 |
بتاريخ : 26-02-2017 الساعة : 01:39 PM
رقم
#1
قراءة في كتاب الانتحار
|
نائب المدير العام
|
قراءة في كتاب الانتحار

– إعداد وتقديم: د. رشيد جرموني
تأليف: “إميل دوركايم”
ترجمة: حسن عودة
أولاً:في السياق والدواعي
ربما يطرح السؤال حول راهنية العودة إلى كتاب ألف في أواخر القرن التاسع عشر، بما يعني ذلك، تباعدًا زمنيًّا وسياقيًّا ومجاليًّا (الكتاب يتحدث عن ظاهرة الانتحار في أوربا) وتاريخيًّا وحتى سوسيوثقافيًّا؟
بدوري طرحت على نفسي هذا السؤال قبل الاطلاع على الكتاب، لكن ما إن بدأت في قراءته حتى تبين لي قيمته المعرفية والابستمولوجية والمنهجية، لأنّه ليس كتابًا عاديًّا، مثل الكتب التي نقرأها في الآونة الأخيرة، وليس دراسة خاصة بالانتحار في أوربا، ولا حتى كتابًا يعود إلى القرن 19، وبالتالي لا حاجة لنا في العودة إليه. بل إنّني أعتقد أنّ ما من باحث في السوسيولوجيا وفي العلوم الإنسانية بصفة عامة، إلا ويجب أن يقرأ هذا الكتاب، لما يتضمنه من رصيد معرفي ومنهجي ثري، قلما يتوفر في كتاب.
ونحن إذ نباشر قراءة هذا المؤلف، لا بأس من بسط بعض المعطيات العالمية حول ظاهرة الانتحار، فحسب آخر تقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية لسنة 2014، تحدث عن أنّ العالم يشهد حالة انتحار في كل 40 ثانية، بما مجموعه أكثر من 800.000 شخص ينتحرون في السنة . وهذا يعني أنّ الظاهرة عالمية وهي لا تفتأ تستفحل سنة بعد أخرى، هذا على الرغم من أنّ المعطيات المستقاة من طرف المنظمات العالمية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، تبقى تقديرية وتقريبية. لأنّ العديد من الدول، كما هو معروف، وخصوصًا دول العالم الإسلامي، لا تتوفر على سجلات لإحصاء المنتحرين، وذلك لاعتبارات دينية وثقافية ليس المجال مناسبًا لبسطها في هذه القراءة.
ولكي نوضح طبيعة معضلة الانتحار، فإنّ المثال التالي الذي نسوقه من دولة الهند، يبين لنا بالملموس كيف أنّ هذه الظاهرة تبقى مؤرقة على نحو مستمر، فحسب اللجنة القومية لسجلات الجريمة بالهند، ما بين عامي 1995 و2007، أكثر من 184000 مزارع انتحروا، هربًا من الفاقة والعوز. ولم يستطع هؤلاء المزارعون تسديد الديون التي اضطروا إلى اقتراضها من أجل شراء المخصبات والمبيدات والوقود.. “وقد ساهم كل ما سبق في تكوين طبقة اجتماعية جديدة تعرف باسم الفلاحين الأطفال، على نحو ما يشير إليه تقرير لوكالة الأنباء المحلية..، ففي المناطق التي تسجل فيها حالات انتحار عالية تتجه الأرامل الشابات إلى تربية الأبناء في ظروف من الحرمان الشديد ويسيطر عليهن شبح مستقبل كالح مفزع “.
وبعيدًا عن لغة الأرقام والمعطيات الإحصائية، فإنّ الواقع الحالي، ينبئ بتحول عميق في منظومة القيم المجتمعية لدى كل دول المعمورة. وقد برزت بشكل حاد، حالات من القلق الحضاري الذي بدأ ينتاب البشرية كلها، وبدأ معها السؤال الوجودي يتجدد؟ ما مصير الإنسان؟ وما هو هدفه في الحياة؟ وما معنى الحياة أصلاً؟ إلى غيرها من الأسئلة المحرقة التي باتت تؤرق البشرية برمتها في ظل تعدد المرجعيات الدينية والثقافية والقانونية والسياسية وما إلى ذلك. ولعنا نجد في استشرافات الكثير من الباحثين بعضًا من الجواب عن حيرة الإنسان المعاصر، الذي “أصبح يلهث وراء المال، ووراء البحث عن الطريف والجديد والصارخ والمتفرد، فبدأ ينغمس في العوالم الافتراضية الوهمية بحثًا عن التسلية الواهية، فيحصل له التبدد ثم الضياع “. وأصبح يعيش في عزلة تامة، على الرغم من قوة التدفقات التكنولوجية التي بدأت تحيطه من كل جانب؟ وهو الأمر المفارق للغاية، في ظل حضور أشكال التواصل اللامتناهية، فإنّ الإنسان المعاصر، يحس باليتم والانعزال، مما يدفعه إلى التفكير في مجموعة من الحلول، لعل من بينها الأكثر دراماتيكية، الانتحار.
فكيف يشرح لنا دوركايم، هذه الظاهرة؟ هل يرجعها إلى ما هو سيكولوجي؟ أم إلى ما هو كوني طبيعي؟ أم إلى محددات عرقية وإثنية؟ أم إلى معطيات طبيعية كالطقس وتغيراته؟ أم إلى أسباب اقتصادية وصناعية؟ أم إلى اعتبارات اجتماعية مرتبطة بالهشاشة والفقر والعوز؟ أم إلى تفكك الرابطة الأسرية والعائلية بشكل أوسع؟ أم إلى تراجع دور الدين في تأطير المجتمع؟ أم إلى وجود تحولات سوسيوثقافية وسوسيواقتصادية، هي التي دفعت بالظاهرة نحو البروز بشكل لافت للنظر في أواخر القرن 19؟
وما هي أنواع الانتحار التي توقف عندها دوركايم؟ وما هي التفسيرات التي توصل إليها لشرح سوسيولوجيي للظاهرة؟ وأخيرًا ما هي المداخل التي يقترحها “دوركايم” للخروج من معضلة الانتحار الكونية؟
ثانيا: في مورفولوجية الكتاب/ الأطروحة
نظرًا للخصوصية التي يتميز بها “دوركايم” والتي تتمثل في الطابع الجدالي والنقدي الذي ينتهجه في الكتابة السوسيولوجية، فإنّ الكتاب/ الأطروحة، ممفصل على ثلاثة أبواب. نجد في الباب الأول، تساؤلاً عن معنى الانتحار من خلال الوقوف عند الأسباب اللااجتماعية، وهو الذي يضم أربعة فصول: الأول (الانتحار والحالات السيكولجية)، والثاني، (الانتحار والحالات السيكولوجيية السوية)، والثالث (الانتحار والعوامل الكونية)، وأخيرًا (الانتحار والمحاكاة). أما الباب الثاني فهو عبارة عن نقد للأطروحات السابقة التي وردت في الباب الأول، وهي التي اختار لها الباحث اسم: الأسباب الاجتماعية للانتحار، والتي تتوزع على ستة فصول: أولها (منهج لتحديد الأسباب والنماذج)، ثانيها (الانتحار الأناني)، وثالثها (الانتحار الغيري)، ورابعها (الانتحار الفوضوي)، وخامسها (الأشكال الفردية لمختلف نماذج الانتحار). في حين أنّ الباب الثالث، من الدراسة، تضمن أهم الخلاصات التي توصل إليها الباحث، حيث عنون هذا الباب، بـ”الانتحار كظاهرة اجتماعية بوجه عام”، وفيه نجد ثلاثة فصول: الأول (العنصر الاجتماعي للانتحار)، والثاني (صلات الانتحار بالظواهر الاجتماعية الأخرى)، وأخير (نتائج عملية) وهي التي يطرح فيها الاقتراحات والحلول للخروج من معضلة الانتحار.
هكذا يتبين من خلال هذه الهيكلة المتناسقة، الطرح العلمي والمنهجيي والنقدي الذي اعتمده “دوركايم” في قراءة ظاهرة الانتحار. ولعله بهذا الطرح، يفتح آفاقا جديدة في التعامل مع الظاهرة التي تقع على أرضية مشتركة بين العديد من التخصصات العلمية.
ثالثا: منهجية الدراسة
عندما تطالع كتاب “الانتحار”، تفهم كيف تطورت الظاهرة عبر الحقب الزمنية والتاريخية، وكيف كانت الظاهرة تعاش في العديد من الثقافات والديانات والخصوصيات السوسيوثقافية. ولم يكن ليتوفر ذلك، بدون منهج واضح للمؤلف، إذ أنّه آلى على نفسه ألا يقحم في كتابه إلا ما هو مؤكد من المعلومات، حيث يقول في هذا الصدد: “… فقد اتخذنا قاعدة لنا بأن لا نقحم في أبحاثنا معلومات غير مؤكدة بقدر ما هي مفيدة علميًّا”. وأكثر من ذلك، فإنّ المؤلف اجتهد في الوصول إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الإحصائيات والمعطيات والأرقام والخرائط التي تبين تطور ظاهرة الانتحار في مجموعة من الدول الأوربية في نهاية القرن 19. وهذه المعطيات – وجب أن نعترف أنّه ليس من السهل على باحث بمفرده أن يجمعها ويبوبها ويستخلص منها خصائص الظاهرة – تبقى جد هامة في توضيح العديد من الفرضيات التي قد يطرحها كل متتبع ومهتم بظاهرة الانتحار سواء في أوربا أو في غيرها من القارات والدول.
وعندما نتوقف عند هذا المعطى، لكي نبين حجم الجهد الذي يتكبده الباحث، في سبيل توضيح ظاهرة ما. فعلى سبيل المثال: تداول العديد من الباحثين، فرضية أنّ الانتحار قد يكون في الأشهر الباردة من السنة، خصوصا ونحن نعلم أنّ بعض الدول في أوربا (الاسكندنافية منها)، تعرف شتاءً طويلاً يمتد إلى ستة أشهر. ولهذا تتبع “دوركايم” الإحصائيات السنوية والشهرية لأعداد المنتحرين في أوربا، ليجد أنّ الشهور التي يكثر فيها الانتحار ليست هي الشهور التي تقع في فصلي الخريف والشتاء، وإنّما هي التي تقع في فصلي الربيع والصيف .
من بين الخصائص المنهجية التي تشدّك في كتاب “الانتحار”، هو قدرة دوركايم على تطبيق المنهج المقارن بنوع من الحرفية العالية، ففهم ظاهرة من الظواهر، سواء دينية أو سياسية أو اجتماعية أو رياضية أو فنية.. يقتضي وضعها في سياقها المقارن. لاستخلاص النمذجات الضرورية لقراءة الظاهرة. ولهذا فقد استطاع دوركايم من خلال تدقيقه في مختلف خصائص الظاهرة، أن يستجلي نماذج للانتحار فردية، وهي: الأناني، الغيري، الفوضوي. ثم نماذج أخرى مختلطة وهي: انتحار أناني-فوضوي، انتحار فوضوي-غيري، وأخيرًا، انتحار أناني-غيري . ولعل هذه الميزة قلما تجدها في الدراسات السوسيولوجية، والتي تكثر فيها المعطيات والأرقام والإحصائيات والجداول، إلى درجة يغيب معها المعنى وتشت الفكر. لكن منهج دوركايم، كان جد موفق، لأنّه انتهج الخطوات الثلاث في البحث السوسيولوجي، وهي الوصف والتفسير وأخيرًا الاستشراف، فهو لم يتوقف في لحظة وصف الظاهرة، بقدر ما سعى إلى إيجاد تفسير مقنع لها، وأخيرًا توصل إلى وضع بعض الاستشرافات الممكنة لتجاوز هذه المعضلة.
لا يمكن أن تقرأ كتاب “الانتحار” بدون أن تستخلص أهم فكرة إبداعية بلورها “دوركايم” وأصبحت أيقونة المنهج السوسيولوجي برمته، وهي، “لا يمكن فهم الاجتماعي إلا بما هو اجتماعي” أي أنّ فهم الظاهرة لا يمكن أن يكون إلا إذا اعتمد الباحث على منهج سوسيولوجي واقعي وموضوعي. في هذا الصدد، يؤكد دوركايم: “لا بد لنا من الاتفاق، أنّه إذا كان للسوسيولوجيا من وجود، فلا يمكنها إلا أن تكون دراسة عالم ما يزال مجهولاً، ومختلفًا عن العوالم التي تتحراها العلوم الأخرى. وعليه فإنّ هذا العالم ليس شيئًا إن لم يكن نظامًا من الحقائق الواقعية “.
وفوق كل هذا وذاك، نجد في منهجية “دوركايم” جدلاً في بناء الفرضيات وفي تفنيد الأطروحات السابقة، والتي حاولت أن تحلل ظاهرة الانتحار. فمثلاً نجده في الباب الأول (الفصل الأول)، يعرض وجهة نظر الأطباء العقليين (اسكيرول)، والذين يؤكدون أنّ “الانتحار ناجم عن الاضطراب العقلي”. بيد أنّ دوركايم من خلال تتبعه لمجموعة من المعطيات المتفرقة والمقارنة، توصل إلى أنّه “لا يمكن رد كل حالات الانتحار إلى وجود أعراض لمرض عقلي”. “فالخلاصة أنّ جميع الانتحارات الناجمة عن الاضطراب العقلي، إما أن تكون مجردة من أي سبب، أو مدفوعة بأسباب متخيلة بوجه الدقة. والحال فإنّ عددًا كبيرًا من الموتى الإراديين لا يندرجون في هذه الفئة ولا تلك، فالغالبية منهم لهم أسبابهم التي ليست من دون أساس في الواقع. وهكذا فنحن لن نستطيع إذن، من دون تعسف في استخدام الكلمات، أن نرى مجنونًا في كل منتحر. فمن بين جميع الانتحارات التي قمنا بوصفها، فإنّ الانتحارات التي لاحظناها لدى الناس الأسوياء هو الانتحار السوداوي. ذلك أنّ الرجل السوي الذي ينتحر يكون هو أيضًا في حالة من الخور والاكتئاب على غرار المريض العقلي “. وهذا يعني أنّ منهج دوركايم تفكيكي-نقدي في الآن نفسه، فهو لا يكتفي بتوجيه النقد للأطروحات السابقة – ومنها بطبيعة الحال النظريات السيكولوجية – بل إنّه يعمل على استعراض وجهة نظرها، وأدلتها وبراهينها. ثم بعد ذلك، يقدم النقد بإعمال أدواته العقلية والعلمية والمنهجية. فعلى سبيل المثال، يتوارد لدى العديد من الأطباء النفسانيين، أنّه من أسباب الانتحار، المرض العصابي أو مدمنو الكحول، لكن دوركايم لم يستسلم لهذه النتائج، بل اعتبرها فرضيات أولية، قابلة للفحص والنقد. وهكذا فقد بين أنّه “ليس هناك أية حالة سيكوباتية تحتفظ بعلاقة منتظمة وأكيدة مع الانتحارات. فأن يضم مجتمع من المجتمعات في داخله عددًا أقل أو أكثر من العصابيين أو الكحوليين، فإنّ هذا لا يفضي إلى أن يكون لديه عدد أكبر أو أقل من المنتحرين، ورغم أنّ الانحطاط العضوي بمختلف أشكاله يشكل تربة سيكولوجية صالحة للغاية للتأثير في الأسباب التي يمكن أن تدفع إنسانًا إلى الانتحار، فإنّه هو ذاته لا يمثل أحد الأسباب. ويمكننا أن نسلم بأنّه في ظروف مماثلة، فإنّ المنحط عصبيًّا ينتحر بسهولة أكبر من الإنسان السليم، ولكنه لا ينتحر بالضرورة بمقتضى حالته تلك. فالإمكانية الافتراضية التي في داخله لا تدخل في الفعل إلا تحت تأثير عوامل أخرى لا مفر لنا من البحث عنها “.
إنّ هذا المقطع – الذي سقناه على سبيل التمثل لا الحصر – إنّما يؤكد النفس النقدي والحجاجي الذي اتسم به الباحث في مجمل تحليلاته وتفسيراته للظاهرة.
تابع
يمكنك مشاهدة توقيعي بالنقر على زر التوقيع
|
 |
|
المفضلات