 |
بتاريخ : 09-02-2012 الساعة : 08:15 AM
رقم
#4
كاتب الموضوع :
علي العذاري
|
شاملى مميز
|
الفصل السابع: (ز)
الصفحة : 23
فصل في أن واجب الوجود واحد
ونقول ايضاً: إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتاً واحدة، وإلاّ فليكن كثرة ويكون كل واحد منها واجب الوجود، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد منها في المعنى الذي هو حقيقته، لا يخالف الآخر البتة أو يخالفه. فإن كان لا يخالف الآخر في المعنى الذي لذاته بالذات، ويخالفه بأنه ليس هو، وهذا خلاف لا محالة، فيخالفه في غير المعنى. وذلك لأن المعنى الذي هو فيهما غير مختلف، وقد قارنه شيء به صار هذا أو في هذا، أو قارنه نفسه أنه هذا أو في هذا، ولم يقارنه هذا المقارن في الآخر، بل ما به صار ذاك ذاك، أو نفس أن ذاك ذاك، وهذا تخصيص ما قارن ذلك المعنى، وبينهما به مباينة. فإذن كل واحد منها يباين الآخر به، وليس يخالفه في نفس المعنى، فيخالفه في غير المعنى. والأشياء التي هي غير المعنى وتقارن المعنى هي الأعراض واللواحق الغير الذاتية. وهذه اللواحق فإما أن تعرض لوجود الشيء بما هو ذلك الوجود فيجب أن يتفق الكل فيه وقد فرض أنها مختلفة فيه، وهذا خلف. وإما أن تعرض له عن أسباب خارجة لا عن نفس ماهيته، فيكون لولا تلك العلة لم يختلف، فيكون لولا تلك العلة لكانت الذوات واحدة أو لم تكن، فيكون أولاً تلك العلة ليس هذا بانفراده واجب الوجود، وذلك بانفراد، واجب الوجود لا من حيث الوجود، بل من حيث الأعراض، فيكون وجوب وجود كل واحد منهما الخاص به، المنفرد له، مستفاداً من غيره. وقد قيل إن كل ما هو واجب الوجود بغيره فليس واجب الوجود بذاته، بل هو في حد ذاته ممكن الوجود، فتكون كل واحدة من هذه، مع أنها واجبة الوجود بذاتها، ممكنة الوجود في حد ذاتها وهذا محال. ولنفرض الآن أنه يخالفه في معنى أصلي، بعد ما يوافقه في المعنى، فلا يخلو ذلك المعنى إما أن يكون شرطاً في وجوب الوجود، أو لا يكون. فإن كان شرطاً في وجوب الوجود، فظاهر أنه يجب أن يتفق فيه كل ما هو واجب الوجود، وإن لم يكن شرطاً في وجوب الوجود، فوجوب الوجود متقرر دونه وجوب وجود، وهو داخل عليه، عارض، مضاف إليه، بعد ما تم ذلك وجوب وجود، وقد منعنا هذا وبيّنا فساده. فإذن لا يجوز أن يخالفه في المعنى. بل يجب أن نزيد لهذا بياناً من وجه آخر وهو: أن انقسام معنى وجوب الوجود في الكثرة لا يخلو من وجهين: إما أن يكون على سبيل انقسامه بالفصول وإما على سبيل انقسامه بالعوارض. ثم من المعلوم أن الفصول لا تدخل في حد ما يقام مقام الجنس. فهي لا تفيد الجنس حقيقته، وإنما تفيده القوام بالفعل، وذلك كالناطق، فإن الناطق لا يفيد الحيوان معنى الحيوانية، بل يفيده القوام بالفعل ذاتاً موجودة خاصة.
الصفحة : 24
فيجب ايضاً أن تكون فصول وجوب الوجود، إن صحت، بحيث لا تفيد وجوب الوجود حقيقة وجوب الوجود، بل يفيده الوجود بالفعل. وهذا محال من وجهين: أحدهما، أنه ليس حقيقة وجوب الوجود إلاّ نفس تأكد الوجود، لا كحقيقة الحيوانية التي هي معنى غير تأكد الوجود، والوجود لازم لها، أو داخل عليها، كما علمت. فإذن إفادة الوجود لوجوب الوجود، هي إفادة شرط من حقيقته ضرورة، وقد منع جواز هذا ما بين الجنس والفصل. والوجه الثاني، أنه يلزم أن تكون حقيقة وجوب الوجود متعلقة في أن تحصل بالفعل الموجب له، فيكون المعنى الذي به يكون الشيء واجب الوجود يجب وجوده بغيره، وإنما كلامنا في وجوب الوجود بالذات، فيكون الشيء الواجب الوجود بذاته واجب الوجود بغيره، وقد أبطلنا هذا. فقد ظهر أن انقسام وجوب الوجود إلى تلك الأمور، لا يكون انقسام المعنى الجنسي إلى فصول. فتبيّن أن المعنى الذي يقتضي وجوب الوجود لا يجوز أن يكون معنى جنسياً ينقسم بفصول وأعراض، فبقي أن يكون معنى نوعياً. فنقول: ولا يجوز أن تكون نوعيته محمولة على كثيرين، لأن أشخاص النوع الواحد، كما بينا، إذا لم تختلف في المعنى الذاتي، وجب أن تكون إنما تختلف بالعوارض، وقد منعنا إمكان هذا في وجوب الوجود، وقد يمكن أن نبين هذا بنوع من الإختصار، ويكون الغرض راجعاً إلى ما أردناه. فنقول: إن وجوب الوجود إذا كان صفة للشيء وموجوداً له، فإما أن يكون واجباً في هذه الصفة، أي في وجوب الوجود، أن تكون عين تلك الصفة موجودة لهذا الموصوف، فيمتنع الواحد منها أن يوجد وجوداً لا يكون صفة له، فيمتنع أن يوجد لغيره، فيجب أن يوجد له وحده؛ وإما أن يكون وجودها له ممكناً غير واجب. فيجوز أن يكون هذا الشيء غير واجب الوجود بذاته وهو واجب الوجود بذاته، هذا خلف. فوجوب الوجود لا يكون إلاّ لواحد فقط. فإن قال قائل: إن وجوده لهذا لا يمنع وجوده صفة للآخر فكونه صفة للآخر لا يبطل وجوب كونه صفة له. فنقول: كلامنا في تعيين وجوب الوجود صفة له، من حيث هو له، من حيث لا يلتفت فيه إلى الآخر، فذلك ليس صفة للآخر بعينه؛ بل مثلها الواجب فيها ما يجب في تلك بعينها. وبعبارة أخرى نقول: إن كون الواحد منها واجب الوجود، وكونه هو بعينه، إما أن يكون واحداً، فيكون كل ما هو واجب الوجود فهو بعينه وليس غيره. وإن كان كونه واجب الوجود، غير كونه هو بعينه، فمقارنة واجب الوجود لأنه هو بعينه، إما أن يكون أمراً لذاته، أو لعلةٍ وسبب موجب غيره. فإن كان لذاته،
الصفحة : 25
ولأنه واجب الوجود، فيكون كل ما هو واجب الوجود هذا بعينه. وإن كان لعلة وسبب موجب غيره، فلكونه هذا بعينه سبب، فلخصوصية وجوده المنفرد سبب، فهو معلول. فإذن واجب الوجود واحد بالكلية ليس كأنواع تحت جنس، وواحد بالعدد ليس كأشخاص تحت نوع، بل معنى شرح أسمه له فقط، ووجوه غير مشترك فيه. وسنزيد هذا إيضاحاً في موضع آخر. فهذه الخواص التي يختص بها واجب الوجود. وأما الممكن الوجود، فقد تبين من ذلك خاصيته وهو أنه يحتاج ضرورة إلى شيء آخر يجعله بالفعل موجوداً. وكل ما هو ممكن الوجود فهو دائماً، باعتبار ذاته، ممكن الوجود، لكنه ربما عرض أن يجب وجوده بغيره، وذلك إما أن يعرض له دائماً، وإما أن يكون وجوب وجوده عن غيره ليس دائماً، بل في وقت دون وقت. فهذا يجب أن يكون له مادة تتقدم وجوده بالزمان، كما سنوضحه. والذي يجب وجوده بغيره دائماً، فهو أيضاً غير بسيط الحقيقة، لأن الذي له باعتبار ذاته، غير الذي له من غيره، وهو حاصل الهوية منهما جميعاً في الوجود، فلذلك لا شيء غير واجب الوجود تعرّى عن ملا بسة ما بالقوة والإمكان باعتبار نفسه، وهو الفرد، وغيره زوج تركيبي.
الفصل الثامن: (ح)
الصفحة : 26
فصل في بيان الحق والصدق والذب عن أول الأقاويل، في المقدمات الحقة أما الحق فيفهم منه الوجود في العيان مطلقاً، ويفهم منه الوجود الدائم ويفهم منه حال القول أو العقد الذي يدل على حال الشيء في الخارج إذا كان مطابقاً له، فنقول: هذا قول حق، وهذا إعتقاد حق. فيكون الواجب الوجود هو الحق بذاته دائماً، والممكن الوجود حق بغيره، باطل في نفسه. فكل ما سوى الواجب الوجود الواحد باطل في نفسه. وأما الحق من قبل المطابقة فهو كالصادق، إلاّ أنه صادق فيما أحسب باعتبار نسبته إلى الأمر، وحق باعتبار نسبة الأمر إليه. وأحق الأقاويل أن يكون حقاً ما كان قد صدقه دائماً، وأحق ذلك ما كان صدقه أولياً ليس لعلة. وأول كل الأقاويل الصادقة الذي يتنهي إليه كل شيء في التحليل، حتى أنه يكون مقبولاً بالقوة أو بالفعل في كل شيء يُبين أو يتبين به، مكا بيناه في كتاب البرهان، هو أنه: لا واسطة بين الإيجاب والسلب. وهذه الخاصة ليست من عوارض شيء إلاّ من عوارض الموجود بما هو موجود، لعمومه في كل موجود. والسوفسطائي إذا أنكر هذا، فليس ينكره إلاّ بلسانه معانداً. أو يكون قد عرض له شبهة في أشياء فسد عليه عنده فيها طرفا النقيض لغلط جرى عليه مثلاً، لأنه لا يكون حصل له حال التناقض وشرائطه. ثم إن تبكيت السوفسطائي، وتنبيه المتحير أبداً، إنما هو في كل حال على الفيلسوف، ويكون لا محالة بضرب من المحاورة. ولا شك أن تلك المحاورة تكون ضرباً من القياس الذي يلزم مقتضاه، إلاّ أنه لا يكون في نفسه قياساً يلزم مقتضاه، ولكن يكون قياساً بالقياس. وذلك لأن القياس الذي يلزم مقتضاه على وجهين: قياس في نفسه، وهو الذي تكون مقدماته صادقة في أنفسها، وأعرف عند العقلاء من النتيجة، ويكون تأليفه تاليفاً منتجاً، وقياس كذلك بالقياس، وهو أن تكون حال المقدمات كذلك عند المحاور حتى يسلم الشيء وإن لم يكن صدقاً، وإن كان صدقاً لم يكن أعرف من النتيجة التي يسلمها، فيؤلف عليه بتأليف صخيح مطلق أو عنده. وبالجملة فقد كان القياس ما إذا سلمت مقدماته لزم منه شيء، فيكون ذلك قياساً من حيث كذا. ولكنه ليس يلزم أن يكون كل قياس قياساً يلزم مقتضاه، لأن مقتضاه يلزم إذا سلم، فإذا لم يسلم كان قياساً. لأنه قد أورد فيه ما إذا وضع وسلم لزمه، ولكن لما لم يسلم بعد لم يلزم مقتضاه، فيكون القياس قياساً، أعم من كونه قياساً يلزم مقتضاه.
الصفحة : 27
وكونه قياساً يلزم مقتضاه، هو أيضاً على قسمين، على ما علمت، فالقياس الذي يلزم مقتضاه بحسب الأمر في نفسه، هو الذي مقدماته مسلمة في أنفسها، وأقدم من النتيجة. وأما الذي هو بالقياس، فالذي قد سلم المخاطب مقدماته، فتلزمه النتيجة. ومن العجائب أن السوفسطائي الذي غرضه المماراة يضظر إلى أحد الأمرين: إما إلى السكوت والإعراض، وإما إلى الإعتراف لا محالة بأشياء، والإعتراف بأنها تنتج عليه. وأما المتحير فعلاجه حل شبهة، وذلك لأن المتحير لا محالة إنما وقع فيما وقع فيه إما لما يراه من تخالف الأفاضل الأكثرين، ويشاهده من كون رأي كل واحد منهم مقابلاً لرأي الآخر الذي يجده قرنا له، لايقصر عنه، فلا يجب عنده أن يكون أحد القولين أولى بالتصديق من الآخر؛ وإما لأنه سمع من المذكورين المشهورين المشهود لهم بالفضيلة أقاويل لم يقلها عقله بالبديهة، كقول من قال: إن الشيء لا يمكنك أن تراه مرتين، بل ولا مرة واحدة، وإن لا وجود لشيء في نفسه، بل بالإضافة. فإذا كان قائل مثل هذا القول مشهوراً بالحكمة لم يكن بعيداً أن يتحير الشادي لقوله. وإما لأنه قد اجتمع عنده قياسات متقابلة النتائج ليس يقدر على أن يختار واحد منها ويزيف الآخر. فالفيلسوف يتدارك ما عرض لأمثال هؤلاء من وجهين: أحدهما حل ما وقع فيه من الشك؛ والثاني التنبيه التام على أنه لا يمكن أن يكون بين النقيضين واسطة. أما حل ما وقع فيه فمن ذلك أن يعترفه أن الناس ناس لا ملائكة. ومع ذلك فليس يجب أن يكونوا متكافئين في الإصابة، ولا يجب إذا كان واحد أكثر صواباً في شيء من آخر، أن لا يكون الآخر أكثر صواباً منه في شيء آخر. وأن يعرف أن أكثر المتفلسفين يتعلم المنطق وليس يستعمله، بل يعود آخر الأمر فيه إلى القريحة فيركبها ركوب الراكض من غير كف عنان أوجذب خطام. وأن من الفضلاء من يرمز أيضاً برموز، ويقول ألفاظاً ظاهرة مستشنعة أو خطأ وله فيها غرض خفي، بل أكثر الحكماء، بل الأنبياء الذين لا يؤتون من جهة غلطاً أو سهواً هذه وتيرتهم. فهذا يزيل شغل قلبه من جهة ما استنكر من العلماء. ثم يعرفه فيقول: إنك إذا تكلمت فلا يخلو إما أن تقصد بلفظك نحو شيء من الأشياء بعينه، أو لا تقصد، فإن قال إذا تكلمت لم أفهم شيئاً، فقد خرج هذا من جملة المسترشدين المتحيرين، وناقض الحال في نفسه، وليس الكلام معه هذا الضرب من الكلام. وإن قال: إذا تكلمت فهمت باللفظ كل شيء فقد خرج عن الإسترشاد. فإن قال: إذا تكلمت فهمت به شيئاً بعينه، أو أشياء كثيرة محدودة. فعلى كل حال فقد جعل للفظ دلالة على أشياء بعينها لا يدخل في تلك
الصفحة : 28
الدلالة غيرها. فإن كانت تلك الكثرة تتفق في معنى واحد فقد دل أيضاً على معنى واحد، وإن لم يكن كذلك فالإسم مشترك، ويمكن لا محالة أن يفرد لكل واحد من تلك الجملة إسماً؛ فهذا يسلمه من قام مقام المسترشدين المتحيرين. وإذا كان الإسن دليلاً على شيء واحد كالإنسان مثلاً فالا إنسان، أعني ما هو مباين للإنسان لا يدل عليه ذلك الإسم بوجه من الوجوه. فالذي يدل عليه إسم الإنسان لا يكون الذي يدل عليه إسم اللا إنسان، فإن كان الإنسان يدل على اللا إنسان، فيكون لا محالة الإنسان، والحجر، والزورق، والفيل شيئاً واحداً؛ بل يدل على الأبيض، والأسود، والثقيل، والخفيف، وجميع ما هو خارج مما دل عليه إسم الإنسان. وكذلك حال المفهوم من الألفاظ هذه، فيلزم من هذا أن يكون كل شيء وأن يكون ولا شيء من الأشياء نفسه، وأن لايكون للكلام مفهوم. ثم لا يخلو إما أن يكون هذا حكم كل لفظ، وحكم كل مدلول عليه باللفظ، أو يكون بعض هذه الأشياء بهذه الصفة، وبعضها بخلافها. فإن كان هذا في كل شيء فقد عرض أن لا خطاب ولا كلام، بل لا شبهة ولا حجة أيضاً. وإن كان في بعض الأشياء قد تتميز الموجبة عن السالبة، وفي بعضها لا تتميز، فحيث تتميز يكون لا محالة ما يدل عليه الإنسان غير ما يدل عليه باللا إنسان؛ وحيث لا يتميز كالأبيض واللا أبيض يكون مدلولهما واحد، فيكون كل شيء هو لا أبيض فهو أبيض، وكل شيء هو أبيض فهو لا أبيض، فالإنسان إذا كان له مفهوم متميز فإن كان الأبيض فهو أيضاً لا أبيض الذي هو والأبيض واحد، واللا إنسان كذلك؛ فيعرض مرة أخرى أن يكون الإنسان واللا إنسان غير متميزين. فهذا ومثاله قد يزيح علة المتحير المسترشد في أن يعرف أن الإيجاب والسلب لا يجتمعان، ولا يصدقان معاً. وكذلك أيضاً قد تبين له أنهما لا يرتفعان ولا يكذبان معاً، فإنه إذا كذبا معاً في شيء، كان ذلك الشيء ليس بإنسان مثلاً، وليس أيضاً بلا إنسان. فيكون قد اجتمع الشيء الذي هو اللا إنسان وسالبه الذي هو لا لا إنسان، وقد نبه على بطلانه. فهذه الأشياء وما يشبهها مما لا يحتاج أن نطول فيه، وبحل الشبه المتقابلة من قياسات المتحير يمكننا أن نهديه. وأما المتعنت فينبغي أن يكلف شروع النار، إذ النار واللاّ نار واحد؛ وأن يؤلم ضرباً، إذا الوجع واللا وجع واحد؛ وأن يمنع الطعام والشراب، إذ الأكل والشرب وتركهما واحد. فهذا المبدأ الذي ذببنا عنه من يكذبه،هو أول مبادئ البراهين، وعلى الفيلسوف الأول أن يذب عنه. ومبادئ البراهين تنتفع في البراهين. والبراهين تنتفع في معرفة الأغراض الذاتية لموضوعاتها. لكن معرفة جوهر الموضوعات الذي كان فيما سلف يعرف بالحد فقط، فما يلزم الفيلسوف ههنا أن يحصله،
الصفحة : 29
فيكون لهذا العلم الواحد أن يتكلم في الأمرين جميعاً. لكن قد يتشكك على هذا أنه إن تكلم فيها، على سبيل التحديد والتصور، فهو ذاك الذي يتكلم فيه صاحب العلم الجزئي، وإن تكلم فيها في التصديق صار الكلام فيها برهانياً. فنقول: إن هذه التي كانت موضوعات في علوم أخرى تصير عوارض في هذا العلم، لأنها أحوال تعرض للموجود، وأقسام له، فيكون ما لا يبرهن عليه في علم آخر، يبرهن عليه ههنا. وأيضاً إذا لم يلتفت إلى علم آخر وقسم موضوع هذا العلم نفسه إلى جوهر وعوارض تكون خاصة له، فيكون ذلك الجوهر الذي هو موضوع لعلم ما أو الجوهر مطلقاً، ليس موضوع هذا العلم، بل قسماً من موضوعه، فيكون ذلك بنحو ما عارضاً لطبيعة موضوعه، الذي هو موجود، إن صار ذلك الجوهر دون شيء آخر لطبيعة الموجود أن تقارنه أو يكون هو. فإن الموجود طبيعة يصح حملها على كل شيء، كان ذلك الجوهر أو غيره، فإنه ليس لأنه موجود هو جوهر، أو جوهر ما، وموضوع ما، على ما فهمت، قبل هذا، فيما سلف. ومع هذا كله فليس البحث عن مبادئ التصور والحد حداً ولا تصوراً، ولا البحث عن مبادئ البرهان برهاناً، حتى يصير البحثان المتخالفان بحدثاً واحداً.
الصفحة : 30
المقالة الثانية
وفيها أربعة فصول
الفصل الأول: (أ)
فصل في تعريف الجوهر وأقسامه بقول كلي
فنقول: إن الوجود للشيء قد يكون بالذات مثل وجود الإنسان إنساناً، وقد يكون بالعرض مثل وجود زيد أبيض. والأمور التي بالعرض لا تحد. فلنترك الآن ذلك ولنشتغل بالموجود، والوجود الذي بالذات. فأقدم أقسام الموجودات بالذات هو الجوهر، وذلك لأن الموجود قسمين: أحدهما، الموجود في شيء آخر، ذلك الشيء الآخر متحصل القوام والنوع في نفسه، وجوداً لا كوجود جزء منه، من غير أن تتضح مفارقته لذلك الشيء، وهو الموجود في موضوع؛ والثاني، الموجود من غير أن يكون في شيء من الأشياء بهذه الصفة، فلا يكون في موضوع البتة، وهو الجوهر. وإن كان ما أشير إليه في القسم الأول موجوداً في موضوع، فلذلك الموضوع لا يخلو أيضاً من أحد هذين الوصفين؛ فإن كان الموضوع جوهراً فقوام العرض في الجوهر، وإن لم يكن جوهراً كان أيضاً في موضوع ورجع البحث إلى الإبتداء، واستحال ذهاب ذلك إلى غير النهاية، كما سنبين في مثل هذا المعنى خاصة. فيكون لا محالة آخره فيما ليس في موضوع، فيكون في جوهره، فيكون الجوهر مقوم العرض موجوداً، وغير متقوم بالعرض، فيكون الجوهر هو المقدم في الوجود. وأما أنه هل يكون عرض في عرض، فليس بمستنكر، فإن السرعة في الحركة، والإستقامة في الخط، والشكل المسطح في البسيط، وأيضاً فإن الأعراض تنسب إلى الوحدة والكثرة، وهذه، كما سنبين لك، كلها أعراض. والعرض وإن كان في عرض فهماً جميعاً معاً في موضوع، والموضوع بالحقيقة هو الذي يقيمها جميعاً، وهو قائم بنفسه. ثم قد يجوز كثير ممن يدعي المعرفة أن يكون شيء من الأشياء جوهراً وعرضاً معا بالقياس إلى شيئين، فيقول: إن الحرارة عرض في غير جسم النار، لكنها في جملة النار ليست بعرض لأنها موجودة فيه كجزء، وأيضاً ليس يجوز رفعها عن النار، والنار تبقى، فإذن وجودها في النار ليس وجود العرض فيها، فإذ لم يكن وجودها فيها وجود العرض، فوجودها فيها وجود الجوهر. وهذا غلط كبير، وقد أشبعنا
الصفحة : 31
القول فيه في أوائل المنطق، وإن لم يكن ذلك موضعه، فإنهم إنما غلطوا فيه هناك. فنقول: قد علم، فيما سلف، أن بين المحل والموضوع فرقاً، وأن الموضوع يعنى به ما صار بنفسه ونوعه قاماً، ثم صار سبباً لأن يقوم به شيء فيه ليس كجزء منه. وأن المحل كل شيء يحله شيء فيصير بذلك الشيء بحال ما، فلا يبعد أن يكون شيء موجوداً في محل ويكون ذلك المحل لم يصر بنفسه نوعاً قائماً كاملاً بالفعل، بل إنما تحصل قوامه من ذلك الذي حله وحده، أو مع شيء آخر، أو أشياء أخرى اجتمعت، فصيرت ذلك الشيء موجوداً بالفعل، أو صيرته نوعاً بعينه. وهذا الذي يحل هذا المحل يكون لا محالة موجوداً لا في الموضوع. وذلك لأنه ليس يصلح أن يقال: إنه في شيء، إلاّ في الجملة، أو في المحل، وهو في الجملة كجزء، وكان الموضوع ما يكون فيه الشيء، وليس كجزءمنه، وهو في المحل ليس كشيء حصل في شيء، ذلك الشيء قائم بالفعل نوعاً، ثم يقيم الحال فيه؛ بل هذا المحل جعلناه إنما يقوم بالفعل بتقويم ما حله، وجعلنا إنما يتم له به نوعيته إذا كانت نوعيته إنما تحصل أو تصير له نوعية باجتماع أشياء جملتها يكون ذلك النوع. فبين أن بعض ما في المحل ليس في الموضوع. وأما إثبات هذا الشيء الذي هو في محل دون موضوع، فذلك علينا إلى قريب. وإذا أثبتناه، فهو الشيء الذي يخصه في مثل هذا الموضوع بإسم الصورة، وإن كنا قد نقول لغيره أيضاً صورة باشتراك الأسم. وإذا كان الموجود لا في الموضوع هو المسمى جوهراً، فالصورة أيضاً جوهر. فأما المحل الذي لا يكون في محل آخر فلا يكون في موضوع لا محالة، لأن كل موجود في موضوع فهو موجود في محل ولا ينعكس. فالمحل الحقيقي أيضاً جوهر، وهذا المجتمع أيضاً جوهر. وقد عرفت من الخواص التي لواجب الوجود أن واجب الوجود لا يكون إلاّ واحداً، وأن ذا الأجزاء أو المكافئ لوجوده لا يكون واجب الوجود، فمن هذا يعرف أن هذا مركب، وهذه الأجزاء كلها في أنفسها، ممكنة الوجود، وأن لها لا محالة سبباً يوجب وجودها. فنقول أولاً: إن كل جوهر فإما أن يكون جسماً، وإما أن يكون غير جسم، فإن كان غير جسم فإما أن يكون جزء جسم، وإما أن لا يكون جزء جسم، بل يكون مفارقاً للأجسام بالجملة. فإن كل جزء جسم فإما أن يكون صورته، وإما أن يكون مادته. وإن كان مفارقاً ليس جزء جسم فإما أن تكون له علاقة تصرف ما في الأجسام بالتحريك ويسمى نفساً، أو يكون متبرئاً عن المواد من كل جهة ويسمى عقلاً. ونحن نتكلم في إثبات كل واحد من هذه الأقسام.
الفصل الثاني: (ب)
الصفحة : 32
فصل في تحقيق الجوهر الجسماني وما يتركب منه وأول ذلك معرفة الجسم وتحقيق ماهيته.
أما البيان أن الجسم جوهر واحد متصل وليس مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، فقد فرغنا منه، وأما تحقيقه وتعريفه فقد جرت العادة بأن يقال: إن الجسم جوهر طويل عريض عميق، فيجب أن ينظر في كيفية ذلك. لكن كل واحد من ألفاظ الطول والعرض والعمق يفهم منه أشياء مختلفة. فتارة يقال: طول للخط كيفما كان، وتارة يقال طول لأعظم الخطين المحيطين بالسطح مقداراً، وتارة يقال طول لأعظم الأبعاد المختلفة الممتدة المتقاطعة كيف كانت خطاً أو غير خط، وتارة يقال طول للبعد المفروض بين الرأس ومقابله من القدم أو الذنب من الحيوان. واما العرض فيقال للسطح نفسه، ويقال لأنقص البعدين مقداراً، ويقال للبعد الواصل بين اليمين واليسار. والعمق أيضاً قد يقال لمثل البعد الواصل بين سطحين، وقد يقال له مأخوذاً ابتداء من فوق، حتى إن ابتدأ من أسفل سمي سمكاً. فهذه هي الوجوه المشورة في هذا. وليس يجب أن يكون في كل جسم خط بالفعل، فإن الكرة ليس فيها خط بالفعل البتة ولا يتعين فيها المحور ما لم تتحرك؛ وليس من شرط الكرة في أن تصير جسماً أن تكون متحركة حتى يظهر فيها محوراً أو خط آخر. فإنها تتحقق جسماً بما يحقق الجسمية، ثم يعرض لها أو يلزمها الحركة. وأيضاً الجسم ليس يجب أن يكون فيه من حيث هو جسم سطح، فإنه إنما يجب فيه من حيث يكون متناهياً، وليس يحتاج في تحققه جسماً ومعرفتنا إياه جسماً إلى أن يكون متناهياً، بل التناهي عارض لازم له، ولذلك لا يحتاج إلى تصوره جسم حين يتصور الجسم. ومن تصور جسماً غير متناه فلم يتصور جسماً لا جسماً، ولا يتصور عدم المتناهي إلاّ المتصور جسماً. لكنه أخطأ كمن قال: إن الجسم آلة، فقد أخطأ في التصديق ولم يخطئ في تصور بسيطة وهما الموضوع والمحمول. ثم إن كان لا بد للجسم في تحققه جسماً أن تكون له سطوح، فقد يكون جسم محيط به سطح واحد وهو الكرة. وليس أيضاً من شرط الجسم في أن يكون جسماً أن تكون له أبعاد متفاضلة، فإن المكعب أيضاً جسم مع أنه محاط بحدود ستة، ومع ذلك ليس فيه أبعاد متفاضلة حتى يكون له طول وعرض وعمق بأحد المعاني. ولا أيضاً يتعلق كونه جسماً بأن يكون موضوعاً تحت السماء، حتى تعرض له الجهات لأجل جهات العالم، ويكون له طول وعرض وعمق بمعنى آخر، وإن كان لا بد من أن يكون إما سماء وإما في
الصفحة : 33
سماء. فبين من هذا أنه ليس يجب أن يكون في الجسم ثلاثة أبعاد بالفعل على الوجوه المفهومة من البعاد الثلاثة حتى يكون جسماً بالفعل. فإذا كان الأمر على هذا، فكيف يمكننا أن نضطر أنفسنا إلى فرض أبعاد ثلاثة بالفعل، موجودة في الجسم، حتى يكون جسماً، بل معنى هذا الرسم للجسم أن الجسم هو الجوهر الذي يمكنك أن تفرض فيه بعداً كيف شئت ابتداء، فيكون ذلك المبتدأ هو الطول، ثم يمكنك أن تفرض أيضاً بعداً آخر مقاطعاً لذلك البعد على قوائم، فيكون ذلك البعد الثاني هو العرض، ويمكنك أن تفرض فيه بعداً ثالثاً مقاطعاً لهذين البعدين على قوائم تتلاقى الثلاثة على موضع واحد، ولا يمكنك أن تفرض بعداً عمودياً بهذه الصفة غير هذه الثلاثة. وكون الجسم بهذه الصفة هو الذي يشار لأجله إلى الجسم بأنه طويل عريض عميق، كما يقال: إن الجسم هو المنقسم في جميع الأبعاد. وليس يعني أنه منقسم بالفعل مفروغ عنه، بل على أنه من شأنه أن يفرض فيه هذا القسم. فهكذا يجب أن يعرف الجسم، وهو أنه الجوهر الذي كذا صورته، وهو بها هو ما هو، ثم سائر الأبعاد المفروضة فيه بين نهاياته ونهاياته أيضاً وأشكاله وأوضاعه أمور ليست مقومة له، بل هي تابعة لجوهره. وربما لزم بعض الأجسام شيء منها أو كلها، وربما لم يلزم بعض الأجسام شيء منها أو بعضها. ولو أنك أخذت شمعة فشكّلتها بشكل افترض لها ابعاد بالفعل بين تلك النهايات معدودة مقدرة محدودة، ثم إذا غيرت ذلك الشكل لم يبق شيء منها بالفعل واحداً بالشخص بذلك الحد وبذلك القدر، بل حدثت أبعاد أخرى مخالفة لتلك بالعدد، فهذه الأبعاد هي التي من باب الكم. فإن اتفق أن كان جسماً، كالفلك مثلاً، تلزمه أبعاد واحدة، فليس ذلك له بما هو جسم، بل لطبيعة أخرى حافظة لكمالاته الثانية. فالجسمية بالحقيقة صورة الإتصال القابل لما قلناه من فرض الأبعاد الثلاثة. وهذا المعنى غير المقدار وغير الجسمية التعليمية. فإن هذا الجسم من حيث له هذه الصورة لا يخالف جسماً آخر بأنه أكبر أو أصغر، ولا يناسبه بأنه مساوٍ أو معدود به وعاد له أو مشارك أو مباين، وإنما ذلك له من حيث هو مقدّر ومن حيث جزء منه يعده. وهذا الإعتبار له غير اعتبار الجسمية التي ذكرنا. وهذه الأشياء قد شرحناها لك بوجه أبسط في موضع آخر يحتاج أن تستعين به.
|
 |
|
المفضلات