره وقوي به المسلمين وقال : ( ما يسرني أن لي أُحداً ذهباً يبيت عندي منه دينار إلا دينار أرصده لديني ) وأتته مرة دنانير فقسمها وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها وقال : ( الآن استرحت ) . واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه علي ما تدعي إليه الضرورة وزهد في ما سواه ، فكان يلبس ما وجده ، فيلبس في الغالب الشملة والكساء الخشن والبرد الغليظ ، ويقسم علي من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب ويرفع لمن لم يحضر. فأنت تري أن رسول الله حاز فضيلة المال بالزهد فيه وانفاقه علي مستحقه .
حسن خلقه صلي الله عليه وسلم
أما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة وهي المسماة بحسن الخلق فجميعها قد كان خلق رسول الله علي الانتهاء في كمالها والاعتدال في غايتها حتى أثني الله سبحانه وتعالي بذلك فقال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ . وقالت عائشة : كان خلقه القرآن يرضي برضاه ويسخط بسخطه وقال عليه الصلاة والسلام : ( بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق ) وقال أنس : كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقاً . وكانت له هذه الآداب الكريمة كما كان لإخوانه من الأنبياء جبلة خلقوا عليها ثم يتمكن الأمر لهم وتترادف نفحات الله عليهم ، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم حتى يصلوا اصطفاء الله لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة دون ممارسة ولا نهاية ، وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة كثيرة ولكنا نذكر أُصولها ونشير إلي جميعها ونحقق وصفه عليه الصلاة والسلام بها إن شاء الله تعالى .
أُصول أخلاقه صلي الله عليه وسلم
فأصل فروعها وعنصر ينابيعها ونقطة دائرتها العقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي وجودة الفطنة والإصابة وصدق الظن والنظر للعواقب ومصالح النفس ومجاهدة الشهوة وحسن السياسة والتدبير واقتناء الفضائل وتجنب الرذائل وقد بلغ عليه الصلاة والسلام منه ومن العلم الغاية التي لم يبلغها بشر سواه . يعلم ذلك من تتبع مجاري أحواله واطراد سيره وحكم حديثه وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأُمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال وسياسة الأنام وتقرير الشرائع وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة إلي فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة وإشارته حجة كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون تعليم ولا ممارسة ولا مطالعة كتب من تقدم ولا الجلوس إلي علمائهم بل نبي أُمي لا يعرف شيئاً من ذلك حتى شرح الله صدره وأبان أمره وعلمه ، وبحسب عقله كانت معارفه عليه الصلاة والسلام إلي سائر ما علمه الله وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان وعجائب قدرته وعظيم ملكوته قال تعالى : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً.
حلمه صلي الله عليه وسلم
أما الحلم والاحتمال والعفو عند القدرة والصبر علي ما يكرهه فمما أدب الله به نبيه فقال : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . وقد سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن تأويلها فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالي يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك تعفو عمن ظلمك . وقال له : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وقد تضافرت الأخبار عن اتصافه عليه الصلاة والسلام بنهاية هذه الأُمور والأوصاف فما من حليم إلا عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة ، ونبينا لا يزيد مع كثرة الإيذاء إلا صبراً وعلي إسراف الجاهل إلا حلما . قالت عائشة رضي الله عنها : ما خير عليه الصلاة والسلام في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه . وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله . ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أُحد وطلب منه أن يدعوا عليهم قال : ( اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ). وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين آذوه واستهزءوا به وأخرجوه من دياره هو وأصحابه ثم قاتلوه وحرضوا عليه غيرهم من مشركي العرب حتى تمالأ عليه جمعهم ، ثم لما فتح الله سبحانه وتعالي عليه مكة ما زاد علي أن عفي وصفح وقال : ( ما تقولون أني فاعل بكم ) ؟ . قالوا خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) . وعن أنس : كنت مع النبي وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه اعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال : يا محمد احمل لي علي بعيري هذين من مال الله عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك ، فسكت النبي ثم قال : المال مال الله وأنا عبده ، ثم قال : ويقاد منك يا اعرابي ما فعلت بي ، قال : لا ، قال : لم ؟ قال : لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة ، فضحك عليه الصلاة والسلام ثم أمر أن يحمل علي بعير شعير وعلي الآخر تمر . قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رسول الله منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله تعالي وما ضرب بيده الشريفة شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ضرب خادماً ولا امرأة . صلي الله عليه وسلم وأقر عينه باتباع المسلمين سنته وانتهاج نهجه .
جوده وكرمه وسخائه وسماحته
أما الجود والكرم والسخاء والسماحة فكان عليه الصلاة والسلام لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يبارى . وصفه بهذا كل من عرفه ، قال جابر : ما سُئل عليه الصلاة والسلام عن شئ فقال لا ، وقال ابن عباس : كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان ، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخبر من الريح المرسلة ، وقالت خديجة في صفته عليه الصلاة والسلام مخاطبة له : إنك تحمل الكل و تكسب المعدوم . وحسبك شاهداً في هذا الباب ما فعله مع هوزان من رد السبي إليها وما فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم الأعطية . وقد حمل إليه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفاً فوضعها علي حصير وأخذ يقسمها فما قام حتى فرغ منها وجاءه رجل فسأله فقال : ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه . فقال له عمر : ما كلفك الله ما لا تقدر عليه 0 فكره ذلك عليه الصلاة والسلام ، فقال له رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا ، فتبسم عليه الصلاة والسلام وعُرف البشر في وجهه وقال : ( بهذا أُمرت ). والأخبار بجوده وكرمه عليه الصلاة والسلام كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ذكرناه .
شجاعته صلي الله عليه وسلم
الشجاعة والنجدة ، فكان عليه الصلاة والسلام منهما بالمكان الذي لا يجهل ، قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة وهو ثابت لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح ، وما من شجاع إلا أُحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه وحسبك ما فعله في حنين وغزوة أُحد . قال ابن عمر : ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضي من رسول الله ، وقال علي كرم الله وجهه : إنّا كنّا إذا اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلي العدو منه ، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي وهو أقربنا إلي العدو وكان من أحسن الناس يومئذ بأساً . وقال أنس : كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس ، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم عليه الصلاة والسلام راجعاً قد سبقهم إلي الصوت واستبرأ الخبر علي فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا
حياؤه وإغضاؤه عليه الصلاة والسلام
أما الحياء والإغضاء فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء وأكثرهم عن العورات إغضاء ، قال أبو سعيد الخدري : كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ، وكان عليه الصلاة والسلام لطيف البشرة رقيق الظاهر لا أحداً بما يكرهه حياء وكرما ، قالت عائشة : كان عليه الصلاة والسلام إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا وكذا بل يقول : ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا ؟ ينهي عنه ولا يسمي فاعله ، وقالت رضي الله عنها : لم يكن عليه الصلاة والسلام فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح .
* * *
عشرته وأدبه وبسط خلقه صلي الله عليه وسلم
أما حسن خلقه وبسطه وحسن عشرته وأدبه مع أصناف الخلق فمما تضافرت وانتشرت به الأخبار الصحيحة ، قال علي : كان عليه الصلاة والسلام أوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة وكان عليه الصلاة والسلام يؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشره ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً وصاروا عنده في الخلق سواء . بهذا وصفه ابن أبي هالة وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه . قال تعالي : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. وقال تعالي : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه ويقبل ولو كانت كراعاً ويكافئ عليها ، وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويلاعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والمسكين ويعود المرضي في أقصي المدينة ويقبل عذر المعتذر . وقال أنس : ما التقم أحد أُذن النبي يحادثه فنحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، ولم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه حتى لا يضيق بهما علي أحد ، يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبي ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ولا يقطع علي أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام وكان أكثر الناس تبسماً وأطيبهم نفساً ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب .
* * *
الشفقة والرحمة والرأفة بجميع الخلق
قد وصفه الله سبحانه وتعالي بالشفقة والرأفة والرحمة بجميع الخلق 0 قال تعالي : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وقال تعالي : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . روي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئاً فأعطاه ثم قال : أأحسنت إليك ؟ قال الاعرابي : لا ولا أجملت . فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه وزاده شيئاً وقال أأحسنت إليك ؟ فقال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك ، قال : نعم ، فلما كان الغد أو العشي جاء فقال عليه الصلاة والسلام : إن هذا الاعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أكذلك ؟ قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال عليه الصلاة والسلام : مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بيني وبين وناقتي فاني أرفق بها منكم وأعلم فتوجه لها بين يديها وأخذ لها من قسام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها واستوي عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار . وقال عليه الصلاة والسلام : لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا فإني أُحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر . وكان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته ، وعن ابن مسعود : كان عليه الصلاة والسلام يتخوا لنا بالموعظة مخافة السآمة علينا .
وفاؤه وحسن عهده وصلة رحمه صلي الله عليه وسلم
أما خلقه عليه الصلاة والسلام في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم ، فروي عن عبد الله بن أبي الخمساء قال : بايعت النبي ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو مكانه ، فقال : يا فتي لقد شققت علي أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك ! وكان إذا أُتي بهدية قال : اذهبوا بها إلي بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة ، إنها كانت تحب خديجة 0 وكان عليه الصلاة والسلام يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم علي من هو أفضل منهم ، ووفد عليه وفد فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه : نكفيك ؟ فقال : إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أُحب أن أُكافئهم 0 وفي حديث خديجة رضي الله عنها : أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين علي نوائب الدهر .
تواضعه علي علو منصبه عليه الصلاة والسلام
أما تواضعه علي علو منصبه ورفعة رتبته فكان أشد الناس تواضعاً 0 وأقلهم كبراً وحسبك أنه خير بين أن يكون نبياً ملِكاً أو نبياً عبداً فاختار أن يكون نبياً عبدا ، وخرج عليه الصلاة والسلام علي أصحابه متوكئاً علي عصا فقاموا ، فقال : ( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً ) ، وقال : ( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ). وكان يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم حيث انتهي به المجلس جلس 0 وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) . وحج عليه الصلاة والسلام علي رحل رث وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم فقال : ( اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة ). هذا وقد فتحت عليه الأرض وأهدي في حجه هذا مائة بدنة ، ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ علي رحله رأسه حتى كاد يمس قادمة رحله تواضعاً لله تعالى . وعن أبي هريرة : دخلت السوق مع النبي فاشتري سراويل وقال للوازن : زن وأرجح ، ثم قال : فوثب إلي يد رسول الله يقبلها فجذب يده وقال : هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم ، ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله قال : صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله.
عدله وأمانته وعفته وصدق لهجته صلي الله عليه وسلم
أما عدله عليه الصلاة والسلام وأمانته وعفته وصدق لهجته ، فكان آمن الناس وأصدق الناس لهجة منذ كان اعترف له بذلك محادوه وأعداؤه وكان يسمي قبل نبوته الأمين ، وما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها. قال أبو العباس المبرد: قسم كسري أيامه فقال: يوم الريح يصلح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للهو والشرب ويوم الشمس للحوائج .
لكن نبينا جزأ نهاره ثلاثة أجزاء ، جزء لله وجزء لأهله وجزء لنفسه ، ثم جزأ جزأه بين الناس فكان يستعين بالخاصة علي العامة ويقول : ( أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي فإن من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر ) وكان عليه الصلاة والسلام لا يأخذ أحداً بذنب أحد ولا يصدق أحداً علي أحد .
وقاره وصمته وتؤدته ومروءته صلي الله عليه وسلم
أما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه ، فكان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه وكان إذا جلس احتبى بيديه ، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبياً ، وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة ، يعرض عمن تكلم بغير جميل وكان كلامه فصلاً لا فضول ولا تقصير وكان يضحك أصحابه عند التبسم توقيراً له واقتداءً به . مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم . إذا تكلم أطرق جلسائه كأنما علي رؤوسهم الطير . قال ابن أبي هالة : كان سكوته علي أربع علي الحلم والحذر والتقدير والتفكير . وفالت عائشة رضي الله عنها كان حديثاً لو عده العاد لأحصاه وكان يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملهما كثيراً ويحض عليهما .ومن مروءته نهيه عن النفخ في الطعام والشراب والأمر بالأكل مما يلي ، والأمر بالسواك واتقاء البراجم والرواجب [ مواصلة الأصابع من ظاهر الكف وباطنها ]
زهده صلي الله عليه وسلم
أما زهده فحسبك شاهداً علي تقلله من الدنيا وإعراضه عن زهرتها وقد سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها وهو يدعوا ويقول : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) . وقالت عائشة رضي الله عنها : ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى مضي لسبيله ، وقالت : ما ترك عليه الصلاة والسلام ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولقد مات وما في بيته شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي ، وقال : إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت لا يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأُثني عليك . وقالت عائشة : إن كن آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً إن هو إلا التمر والماء . وعن أنس ما أكل عليه الصلاة والسلام علي خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطاً قط. وفي حديث عائشة : كان فراش رسول الله في بيته مسحاً نثنيه ثنيتين فينام فثنيناه مرة بأربع ! فلما أصبح قال : ما فرشتم لي ؟ فذكرنا له ذلك فقال ردوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي ). وقالت عائشة : لم يمتلئ جوف النبي شبعاً ولم يبعث شكوى إلي أحد وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى وإن كان ليطل جائعاً يتلوى من الجوع طول ليلته فلا يمنعه صيام يومه ولو شاء سأل ربه كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به من الجوع وأقول نفسي لك الغذى لو تبلغت من الدنيا ما يقوتك فبقول يا عائشة مالي وللدنيا إخواني من أُلي العزم من الرسل صبروا علي ما هو أشد من هذا فمضوا علي حالهم فقدموا علي ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غداً دونهم ، وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي . قالت : فما أقام بعد إلا أشهراً حتى توفي صلوات الله عليه وسلامه ).
خوفه وطاعته ربه صلي الله عليه وسلم علي قدر علمه
أما خوفه ربه وطاعته له وشدة عبادته فعلي قدر علمه ولذلك قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، أري ما لا ترون وأسمع مالا تسمعون أطَّت [ صوتت ] السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء علي الفرش ولخرجتم غلي الصعدات تجأرون إلي الله تعالى ، لوددت أني شجرة تعضد . وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تتورم قدماه فقيل له في ذلك : أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ! ) . وقالت عائشة رضي الله عنها : كان عمل رسول الله ديمة وأيكم يطيق ما كان يطيق ؟ وفالت : كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم . وقال عوف بن مالك : كنت مع رسول الله ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلي فقمت معه فاستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ولا مر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول : سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة ثم سجد مثل ذلك ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك . وقال بعضهم أتيت رسول الله وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل ، وفي وصف ابن أبي هالة : كان متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة . وعن علي قال : سألت رسول الله عن سنته فقال ( المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق مركبي وذكر الله أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضا غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حسبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة وثمرة فؤادي في ذكره وغمي لأجل أُمتي وشوقي إلي ربي ) . فجزاه الله عن أُمته خيراً فقد أدي الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأُمة ورحم الله عبداً نظر في هذه الشمائل الكريمة والخصال الجميلة فتمسك بها واتبع رسوله ليحوز شفاعته يوم الفزع الأكبر ويرضي الله عنه . فنسألك الهم متابعة نبيك الكريم وترسم خطي سيره العظيم وأخذ سنته ومحجته البيضاء بالرضا والتسليم حتى نلقاك يا رب العالمين هادين مهدين غير ضالين ولا مضلين ولا مبدلين يا خير مسئول وأكرم من أعطي .
معجزاته صلي الله عليه وسلم
إذا تأمل المتأمل ما قدمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله وموفور حلمه وجملة كماله وجميع خصاله ، وشاهد حاله ، وصواب مقاله ، لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته ، وقد كفي هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به كعبد الله بن سلام فإنه قال : لما قدم النبي المدينة جئت لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وروي مسلم أن ضماداً لما وفد عليه قال له:
( إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ) فقال له ضماد : أعد علي كلماتك هؤلاء فقد بلغت قاموس البحر ، هات يدك أُبايعك . ولما بلغ ملك عمان أن رسول الله يدعوه إلي الإسلام قال : والله ما دلني علي هذا النبي الأُمي لا بأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهي عن شيء ألا كان أول تارك له وانه يَغلِب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفي بالعهد وينجز الموعود وأشهد انه نبي . وقال ابن رواحة :
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخطر
كيف وقد أظهر الله علي يده تصديقاً لدعوته من المعجزات ما لا يفي به العد فهو أكثر الأنبياء آية وأظهرهم برهاناً 0 وسنذكر له في هذا الفصل من الآيات ما تقر به عينك ويزداد به يقينك مما رواه الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم وأثبته المحدثون في صحاحهم ونبدأ منها بأظهرها شأناً وأوضحها بياناً وهو القرآن الشريف وإعجازه .
اعلم أن كتاب الله العزيز منطو علي وجوه من الإعجاز كثيرة ونحصيها من جهة ضبط أنواعها في أربعة :
أولها : حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام قد خُصوا من البلاغة والحكم بما لم يُخَص به غيرهم من الأُمم وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب ، جعل الله لهم ذلك طبعاً وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منه علي البديهة بالعجب ويدلون به إلي كل سبب فيخطبون بديهاً في المقامات وشديد الخطب ويرتجزون به بين الطعن والضرب ويقدحون ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط الآل ، فيخدعون الألباب ويذللون الصعاب ويذهبون الإحن ويهيجون الدِمَن ويجرئون الجبان ، ويصيرون الناقص كاملاً ويتركون البز خاملاً ، منهم البدوي ذو اللفظ الجذل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم والطبع الجوهري والمنزع القوي ، ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناصعة والكلمات الجامعة والطبع السهل والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق ، الرقيق الحاشية ، وكلاهما له في البلاغة الحجة البالغة والقوة الدامغة والقدح الفالج والمهيع الناهج لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم والبلاغة ملك قيادهم قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها ودخلوا من كل باب من أبوابها وعلو صرحاً لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين وتفننوا في الغث والثمين وتقاولوا في القل والكثر وتساجلوا في النظم والنثر فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أُحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته علي كل مقول وتضافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه وتبارت في الحسن مطالعه ، وحوت كل البيان مجامعه وبدائعه ، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه وانطبق علي كثرة فوائده مختار لفظه ، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا وأشهر في الخطابة رجالا وأكثر في الشعر والسجع ارتجالا ، وأوسع في الغريب واللغة مقالا ، بلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعتهم التي عنها يتناضلون صارخاً بها في كل حين ومقرعاً لهم بضعاً وعشرين عاماً علي رؤوس الملأ أجمعين :أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . وقوله تعالى :وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا وقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقوله تعالي : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ فلم يزل يقرعهم أشد التقريع ويوبخهم أشد التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وآبائهم ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب والاعتذار بالافتراء وقولهم ِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرو سِحْرٌ مُسْتَمِرّ ، إِفْكٌ افْتَرَاه ، و أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين والمباهتة بالرضا بالدنية كقولهم قُلُوبُنَا غُلْف و قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ، و لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيه الادعاء مع العجز كقولهم لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا وقد قال لهم تعالى : وَلَنْ تَفْعَلُوا فما فعلوا ولا قدروا ومن تعاطي ذلك من سخافهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم وإلا لم يخف علي أهل الميز منهم أنه ليس من نمط بلاغتهم ، بل ولو عنه مدبرين وأتوا إليه مذعنين وأنت إذا تأملت قوله تعالى :وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ وقوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وقوله تعالى : وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وقوله تعالى : فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . وأشباهها من الآي بل أكثر القرآن حققت ما بينه من إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها ، وأن تحت كل لفظة منها جملاً كثيرة وفصولاً جمة وعلوماً زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في المستنبطات عنها ، ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عنها الكلام ويذهب ماء البين آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض والتئام سرده وتناصف جوهره ، كقصة يوسف علي طولها ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها علي كثرة ترددها وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ولا نفور للنفوس من ترديدها ولا معادة لمعادها .
الوجه الثاني : من إعجاز القرآن صورة نظمه العجيب والأُسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آيه وانتهت فواصل كلماته إليه ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه بل حارت فيه عقولهم وتدلهت دونه أحلامهم ولم يهتدوا إلي مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر ، والإعجاز بكل واحد من النوعين والإيجاز والبلاغة بذاتها أو الأُسلوب الغريب بذاته كل واحد منهما نوع من الإعجاز لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ، إذ كل منهما خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها .
الوجه الثالث : من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد علي الوجه الذي أخبر كقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وقوله تعالى عن الروم : وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ وقوله تعالي: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً وقوله تعالى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجا فكان جميع ما أخبر وقع كما أخبر فغلبت الروم فارس ودخلت الناس في الدين أفواجا واتسع ملك المسلمين حتى كان لهم في وقت من أقصي بلاد الأندلس غرباً إلي أقاصي الهند شرقاً ومن بلاد الأناضول شمالاً إلي أقاصي السودان جنوباً وقوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكان كذلك في بدر والآية نزلت بمكة وقوله تعالي : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ فكان كذلك مما اطلع عليه قارئ هذه السيرة وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ، وقوله تعالى : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ ، وقوله تعالي : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ إلي غير ذلك من الآيات البينات.
الوجه الرابع : من إعجاز القرآن ما أنبأنا به من أخبار القرون السالفة والأُمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده عليه الصلاة والسلام علي وجهه ويأتي به علي نصه فيقر العالم بذلك علي صحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم وقد علموا أنه أُمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مجالسة ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم وكثيراً ما كان يسأله كثير من أهل الكتاب عن هذا فينزل من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا ، كقصص الأنبياء وبدء الخلق وما في الكتب السابقة مما صدقه فيها العلماء بها ولم يقدروا علي تكذيب ما ذكر منها ولم يؤثر أن واحداً منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ولا أبدي صحيحاً ولا سقيماً من صحفه بعد أن قرعهم ووبخهم بقوله تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، ومما يدل علي أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحداهم فيه الله بقوله : قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ثم حتم عدم إجابتهم بقوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فما سمع عن أحد منهم أنه تمني ذلك ولو بلسانه مع أنهم كانوا أحرص شئ علي تكذيبه ومثل ذلك ما فعله أعل نجران حينما دعاهم للمباهلة فأبوا . ومما يدل علي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر الرواعة التي تلحق سامعيه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وأنافة خطره حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفوراً ولهذا قال النبي : ( إن القرآن صعب مستصعب علي من كرهه وهو الحكم ) وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه إقبالاً وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به ، قال تعالى : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وقال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ومن وجوه إعجاز القرآن كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه فقال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقال تعالى : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ وسائر معجزات الأنبياء لم يبق إلا خبرها والقرآن العظيم الكريم إلي وقتنا هذا حجة باهرة ومعارضة ممتنعة والأعصار كلها طافحة بأهل البيان وحملة علم اللسان وأئمة البلاغة وفرسان الكلام وجهابذة البراعة والملحد فيهم كثير والمعاند للشرع عتيد فما منهم من أتي بشيء يؤثر في معارضته ولا ألف كلمتين في مناقضته ولا قدر فيه علي مطعن صحيح ولا قدح المتكلف ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح ، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص علي عقبيه ، ولنختم لك هذا الباب بحديثه عليه الصلاة والسلام في القرآن قال إن الله أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً وسنة خالية ومثلاً مضروباً فيه نبؤكم وخبر من كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلقه طول الرد ولا تنقضي عجائبه هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن حكم به أقسط ومن عمل به أُجر ومن تمسك به هدي إلي صراط مستقيم ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ومن حكم بغيره قصمه الله هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم وحبل الله المتين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب )
ومن معجزاته : انشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته وقد روي هذا الجم الغفير من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود ، قال أنس : رأيت رسول الله وقد حانت صلاة العصر فالتمس الناس ماء للوضوء فلم يجدوه فأُتي النبي بوضوء فوضع في الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا منه ، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس عن آخرهم ، فقيل كم كنتم ؟ قال : زهاء الثلاثمائة . وقال ابن مسعود بينما نحن مع النبي وليس معنا ماء ، فقال لنا اطلبوا من معه فضل ماء فأُتي بماء فصب في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه . وقال جابر : عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون ، قيل كم كنتم ؟ قال : ـ لو كنا مائة ألف لكفانا ـ كنا خمس عشرة مائة . وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة ومثل هذا في هذه المواطن الحفيلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة للمحدث به لأنهم كانوا أسرع شيء إلي تكذيبه لما جبلت عليه نفوسهم من ذلك ، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت علي باطل ، فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه ونسبوا حضور الجم الغفير له ولم ينكر عليهم أحد من الناس ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه فصار كتصديق جميعهم له ، ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته وانبعاثه بمسه ودعوته كما ورد عن معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك وأنهم وردوا العين وهي تلمع بشيء من الماء مثل الشراك فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء ثم غسل عليه الصلاة والسلام فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقي الناس ، وفي رواية ابن إسحاق فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق ثم قال : يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن تري ما هاهنا قد ملئ جنانا. وروي عن البراء و سلمة ابن الأكوع تكثير عين الحديبية بدعوته عليه الصلاة والسلام . وروي أبو قتادة أن الناس شكوا إلي رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأة فجعلها في صبنه [ ما بين الكشح إلي الإبط ] ثم التقم فمها فالله أعلم أنفث فيها أم لا ، فشرب الناس حتى رووا وملئوا كل إناء معهم فخيل إلي أنها كما أخذها مني وكانوا اثنين وسبعين رجلا . ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محال مختلفة بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقاة علي روايتها .
ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه وروى طلحة أنه عليه الصلاة والسلام أطعم ثمانين أو سبعين رجلاً من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت إبطه ، فأمر بها عليه الصلاة والسلام ففتت وقال فيها ما شاء الله أن يقول ، وروى جابر أنه عليه الصلاة والسلام أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق وقال جابر : فأُقسم أنهم لأكلوا حتى تركوه وان برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز ، وكان عليه الصلاة والسلام قد بصق في العجين والبرمة وبارك . وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر طعاماً يكفيهما فأطعم منه عليه الصلاة والسلام مائة وثمانين رجلا . وروى مثل ذلك كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن أبي بكر ، وسلمة ابن الأكوع ، وأبي هريرة وعمر بن الخطاب وأنس بن مالك رضوان الله عليهم أجمعين .
ومن معجزاته: قصة حنين الجزع ، قال جابر بن عبد الله : كان المسجد مسقوفاً علي جذوع نخل فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقوم إلي جزع منها ، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجزع صوتاً كصوت العشار وفي رواية أنس حتى ارتج المسجد لخواره وفي رواية سهل وكثر بكاء الناس لما رأوه به ، وفي رواية المطلب وانشق حتى جاء النبي فوضع يده عليه فسكت ، زاد غيره فقال عليه الصلاة والسلام إن هذا بكي لما فقد من الذكر ، وزاد غيره والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلي يوم القيامة تحزناً علي رسول الله فأمر به فدفن تحت المنبر . وهذا الحديث خرجه أهل الصحة من الصحابة ورواه عنهم من التابعين ضعفهم وبمن دون عدتهم يقع العلم لمن اعتني بهذا الباب والله المعين علي الصواب .
ومن معجزاته: إبراء المرضي وذوي العاهات فقد أُصيب يوم أُحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت علي وجنته فردها عليه الصلاة والسلام فكانت أحسن عينيه وأحدهما وبصق علي أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قدر فما ضرب عليه ولا قاح ، وأصاب ابن ملاعب الأسنة استسقاء فبعث إلي النبي فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها يرى أنه قد هزئ به فأتاه بها وهو علي شفا فشربها فشفاه الله ، وتقدم حديث علي ورمده في غزوة خيبر وغير ذلك كثير مما يعجز قلمنا عن عده ورواه ثقاة المسلمين الأعلام . أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته فروى عن أنس بن مالك قال : قالت أُمي أُم سليم يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له في ما آتيته ). قال أنس : فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم نحو المائة.
ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من تركته ثمانون ألفاً وتصدق بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلا سها . ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة ولسعد بإجابة الدعوة فما دعا علي أحد إلا استجيب له . وقد دعا عليه الصلاة والسلام أن يعز الإسلام بأحد العمرين فأعزه بعمر بن الخطاب . وقال لأبي قتادة أفلح وجهك اللهم بارك في شعره وبشره فمات وهو ابن سبعين سنة كأنه ابن خمس عشرة سنة ودعواته عليه الصلاة والسلام المستجابة أكثر من أن تحصي يطلع عليها قارئ هذه الشمائل . أما ما أطلعه عليه الله من علم ما لم يكن فمما سارت له الركبان فعن حذيفة قال: قام فينا رسول الله مقاماً فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه والله ما ترك عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا اسمه واسم أبيه واسم قبيلته . وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما علم به أصحابه مما وعدهم به من الظهور علي أعدائه وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلي مكة لا تخاف إلا الله ، وأن المدينة ستغزى وبفتح خيبر علي يد علي في غد يومه وما يفتح الله علي أُمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر ، ومما ينير بصيرتك أيها القارئ ما منَّ الله به علي رسولنا من عصمته له من الناس وكفايته من آذاه قال تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وقال تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وقال : إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ . صرف صلي الله عليه وسلم حجابه وقال: ( انصرفوا فقد عصمني الله) . وإنه عليه الصلاة والسلام عاش بين أعداء ألداء بمكة فكفاه الله شرهم حتى أظهر الدين وتممه وأعلى شأنه فالحمد لله علي ذلك حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده .
خاتمة في خصائص المصطفي صلي الله عليه وسلم
من خصائصه ما ظهر عند مولده من المعجزات من انصداع إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نار فارس ولها ألف عام لم تخمد وغيض نهر ساوى وأضاءت النور في تلك الليلة ورمي الملائكة الشياطين المسترقين السمع بالشهب . ومنها سرعة شبابه وإقرار الأحبار بنبوته لما رأوا فيه من علامات النبوة من إظلال السحابة وسجود الأشجار له وذلك قبيل الوحي . ومنها ما روي من خروجه من مكة إلي المدينة قصة الغار وطلب الكفار له وأخذ الله بأبصارهم عن رؤيته ، وجثم الحمام علي فم الغار ونسج العنكبوت عليه حتى ظنوا أن ليس فيه أحد ، وما جرى له من قصة سراقة بن مالك وسياخ قوائم فرسه في الأرض وخلوصه من ذلك دعي له رسول الله بذلك بعد استغاثته به ومعاهدته ليؤمنن به إن فعل ذلك . ومنها درور شاة أُم معبد الخزاعية بعد يبس ضرعها وكلام ضماد وشادته له بالنبوة ورؤيته الملائكة وأرى لعبد الله بن مسعود الجن ليلة الجن. ومن خصائصه أخلاقه الكريمة ، كان أشجع الناس ، وقد خص وفضل علي الناس بصفات منها السماحة والشجاعة والقوة وشدة البطش والسخاء ما سئل شيئاً فقال لا ، وكان أحلم الناس وسئل أن يدعوا علي قوم من الكفار فقال : ( إنما بعثت رحمة ولم أُبعث عذابا ) ولما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أُحد قال : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ، وكان النبي أشد حياء من العذراء في خدرها لا يثبت بصره في وجه أحد ، وكان النبي لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله فإذاً ينتقم وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد ، ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن لم يشتهيه تركه ولا يأكل متكئاً ولا علي خوان ولا علي سكرجة ولا خبز له مرقق يأكل البطيخ بالرطب والقثاء بالرطب وقال : ( يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا ) . و كان النبي يحب الحلواء والعسل وأحب الشراب إليه الحلو البارد وقال أبو هريرة : خرج عليه الصلاة والسلام من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير وكان يأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار ، وكان قوتهم الماء والتمر ( وهذا ليس صفة من صفاته إنما هو مشرع للأُمة وقد راودته الشم الجبال أن تسير وراءه ذهباً فرفضها عليه الصلاة والسلام ) وقالت عائشة رضي الله عنها : إلا أن حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون بشياههم فنصيب من ذلك اللبن . وكان النبي أزهد الناس يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله ويعود المرضى ويحلب الشاة ويجيب دعوة من دعاه من غني أو من فقير ويحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم ولا يحقر فقيراً لفقره ولا يهاب ملكاً لملكه ويركب الفرس والبعير والبغلة والحمار ويردف خلفه عبده أو غيره نحواً من ثلاثين مردفاً ذكره ابن منده وكان النبي لا يدع أحداً يمشي خلفه ويقول : ( خلوا ظهري للملائكة ) . ويلبس الصوف وينتعل المخصوف وأحب اللباس إليه الحبرة . وأصابه في الخندق جهد فعصب علي بطنه حجراً من شدة الجوع مع ما آتاه الله من خزائن الأرض وخيره الله بين أن يكون نبياً ملِكاً أو نبياً عبداً فاختار أن يكون نبياً عبداً وأعطاه الجبال لتكون له ذهباً فلم يقبل ، وكان النبي يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والعبيد ويحب الطيب ويكره الرائحة الكريهة ، يألف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل ولا يطوي بشره عن أحد ولا يجفوا عنه ويرى اللعب المباح فلا يكرهه ويمزح ولا يقول إلا حقاً ، وكان النبي أوسع الناس خلقاً يقبل عذر المعتذر إليه . وقالت عائشة رضي الله عنها : كان خلفه القرآن يغضب لغضبه ويرضي لرضائه . وقال أنس بن مالك : ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته.
ومن خصائصه نطق الجمادات له وقصة حنين الجزع ، وأُوتي بصبي لم يتكلم فقال له من أنا )0 فقال : أنت رسول الله . ولم يتكلم بعد حتى شب . ومنها انشقاق القمر له قال تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وهو في الصحيح من طرق مذكورة وأعطاه الله تعالى الكوثر قال الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ و أعطاه ليلة القدر قال الله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر وكلمه الضب في حديث رواه الحاكم 0 ومنها إخباره أن كنوز ستنفقها أُمته في سبيل الله وأن سراقة بن مالك يسور بسواري كسرى وبأن خزائن فارس والروم تفتح وأن المسلمين يقاتلون قوماً صغار الأعين عراض الوجوه زلف الأُنوف وأن الشام واليمن يفتحان وأن أُمته يفتحون مصر وأنها ستبني مدينة بين دجلة ودجيلة بلد تجبي إليها خزائن الأرض يعني بغداد وأخبر النبي بملك بني اُمية وخروج ولد العباس بالرايات السود وملكهم أضعاف ما ملكوا وأخبر بأن أُويس القرني يقدم مع أمداد اليمن وكان به برص فبرئ منه إلا قدر درهم ، وفي حديث جابر قال عليه الصلاة والسلام : ( هل لكم من أنماط ) فقلت له : أنّى يكون لنا أنماط ، قال : ( أما إنها ستكون ) ، وهاجت ريح شديدة فقال: ( هذه الريح هاجت لموت منافق ) ، قال جابر فقدمنا المدينة فوجدنا عظيماً من المنافقين فد مات . وأخبر النبي بقتل علي وأن عثمان ستقتله فئة باغية وأن دمه سيقطر علي قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ومن خصائصه أكل من شاة لقمة ثم قال : ( إن هذه الشاة تخبرني أنها أُخذت بغير إذن أهلها ) فنظر فيها فإذا هو كما قال
ـ رواه أبو داود ـ
واصطفاه الله بالمودة والمحبة والخلة والقرب والدنو والمعراج والصلاة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهادة بينهم ولواء الحمد والبشارة والنذارة والهداية والأمانة والشفاعة والرحمة للعالمين والشفاعة الكبرى وإعاء الرضى وإتمام النعمة والعفو عما تقدم وتأخر وشرح الصدر ورجحان العقل ووضع الوزر ورفع الذكر وعز النصر ونزول السكينة والتأييد بالملائكة وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وصلاة الله وملائكته عليه . والحكم بين الناس بما أراه الله ووضع الإصر والأغلال عنه والقسم باسمه وإجابة دعوته وإحياء الموتى وإسماع الصم ورد الشمس وقلب الأعيان والإطلاع علي الغيب وإظلال الغمام وإبراء الآلام والعصمة من الناس ، إلي غير ذلك من الكرامات والسعادات . ومن خصائصه أنه ولد مختوناً نقياً مقطوع السرة ولا يقع الذباب عليه ولا يدنس ثوبه لأن الدنس من الذنب وهو لا ذنب له وشرف وكرم ومجد وعظم ولا يصيبه وسخ ولا يتثاءب وإن الأرض تبتلع ما يخرج منه من الأذى ولا يرى منه شيء . وأخرج مسلم أنه قال : ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أُمتي ما زوى لي منها ) . وأخرج البخاري من حديث جابر نبع الماء من بين أصابعه فتوضؤا وشربوا وهم ثلاثمائة وخمسة عشر ، ومرة أُخرى وهم ثلاثمائة ، ومرة أُخرى وهم ما بين السبعين والثمانين ـ وقد مر في المعجزات ـ وحديث المزادتين التين لم ينقصا ، قال عمر : إنّا شربنا منهما ونحن نحو الأربعين . وسبح الحصى في كفه وكذلك الطعام وكان يسمع تسبيحه وهو يأكل ، وسلم عليه الشجر والحجر ليالي بعثته وشهادة الذئب له بالنبوة ، ومر في سفره ببعير تستقى عليه الماء فلما رآه جرجر ووضع جرانه في الأرض وقال له : أشتكي كثرة العمل وقلة العلف ـ صححه الحاكم ـ ومر ببعير آخر في حائط ولما رآه حن وذرفت عيناه ، وقال لصاحبه : ( إنه اشتكي أنك تجيعه وتتعبه ) رواه أبو داود . وسجد له بعيران عجز صاحبهما عنهما وفي مسند أحمد جاءت شجرة تشق الأرض حتى قامت عنده وهو قائم فسلمت عليه ، وأمر شجرتين فاجتمعتا حتى قضى حاجته خلفهما ثم أمرهما فتفرقتا ، ودعا عزقاً فنزل من عزقه حتى سقط في الأرض فجعل ينظر إليه حتى أتاه ثم قال له ارجع فرجع مكانه ـ صححه الحاكم ـ ومنها قصة الظبية التي أخذها الاعرابي وشادتها له بالنبوة. وأخرج أبو داود أنه أمر النبي بنحر ست بدنات فجعلن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ . ومن خصائصه ما أخرجه الحاكم أنه أُصيب عين قتادة بن النعمان يوم أُحد . وفي بدر وقال الشاطبي بالخندق حتى وقعت علي وجنته فردها عله الصلاة والسلام بيده الشريفة ، وكانت أصح عينيه وأحدهما ، قال السهلي : وكانت لا ترمد إذا رمدت الأُخرى . وتفل في عين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه يوم خيبر وكان أرمداً فبرئت من ساعتها ، زاد البيهقي : فما رمدت وصدعت بعد . وقطعت يد رجل يوم بدر وجاء يحملها إليه فألصقها عليه الصلاة والسلام بيده فلصقت . وأخرج البخاري أنه أُصيب رجل عبد الله بن عنبك فبرئت بمسحة من حينها . وأخبر بمصارع المشركين هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان فلم يعدو أحداً عن مصرعه الذي سماه ـ رواه مسلم ـ وأخبر النبي بأن طوائفاً من أُمته يغزون البحر كالملوك علي الأسرة وأن أُم حرام خالة أنس بن مالك منهم فكان كذلك . وقال للحسن : ( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) فسلم الأمر لمعاوية ـ رواه البخاري ـ وأخبر النبي بقتل عبهلة ذي الخمار وهو الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وبمن قتله بصنعاء . وأخبر بموت النجاشي يوم موته وأخبر بمثل ذلك عن كسرى وقال لرجل ممن يدعي الإسلام وهو في القتال معه إنه من أهل النار فقتل نفسه . وشكي الناس إليه قحط المطر وهو علي المنبر فدعا الله تعالى وما في السماء قزعة فثار سحاب علي أمثال الجبال فمطروا من الجمعة إلي الجمعة الأخرى حتى شكوا كثرة المطر فدعا الله تعالى فصحوا . ومن خصائصه إقران اسمه مع اسم الله تعالى في الخطبة والآذان والتشهد وفي كلمة التوحيد ومكتوب على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله . ومن خصائصه ما وقع له في قصة الإسراء والمعراج من الكرامات من قوله : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى واتيان جبريل له بالبراق وقوله ما ركبك أحد أكرم على الله منه لما استصعب عليه ركوبه من مكة إلى بيت المقدس واتيان جبريل بآنية من لبن وآنية من خمر فاختار اللبن للفطرة . وأسري به إلي سماء الدنيا وإلى سابعة الطباق وإلى سدرة المنتهى ورؤيته للبيت المعمور . واستفتاح جبريل له عند أبواب السماء فتقول الملائكة : من أنت [ فيقول ] : جبريل ، فيقال : ومن معك ؟ فيقول : محمد ، فتقول : أو قد بعث إليه ؟ فيقول : قد بعث إليه ، فيفتحون له . وملاقاته الأنبياء بين السماوات وترحيبهم به . وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في طلب التخفيف ، وتخفيف الله له فيها من خمسين صلاة إلي خمس صلوات ودنوه من ربه كقاب قوسين أو أدنى ، ومناجاته له ، ورؤيته له بالعين كما رواه ابن عباس . ودخوله الجنة ، ومن خصائصه شق جبريل صدره وأخرج العلقة منه وغسله بماء زمزم وملأه نوراً وحكمة ، ومن خصائصه تكثير الطعام ببركته وقد أطعم أهل الخندق ـ وهم ألف ـ من صاع شعير وبهيمة طبخت في بيت جابر ، فأكلوا حتى شبعوا وانصرفوا وبقي الطعام وأكثر مما كان . وأخرج أبو نعيم : أطعمهم أيضاً من تمر يسير لم يملأ كفيه عليه الصلاة والسلام أتت به بنت بشر بن سعد إلى أبيها . وفي مسند أحمد أمر النبي عمر بن الخطاب أن يزود أربعمائة راكب من تمر كالفصيل الرابض ، فزودهم وبقي كأنه لم ينقص تمرة واحدة . وفي الصحيح أطعم في منزل طلحة ثمانين رجلاً من أقراص شعير جعلها أنس تحت إبطه حتى شبعوا كلهم وبقي كما هو . واخرج أبو نعيم ، أطعم الجيش من مزود أبو هريرة حتى شبعوا كلهم ثم رد ما بقي منه ودعا له بالبركة فأكل مدة حياته ومدة أبي بكر في الخلافة ومدة عمر في الخلافة ومدة عثمان في الخلافة ونهب منه يوم قتل عثمان رضي الله عنهم . ومن خصائصه الواجبات عليه الضحى والأُضحية والوتر والتهجد والسواك ، والمشاورة ومصابرة العدو وإن كثروا أو ازدادوا على الضعف وقضاء دين من مات وعليه دين ولم يخلف وفاء ، وتخيير نسائه .
ومن خصائصه: المختصة به من الكرامات أن أزواجه التي توفي عنهن محرمات علي غيره أبداً وفي من فارقهن أوجه أصحها التحريم ، وأن أزواجه أُمهات المؤمنين وأنهت أفضل من غيرهن من النساء ، وجعل ثوابهن وعذابهن ضعفين ، وأنه خاتم النبيين وإمام المرسلين وخير خلق الله أجمعين ، وأُمته أفضل الأُمم وهي معصومة من الاجتماع علي الضلالة . وأصحابه خير القرون وجعلت حسنات أُمنه إلى أضعاف من عشرة إلى سبعمائة وسيئاتهم بمثلها ومن هم بحسنة ولم يعملها فله أجر واحد ومن هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء ، شريعته مؤيدة ناسخة لجميع الشرائع وكتابه محفوظ من التحريف والتبديل فهو حجة على الناس بعد وفاته ومعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين انقرضت بانقراضهم . ونصر بالرعب مسيرة شهر ، جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً وأُحلت له الغنائم وأُعطي الشفاعة والمقام المحمود وأُرسل للناس كافة وهو سيد ولد آدم أجمعين ، وأول شافع وأول مشفع وأول من يقرع باب الجنة وأكثر الأنبياء تبعاً ، وأُعطي جوامع الكلم ومجموع الحكم وصفوف أُمته في الصلاة كصفوف الملائكة وتبعث أُمته غُرَّاً محجلين من آثار الوضوء وتنام عينه ولا ينام قلبه ويرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه ، لا يحل لأحد أن يرفع صوته فوق صوته ولا يناديه باسمه مجرداً ويخاطبه المصلي بقوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، ولو خاطب آدمياً غيره لبطلت صلاته ، ويلزم المصلي إذا دعاه أن يجبه في الصلاة ويوفي الصلاة ولا تبطل صلاته . وكان بوله ودمه طاهرين ، وتبرك الناس بنخامته وشعره وعرقه ، وكان الحسن والحسين يبكيان عطشاً وأعطاهما لسانه فمصاه فسكتا . وكانت الهدية حلالاً له بخلاف غيره من ولاة الأمر ولا يجوز الجنون علي الأنبياء بخلاف الإغماء ، واختلف في الاحتلام والأرجح والأشهر امتناعه ، وفاتته ركعتان بعد الظهر فصلاهما بعد العصر وداوم عليها . وكل سبب ونسب مقطوع إلا سببه ونسبه ، وذلك أن أُمته ينسبون إليه يوم القيامة بخلاف أُمم سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن رآه في النوم رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل به ، وأن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن كذباً عليه ليس ككذب علي غيره ومن خصائصه ما روي يوم وفاته من تعزية الملائكة والخضر لأهل بيته واستئذان ملك الموت عليه ألا يقبض روحه إلا بإذنه ، وأنه لم يستأذن على أحد قبله ولا يستأذن علي أحد بعده . وقول الخضر لأهل بيته لما ترددوا في نزع ثوبه للغسل وجاء إبليس وقال انزعوا عنه الثوب ، وقال الخضر : لا تنزعوا عنه الثوب الأول هذا إبليس وأنا الخضر.
صلي الله علي سيدنا محمد النبي الأُمي وعلى آله وصحبه وسلم
* * *
منافع وفوائد الخصائص لقارئها وحاملها
الخصائص النبوية التي ذكرناها آنفاً لها فوائد جمة نذكر منها بعضاً لتعم الفائدة ويحصل النفع للمسلمين دنيا وأُخرى بإذن الله تعالى :
1ـ قراءة الخصائص مما جرب لتسهيل الرزق
2ـ لجلب المنافع
3ـ دفع المضار عن قارئها وحاملها
4ـ وتعد من أكبر المهمات وأعظم البركات لأنها من خصائص النبي
5ـ فيها معجزاته الباهرة المنتشرة ومن عرفها قوي إيمانه
6ـ من كانت معه هذه الخصائص وحلف بالله أن معه النبي لم يحنث في يمينه ولا يشك فيها إلا منافق
7ـ من قرأها أو حملها عصمته من شر الشيطان
8ـ وكذلك تحصل له الهيبة في قلوب البشر
9ـ ختم الله له بخاتمة السعادة
10ـ من قرأها وسأل حاجته لم يرده الله إلا بها
11ـ ومن قرأها عند خروجه من منزله لم تقف له حاجة في ذلك اليوم وجرب ذلك وصح
12ـ من قرأها عند رأس مريض شفاه الله
13ـ من قرأ الخصائص عند من حضر أجله خفف الله عليه سكرات الموت
14ـ من دخل بالخصائص علي سلطان أو ملك هابه وقضي حاجته
15ـ من حملها وهو مسافر وقاه الله في سفره وآمنه من كل شيء مخوف ولا يخاف قطاع الطرق
16ـ إن كانت مع أحد في سفينة أمنها الله من الغرق
17ـ إن كانت الخصائص المصطفوية في دار لم تدخلها شدة ولا وباء ولا طاعون
18ـ وإن كانت في منزل لا يدخله سارق .
19ـ ومن قرأها في منزله ثم خرج على عدوه أعانه الله عليه .
20ـ ومن قرأها ودعا بها على عدوه أهلكه الله ـ فليتق الله من وقف عليها ـ
21ـومن داوم علي قراءتها لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة.
22ـ من كتبها وعلقها علي نفسه ألقي الله محبته في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه ولا يكون في جيش فيهزم.
23ـ ومن علقها على صبي بارك الله فيه .
24ـ وإن علقها على مملوك أعتقه سيده بإذن الله تعالى .
25ـ وإن علقها علي فقير أغناه الله تعالى .
26ـ ومن كتب الخصائص وعلقها على باب الدار لم تزل تلك الدار بنعمة.
وفوائدها كثيرة لا تنحصر بالقول ولا تنضبط بالعد . ومن يستطيع أن يجاري البحر العريض الطويل في مده .
وانما هذه رشفات من خصائص خير البشر ليقف عليها المسلم ليعرف مدى ما خص الله به نبينا من خصائص ، كيف لا وهو الرحمة المهداة والخير العميم والموصوف بالرأفة والرحمة والكرم والشجاعة والعفة والمحبة والسؤدد والفخار والشرف والإباء والتواضع وهو النور المبين والصادق الأمين وإمام المرسلين .
تنبيـه
الفوائد بالعقائد وخلوص النية وحسن الظن بالله مع معرفة الحقوق ، نسأل الله أن يجعلنا من المعصومين المحفوظين من سوء الظن بالله والاعتقاد الفاسد ، وجعلنا ممن يعرف قدر نبيه وحقه ويعظمه حق التعظيم وأن يملأ قلوبنا محبة لهذا الرسول الكريم على الله التي هي عين محبة الله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
كان الفراغ من هذا الكتاب يوم الاثنين التاسع والعشرون من شهر شوال عام ثلاث وأربعمائة وألف من هجرة خير البشر عليه الصلاة والسلام ، الموافق الثامن من أُغسطس عام ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف للميلاد.
الشيخ يوسف بقوي التجاني
ـ أُمدرمان ـ
|
 |
|
المفضلات