 |
بتاريخ : 09-02-2012 الساعة : 08:29 AM
رقم
#11
كاتب الموضوع :
علي العذاري
|
شاملى مميز
|
الفصل الثامن (ح)
الصفحة : 122
فصل في الحد.
والذي ينبغي لنا أن نعرفه الآن أن الأشياء كيف تتحدد، وكيف نسبة الحد إليها، وما الفرق بين الماهية للشيء وبين الصورة. فنقول: كما أن الموجود والواحد من الأشياء العامة للمقولات ولكن على سبيل تقديم وتأخير، فكذلك أيضاً كون الأشياء ذوات ماهية وحد، فليس ذلك في الأشياء كلها على مرتبة واحدة. فأما الجوهر فإنه مما يتناوله تناولاً أولياً بالحقيقة، وأما الأشياء الأخرى فلما كانت ماهيتها متعلقة بالجوهر أو بالصورة الجوهرية على نحو ما حددناه، أما الصورة الطبيعية فقد عرفت حالها، والمقادير والأشكال قد عرفتها أيضاً، فيكون تلك الأشياء الأخرى أيضاً من وجه لا تحدد إلا بالجوهر فيعرض من ذلك أن تكون.أما الأعراض فإن في حدودها زيادة على ذواتها، لأن ذواتها وإن كانت أشياء لا يدخل الجوهر فيها على أنه جزء لها بوجه من الوجوه، وذلك لأن ما جزؤه جوهر فهو جوهر، فإن حدودها يدخل الجوهر فيها على أنه جزء إذ كانت تتحدد بالجوهر لا محالة. وأما المركبات فإنها يعرض فيها تكرار شيء واحد بعينه مرتين، فإنه إذ فيها جوهر فلا بد من إدخاله في الحد، وإذ فيها عرض يتحدد بالجوهر فلا بد من دخوله في حد العرض مرة أخرى لتكون جملة الحد مؤلفة من حد الجوهر وحد العرض لا محالة وعائد إلى اثنينية وكثرة. ويتبين إذا حلل حد ذلك العرض ورد إلى متضمناته، فيكون حد هذا المركب قد وجد فيه الجوهر مرتين، وهو في ذات المركب مرة واحدة، فيكون في هذا الحد زيادة على معنى المحدود في نفسه. والحدود والحقيقة لا يجب أن تكون فيها زيادات. ومثال هذا أنك إذا حددت الأنف الأفطس فيجب أن تأخذ فيه الأنف لا محالة، وتأخذ فيه الأفطس فتكون أخذت فيه حد الأفطس، لكن الأفطس هو أنف عميق، ولا يجوز أن تأخذ عميقاً وحده، فإنه لو كان العميق وحده هو الأفطس لكانت الساق المعمقة أيضاً فطساء، بل يجب لا محالة أن تأخذ الأنف في حد الأفطس. فإذا حددت الأنف الأفطس تكون قد أخذت فيه الأنف مرتين، فلا يخلو إما أن لا تكون أمثال هذه حدوداً وإنما تكون الحدود للبسائط فقط، أو تكون هذه حدوداً على جهة أخرى. وليس ينبغي أن نقتصر من الحد على أن يكون شرح الاسم، فتجعل أمثال هذه لذلك حدوداً حقيقية، لأن الحد هو ما يدل على الماهية، وقد عرفته. لو كان كل قول يمكن أن يفرض بإزائه اسمٌ حداً لكان جميع كتب الجاحظ حدوداً. فإذا كان الأمر على هذا، فبيّن أن هذه المركبات حدودها حدود على جهة أخرى. وكل بسيط فإن ماهيته ذاته لأنه ليس هناك شيء قابل لماهيته، ولو كان هناك شيء قابل لماهيته، لم يكن ذلك الشيء ماهيته
الصفحة : 123
ماهية المقبول الذي حصل له، لأن ذلك المقبول كا يكون صورته، وصورته ليس هو الذي يقابله حده، ولا المركبات بالصورة وحدها هي ما هي، فإن الحد للمركبات ليس هو من الصورة وحدها، بل حد الشيء يدل على جميع ما يتقوم به ذاته، فيكون هو أيضاً يتضمن المادة بوجه. وبهذا يعرف الفرق بين الماهية في المركبات والصورة، والصورة دائماً جزء من الماهية في المركبات، وكل بسيط فإن صورته أيضاً ذاته لأنه لا تركيب فيه، وأما المركبات فلا صورتها ذاتها ولا ماهيتها ذاتها، أما الصورة فظاهر أنها جزء منها، وأما الماهية فهي ما بها هي ما هي، وإنما هي ما هي بكون الصورة مقارنة للمادة، وهو أزيد من معنى الصورة. والمركب ليس هذا المعنى أيضاً، بل هو مجموع الصورة والمادة، فإن هذا هو ما هو المركب، والماهية هذا التركيب. فالصورة أحد ما يضاف إليه التركيب، والماهية هي نفس هذا التركيب الجامع للصورة والمادة، والوحدة الحادثة منهما لهذا الواحد. فللجنس بما هو جنس ماهية. وللنوع بما هو نوع ماهية، وللمفرد الجزئي أيضاً بما هو مفرد جزئي ماهية مما يتقوم به من الأعراض اللازمة. فكأن الماهية إذا قيلت على التي في الجنس والنوع وعلى التي للمفرد الشخصي كان باشتراك الاسم. وليست هذه الماهية مفارقة لما هو بها ما هو، وإلا لم تكن ماهية. لكنه لا حد للمفرد بوجه من الوجوه، وإن كان للمركب حد ما، وذلك لأن الحد مؤلف من أسماء ناعتة لا محالة ليس فيها إشارة إلى شيء معين، ولو كانت إشارة لكانت تسمية فقط، أو دلالة أخرى بحركة وإشارة وما أشبه ذلك، وليس فيها تعريف المجهول بالنعت. وإذا كان كل اسم يحصر في حد المفرد يدل على نعت، والنعت يحتمل الوقوع على عدة، والتأليف لا يخرجها من هذا الاحتمال، فإنه إذا كان "أ" معنى كلياً وأضيف إليه "ب" - وهو معنى كلي - جاز أن يكون فيه تخصيص ما. ولكن إذا كان تخصيص كلي بكلي يبقى بعده الشيء الذي هو "أ" و"ب" كلياً يجوز أن يقع فيه شركة. ومثال ذلك: "هذه سقراط"، إن حددته فقلت: إنه الفيلسوف، ففيه شركة؛ وإن قلت: الفيلسوف الدين، ففيه شركة؛ فإن قلت: الفيلسوف الدين المقتول ظلماً، ففيه أيضاً شركة؛ فإن قلت: ابن فلان، كان فيه احتمال شركة أيضاً، وكان فلان شخصاً تعريفه كتعريفه، فإن عرف ذلك الشخص بالإشارة أو باللقب عاد الأمر إلأى الإشارة واللقب، وبطل أن يكون بالتحديد. وإن زيد فقيل: هو الذي قتل في مدينة كذا يوم كذا، فهذا الوصف أيضاً مع تشخصه بالحيلة كلي يجوز أن يقال على كثيرين إلا أن يستند إلى شخص. فإن كان المسند إليه شخصاً من جملة أشخاص نوع من الأنواع لم يكن السبيل إليه إلا بالمشاهدة ولم يجد العقل عليه وقوفاً إلا بالحس، فإن كان المسند إليه من الأشخاص - التي كل
الصفحة : 124
شخص منها مستوف لحقيقة النوع - فلا شخص نظيراً له، وكان قد عقل العقل ذلك النوع بشخصه. فإذا جعل الرسم مسنداً إليه كان للعقل وقوف عليه ولم يخف العقل تغير الحال لجواز فساد ذلك الشيء، إذ مثل هذا الشيء لا يفسد. ولكن المرسوم لا يوثق بوجوده ودوام قول الرسم عليه، وربما عرف العقل مدة بقائه، فلم يكن هذا أيضاً حداً حقيقياً. فبين أنه لا حد حقيقي للمفرد، إنما يعرف بلقب أو إشارة أو نسبة إلى معروف بلقب أو إشارة. وكل حد فإنه تصور عقلي صادق أن يحمل على المحدود، والجزئي فاسد إذا فسد لم يكن محدوداً بحده. فيكون حمل الحد عليه مدة ما صادقاً وفي غيرها كاذباً، فيكون حمل الحد عليه بالظن دائماً، أو يكون هناك غير التحديد بالعقل زيادة إشارة ومشاهدة، فيصير بتلك الإشارة محدوداً بحده، وإذا لم يكن ذلك يكون مظنوناً به أن له حده. وأما المحدود بالحقيقة فيكون حده له يقيناً. فمن شاء أن يحد الفاسدات فقد تعرض لإبقائها، ويركب شططاً.
الفصل التاسع (ط)
فصل في مناسبة الحد وأجزائه
ونقول: إنه كثيراً ما يكون في الحدود أجزاء هي أجزاء المحدود. وليس إذا قلنا: إن الجنس والفصل لا يتقومان جزئين للنوع في الوجود، نكون كأنا قلنا: إنه لا يكون للنوع أجزاء. فإن النوع قد يكون له أجزاء، وذلك إذا كان من أحد صنفي الأشياء، أما في الأعراض فمن الكميات، وأما في الجواهر فمن المركبات. وظاهر الحال يومئ إلى أن أجزاء الحد أقدم من المحدود، لكنه قد يتفق أن يكون في بعض المواضع بالخلاف. فإنا إذا أردنا أن نحد قطعة الدائرة حددناها بالدائرة، وإذا أردنا أن نحد أصبع الإنسان حددناها بالإنسان، وإذا أردنا أن نحد الحادة وهي جزء من القائمة حددناها بالقائمة، ولا نحد البتة القائمة بالحادة ولا الدائرة بقطعتها ولا الإنسان بالأصبع. فيجب أن نعرف العلة في هذا. فنقول: إن هذه ليس شيء منها أجزاء النوع من جهة ماهيته وصورته؛ ثم إنه ليس من شروط الدائرة أن تكون فيها قطعة بالفعل تتألف عنها صورة الدائرة، كما من شرطها أن يكون لها محيط؛ ولا من شرط الإنسان - من حيث هو إنسان - أن يكون له أصبع بالفعل، ولا من شرط القائمة أن تكون هناك حادة هي جزء منها. فهذه كلها ليست أجزاء للشيء من حيث ماهيته بل من حيث مادته موضوعه. فإنما يعرض للقائمة أن تكون فيها حادة، وللدائرة أن تكون فيها قطعة لانفعال
الصفحة : 125
يعرض لمادتها، ليس ذلك مما يتعلق به استكمال مادتها بصورتها ولا استكمال صورتها في نفسها. واعلم أن السطح مادة عقلية لصورة الدائرة وبسببه يقع لها الإنقسام، ولو كان يتعلق بها استكمال مادتها لكان من اللازمات التي لا يخلو الشيء عنها، لا من المقومات كما مضى لك شرحه. وليس ما نحن فيه كذلك، بل يخلو الشيء منها. وما يجري مجرى الأصبع أيضاً فإنه ليس يحتاج الإنسان في أن يكون حيواناً ناطقاً إلى أصبع، بل هذا من الأجزاء التي لمادته ليحسن بها حال مادته. فما كان من الأجزاء إنما هو بسبب المادة، وليس تحتاج إليه الصورة، فليست هي من أجزاء الحد البتة. لكنها إذا كانت أجزاء المادة ولم تكن أجزاء للمادة مطلقاً، بل إنما تكون أجزاء لتلك المادة لأجل تلك الصورة، وجب أن تؤخذ في حدها تلك الصورة. وذلك النوع فيكون أيضاً مع المادة مثلما أن الأصبع ليس جزءاً مناسباً للجسم مطلقاً، بل للجسم الذي صار حيواناً أو إنساناً. وكذلك الحادة والقطعة ليس جزءاً للسطح الذي صار قائمة أو دائرة.فلذلك تؤخذ صورة هذه الكلات في حدود هذه الأجزاء. ثم تفترق هذه الأمثلة الثلاثة. فإن الإصبع في الإنسان جزء بالفعل، فإذا حد أو رسم الإنسان من حيث هو شخص كامل إنساني وجب أن يوجد الإصبع حينئذ في رسمه لأنه يكون له ذلك جزءاً ذاتياً في أن يكون شخصاً كامل الأعراض ولا يكون مقوماً لطبيعة نوعه. إذا قلنا مراراً: إن ما يتقوم ويتم به الشخص في شخصه هو غير ما تتقوم به طبيعة النوع. فهذا القسم من الجملة التي الجزء فيها جزء بالفعل، وأما ذانك الآخران فليس الجزء فيهما جزء بالفعل. ويشبه أن تكون الدائرة إذا قسمت بالفعل إلى قطع بطلت الوحدة لسطحها وبطل عنها أنها دائرة، إذ لا يكون المحيط خطاً واحداً بالفعل بل كثيراً، اللهم إلا أن تكون الأقسام بالوهم وبالفرض لا بالفعل وبالقطع. وكذلك حكم القائمة. ثم الدائرة والقائمة يختلفان في شيء وهو أن قطعة الدائرة لا تكون إلا من دائرة بالفعل. والحادة ليس من شرطها في الوجود أن تكون جزء زاوية أخرى، ولا أنها هي حادة بالقياس إلى المنفرجة والقائمة، بل هي في نفسها حادة بسبب وضع أحد ضلعيها عند الآخر. ولكنها من جهة أن ذلك الوضع من حيث هو وضع وقعت فيه الإضافة، لأن الميل والقرب بين الخطوط بعضها إلى بعض أو البعد فيما بينها مما تتعلق به إضافة ما عرض أن يتعلق البيان للمادة بالإضافة، وإن لم يدل على هذه الإضافة بالفعل لصعوبتها فقد دل عليها بالقوة في إدخال إضافة بالفعل. ثم لما كانت الزاوية السطحية إنما تحدث عن قيام خط على خط، وكان الميل الذي يحدث هو ميل عن اعتدال ما وجهة ما، لأنا لو أخذنا قرب أحد الخطين من الآخر مطلقاً وأخذنا ميله إليه مطلقاً من غير تعيين الميل
الصفحة : 126
عنه لم يكن إلا ميل مطلق يوجد ذلك للحادة وللقائمة والمنفرجة. فإن خطوطها أيضاً فيها ميل لبعضها إلى بعض، فإنك إذا اعتبرت اتصال خطين على الإستقامة لوجدت المنفرجة وفيها ميل لأحد الخطين إلى الآخر. لكن هذا الميل هو ميل مطلق يقتضيه انفراج خطي كل زاوية، فيجب ضرورة أن يكون هذا الميل حدوداً عن شيء. ولما كان ذلك الشيء يجب أن يكون بُعداً خطياً، ولم يمكن أن تتوهم خطوط يميل عنها هذا الخط إلا الخط المتصل على الإستقامة بالخط الثاني، والذي يفعل زاوية منفرجة أو الذي يفعل زاوية قائمة أو الذي يفعل زاوية حادة. فأما الخط الغير متصل بهذا الخ فإنه لا يحدد به شيء، وكان اعتبار الميل من الخط المستقيم مطلقاً غير صحيح في هذا الباب، وإلا المنفرجة والقائمة أيضا حادة. وكذلك اعتبار الميل عن الخط الفاعل للمنفرجة، لأن الميل عن الانفراج قد يحفظ الانفراج، إذ تكون منفرجة أصغر من منفرجة. وكذلك حكم الحادة هذه مع أن الحادة لا يمكن أن تعرّف بالحادة فيكون تعريف مجهول بمجهول. فبقي ضرورة أن يكون تعريفها بالقائمة، التي ليس يبقى قوامها مع الميل عنها محفوظاً. فكأنه يقول: إن الحادة هي التي عن خطين قام أحدهما على الآخر، ومال أقرب من خط قائمة لو قامت حتى هي أصغر من القائمة لو كانت. وليس نعني بها أنها بالفعل موجودة مقيسة بقائمة تزيد عليها فحينئذ يكون الحد كاذباً، ولكن بقائمة بهذه الصفة. والقائمة بهذه الصفة من حيث هي بالقوة الموجودة بالفعل قوة هي قائمة بالقوة، فإن القوة من حيث هي قوة وجودٌ بالفعل. وربما كانت القوة أيضاً موجودة بالقوة وهي القوة البعيدة من الفعل، ثم يصير بالفعل قوة قريبة. فإن القوة القريبة على تكوّن الإنسان في الغذاء تكون بالقوة، ثم إذا صار ميّتاً صارت تلك القوة القريبة موجودة بالفعل، وإنما يكون فعلها غير موجود. فإذن الحادة تحد بالقائمة لا بالفعل مطلقاً، بل القوة. فلا تحد بنظير لها ولا أيضاً بما ليس له حصول. فإن المحدود به قائم بالقوة، وذلك له من حيث هو كذلك حصول بالفعل، وبالحري إن عرّفت الحادة والمنفرجة بالقائمة فان القائمة تتحقق من المساواة والمماثلة والوحدانية، وتانك تتحققان من الخروج عن المساواة. وأما القائمة فتتحقق بذاتها. ولقد كان يمكن أن يقال: إن الحادة أصغر زاويتين مختلفتين تحدثان من قيام خط على خط، والمنفرجة أعظمهما، وكان حينئذ إذا حقق فقد أشير إلى القائمة، لأن الأكبر هو الذي يكون مثلاً وزيادة، والأصغر هو الذي ينقص عن المثل. فبالمثل تتحقق معرفة الصغر والكبر، وبالواحد المتشابه يتحقق المتكثر الغير المتشابه المختلف. فهكذا يجب أن يتصور الحال في أجزاء المحدودات، ثم يجب أن يتذكر ماقلناه قبل أيضاً في حال أجزاء المادة وعلائقها.
الصفحة : 127
المقالة السادسة
وفيها خمسة فصول
الفصل الأول (أ)
فصل في أقسام العلل وأحوالها
قد تكلمنا في أمر الجوهر والأعراض، وفي اعتبار التقدم والتأخر فيها، وفي معرفة مطابقة الحدود للمحدودات الكلية والجزئية. فبالحري أن نتكلم الآن في العلة والمعلول، فإنهما أيضاً من اللواحق التي تلحق الموجود بما هو موجود. والعلل كما سمعت، صورة وعنصر وفاعل وغاية. فنقول: إنا نعني بالعلة الصورية، العلة التي هي جزء من قوام الشيء، يكون الشيء بها هو ما هو بالفعل؛ وبالعنصرية العلة التي هي جزء من قوام الشيء، يكون بها الشيء هو ما هو بالقوة، وتستقر فيها قوة وجوده؛ وبالفاعل، العلة التي تفيد وجوداً مبايناً لذاتها، أي لا تكون ذاتها بالقصد الأول محلاً لما يستفيد منها وجود شيء يتصور بها، حتى يكون في ذاتها قوة وجوده إلا بالعرض، ومع ذلك فيجب ألا يكون ذلك الوجود من أجله من جهة ما هو فاعل، بل إن كان ولا بد فباعتبار آخر، وذلك لأن الفلاسفة الإلهيين ليسوا يعنون بالفاعل مبدأ التحريك فقط، كما يعنيه الطبيعيون، بل مبدأ الوجود ومفيده، مثل الباري للعالم؛ وأما العلة الفاعلية الطبيعية فلا تفيد وجوداً غير التحريك بأحد أنحاء التحريكات؛ فيكون مفيد الوجود في الطبيعيات مبدأ حركة؛ ونعني بالغاية، العلة التي لأجلها يحصل وجود شيء مباين لها. وقد يظهر أنه لا علة خارجة عن هذه، فنقول: إن السبب للشيء لا يخلو إما أن يكون داخلاً في قوامه وجزءاً من وجوده، أو لا يكون. فإن كان داخلاً في قوامه وجزءاً من وجوده فإما أن يكون الجزء الذي ليس يجب من وجوده وحده له أن يكون بالفعل، بل أن يكون بالقوة فقط، ويسمى الهيولي؛ أو يكون الجزء الذي وجوده هو صيرورته بالفعل، وهو الصورة. وأما إن لم يكن جزءاً من وجوده فإما أن يكون ما هو لأجله، أو لا يكون. فإن كان ما هو لأجله، فهو الغاية؛ وإن لم يكن ما هو لأجله، فلا يخلو إما أن يكون وجوده منه بألا يكون هو فيه إلا بالعرض، وهو فاعله، أو يكون وجوده منه بأن يكون هو فيه، وهو أيضاً عنصره أو موضوعه.
الصفحة : 128
فتكون المبادئ إذن كلها من جهة خمسة، ومن جهة أربعة. لأنك إن أخذت العنصر الذي هو قابل، وليس جزءاً من الشيء، غير العنصر الذي هو جزء، كانت خمسة. وإن أخذت كليهما شيئاً واحداً، لاشتراكهما في معنى القوة والاستعداد، كانت أربعة. ويجب أن لا تأخذ العنصر بمعنى القابل الذي هو جزء، مبدأ للصورة بل للمركب. إنما القابل يكون مبدأ بالعرض، لأنه إنما يتقوم أولاً بالصورة وبالفعل، وذاته باعتبار ذاته فقط تكون بالقوة، والشيء الذي هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، لا يكون مبدأ البتة. ولكنه إنما يكون مبدأ بالعرض، فإن العرض يحتاج إلى أن يكون قد حصل الموضوع له بالفعل، ثم صار سبباً لقوامه، سواء كان العرض لازماً فتكون الأولية بالذات، أو زائلاً فتكون الأولية بالذات والزمان. فهذه هي أنواع العلل. وإذا كان الموضوع علة لعرض يقيمه، فليس ذلك على النوع الذي يكون فيه الموضوع علة للمركب، بل هو نوع آخر. وإذا كانت الصورة علة للمادة تقيمها، فليست على الجهة التي تكون الصورة علة للمركب، وإن كانا يتفقان من جهة أن كل واحد منهما علة لشيء لا تباينه ذاته. فإنهما وإن اتفقا في ذلك، فإن أحد الوجهين ليس تفيد العلة للآخر وجوده، بل إنما يفيد الوجود شيء آخر ولكن فيه؛ والثاني يكون العلة فيه هو المبدأ القريب لإفادة المعلول وجوده بالفعل، ولكن ليس وحده، وإنما يكون مع شريك وسبب يوجد هذه العلة، أعني الصورة فتقيم الآخر به، فتكون واسطة مع شريك في إفادة ذلك وجوده بالفعل وتكون الصورة للمادة كأنها مبدأ فاعلي لو كان وجودها بالفعل يكون عنه وحده، ويشبه أن تكون الصورة جزءاً للعلة الفاعلية، مثل أحد محركي السفينة على ما سيتضح بعد. وإنما الصورة، علة صورية للمركب منها ومن المادة، فالصورة إنما هي صورة للمادة ولكن ليست علة صورية للمادة. والفاعل يفيد شيئاً آخر وجوداً ليس للآخر عن ذاته، يكون صدور ذلك الوجود عن هذا الذي هو فاعل، من حيث لا تكون ذات هذا الفاعل قابلة لصورة ذلك الوجود، ولا مقارنة له مقارنة داخلة فيه، بل يكون كل واحد من الذاتين خارجاً عن الآخر، ولا يكون في أحدهما قوة أن يقبل الآخر. وليس يبعد أن يكون الفاعل يوجد المفعول حيث هو، وملاقياً ذاته؛ فإن الطبيعة التي في الخشب هي مبدأ فاعل للحركة، وإنما تحدث الحركة في المادة التي الطبيعة فيها وحيث ذاته، ولكن ليس مقارنتهما على سبيل أن أحدهما جزء من وجود الآخر أو مادة له، بل الذاتان متباينتان في الحقائق، ولهما محل مشترك، فمن الفاعل ما يتفق وقتاً أن لا يكون فاعلاً، ولا مفعوله مفعولاً، بل يكون مفعوله معدوماً، ثم يعرض الفاعل الأسباب التي يصير بها فاعلاً بالفعل.
الصفحة : 129
وقد تكلمنا في هذا فيما سلف، فحينئذ يصير فاعلاً، فيكون عنه وجود الشيء بعد ما لم يكن، فيكون لذلك الشيء وجود، ولذلك الشيء أنه لم يكن، وليس له من الفاعل أنه لم يكن، ولا أنه كان بعد ما لم يكن، إنما له من الفاعل وجوده. وإذن فإن كان له من ذاته اللا وجود، لزم أن صار وجوده بعد ما لم يكن، فصار كائناً بعد ما لم يكن. فالذي له بالذات من الفاعل الوجود، وأن الوجود الذي له، إنما هو لأن الشيء الآخر على جملة يجب عنها أن يكون لغيره وجود عن وجوده الذي له بالذات. وأما أنه لم يكن موجوداً فليس عن علة فعلته، فإن كونه غير موجود قد ينسب إلى علة ما، وهو عدم علته، فأما كون وجوده بعد العدم فأمر لم يصر لعلة، فإنه لا يمكن البتة أن يكون وجوده إلا بعد عدم. وما لا يمكن فلا علة له، نعم وجوده يمكن أن يكون، وأن لا يكون، فلوجود علة، وعدمه قد يكون وقد لا يكون، فيجوز أن يكون لعدمه علة، وأما كون وجوده بعد ما لم يكن فلا علة له. فإن قال قائل: كذلك وجوده بعد عدمه، يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون، فنقول: إن عنيت وجوده من حيث هو وجوده، فلا مدخل للعدم فيه؛ فإ نفس وجوده يكون غير ضروري، أي ممكن، وليس هو غير ضروري من حيث هو بعد عدم، ولكن الغير الضروري، وجوده هذا الذي اتفق الآن، وقد كان معدوماً. وأما من حيث أخذ وجوده وجوداً بعد عدم، فليحفظ كونه بعد عدم، لا كونه موجوداً فقط، الذي كان بعد عدم، واتفق بعد عدم، وذلك لا سبب له، فلا سبب لكون وجوده بعد العدم، وإن كان سبباً لوجود الذي كان بعد عدم من حيث وجوده. فحق أن وجوده جائز أن يكون وأن لا يكون بعد العدم الحاصل، وليس بحق أن يكون وجوده بعد العدم من حيث هو وجود بعد العدم جائز أن يكون وجوداً بعد العدم وأن لا يكون بعد العدم، اللهم إلا أن لا يكون وجوداً أصلاً فيكون الاعتبار للوجود. وربما ظن ظان أن الفاعل والعلة إنما يحتاج إليه ليكون للشيء وجود بعد ما لم يكن، وإذا وجد الشيء، فلو فقدت العلة، لوجد الشيء مستغنياً بنفسه، فظن من ظن أن الشيء إنما يحتاج إلى على في حدوثه، فإذا حدث ووجد فقد استغنى عن العلة، فتكون عنده العلل علل الحدوث فقط وهي متقدمة لا معاً، وهو ظن باطل لأن الوجود بعد الحدوث لا يخلو إما أن يكون وجوداً واجباً أو وجوداً غير واجب؛ فإن كان وجوداً واجباً، فإما أن يكون وجوبه لتلك الماهية لذات تلك الماهية حتى تقتضي تلك الماهية وجوب الوجود فيستحيل حينئذ أن تكون حادثة، وإما أن يجب لها بشرط، وذلك الشرط إما الحدوث، وإما صفة من صفات تلك الماهية، وإما شيء مباين، ولا يجوز أن يكون وجوب وجوده بالحدوث؛ فإن الحدوث
الصفحة : 130
نفسه ليس وجوده واجباً بذاته، فكيف يجب به وجود غيره. والحدوث قد بطل فكيف يكون عند عدمه علة لوجوب غيره، إلا أن يقال إن العلة ليست هي الحدوث، بل يكون الشيء قد حصل له الحدوث، فيكون هذا من الصفات التي للشيء الحادث فيدخل في الجملة الثانية من القسمين. فنقول: إن هذه الصفات لا تخلو إما أن تكون للماهية بماهي ماهية، لا بما هي قد وجدت، فيجب أن يكون ما قد يلزمها يلزم الماهية، فتكون الماهية يلزمها وجوب الوجود؛ أو تكون هذه الصفات حادثة مع الوجود؛ فيكون الكلام في وجوب وجودها كالكلام في الأول، فإما أن يكون هناك صفات بلا نهاية كلها بهذه الصفة، فتكون كلها ممكنة الوجود، غير واجبة بذاتها، وإما أن تنتهي إلى صفة تجب بشيء خارج. والقسم الأول يجعل الصفات كلها ممكنة الوجود في أنفسها، وقد بان أن الممكن الوجود في نفسه، موود بغيره، فتكون جميع الصفات تجب بغير خارج عنها. والقسم الثاني يوجب أن الوجود الحادث إنما يبقى وجوداً بسبب من خارج وهو العلة. على أنك قد علمت أن الحدوث ليس معناه إلا وجوداً بعد ما لم يكن، فهناك وجود، وهناك كون بعد ما لم يكن، وليس للعلة المحدثة تأثير وغناء في أنه لم يكن، بل إنما تأثيرها وغناؤها في أن منه الوجود.ث عرض أن كان ذلك، في ذلك الوقت، بعد ما لم يكن، والعارض الذي عرض بالاتفاق لا دخول له في تقوم الشيء، فلا دخول للعدم المتقدم في أن يكون للوجود الحادث علة، بل ذلك النوع من الوجود بما هو لذلك النوع من الماهيات مستحق لأن يكون له علة وإن استمر وبقي. ولهذا لا يمكنك أن تقول: إن شيئاً جعل وجود الشيء بحيث يكون بعد أن لم يكن، فهذا غير مقدور عليه، بل بعض ما هو موجود واجب ضرورة أن لا يكون بعد عدم، وبعضه واجب ضرورة أن يكون بعد عدم. فأما الوجود، من حيث هو وجود هذه الماهية، فيجوز أن يكون عن علة؛ وأما صفة هذا الوجود، وهي أنه بعد ما لم يكن، فلا يجوز أن تكون عن علة؛ فالشيء من حيث وجوده حادث، أي من حيث أن الوجود الذي له موصوف بأنه بعد العدم لا لعة له بالحقيقة، بل العلة له من حيث للماهية وجود، فالأمر بعكس ما يظنون بل العلة للوجود فقط، فإن اتفق أن سبقه عدم كان حادثاً، وإن لم يتفق كان غير حادث. والفاعل، الذي تسميته العامة فاعلاً، فليس هو بالحقيقة علة من حيث يجعلونه فاعلاً، فإنهم يجعلونه فاعلاً من حيث يجب أن يعتبر فيه أنه لم يكن فاعلاً، فلا يكون فاعلاً من حيث هو علة، بل من حيث هو علة وأمر لازم معه، فإنه يكون فاعلاً من حيث اعتبار ما له فيه أثر مقروناً باعتبار ما ليس له فيه أثر، كأنه إذا اعتبرت العلة من حيث ما يستفاد منها مقارناً لما لا يستفاد منها سمي فاعلاً. فلذلك كل
الصفحة : 131
شيء يسمونه فاعلاً يكون من شرطه أن يكون بالضرورة وقد كان مرة غير فاعل، ثم أراد أو قسر، أو عرض حال من الأحوال لم يكن، فلما قارنه ذلك المقارن كان ذاته مع ذلك المقارن علة بالفعل، وقد كان خلا عن ذلك، فيكون فاعلاً عندهم من حيث هو علة بالفعل بعد كونه علة بالقوة، لا من حيث هو علة بالفعل فقط. فيكون كل ما يسمونه فاعلاً يلزم أن يكون أيضاً ما يسمونه منفعلاً، فإنهم لا يخلونه عن مقارنة ما يقارنه من حال حادثة لأجلها ما صدر عنه وجوده ما لم يكن.فإذا ظهر أن وجود الماهية يتعلق بالغير من حيث هو وجود لتلك الماهية لا من حيث هو بعد ما لم يكن، فذلك الوجود من هذه الجهة معلول ما دام موجوداً. كذلك كان معلولاً متعلقاً بالغير، فقد بان أن المعلول يحتاج إلى مفيده الوجود لنفس الوجود بالذات، لكن الحدوث وما سوى ذلك أمور تعرض له، وأن المعلول يحتاج إلى مفيده الوجود دائماً سرمداً ما دام موجوداً.
الفصل الثاني (ب)
فصل كل علة هي مع معلولها في حل ما يتشكك به على ما يذهب إليه أهل الحق من أن كل علة هي مع معلولها، وتحقيق الكلام في العلة الفاعلية والذي يظن من أن الابن يبقى مع الأب، والبناء يبقى بعد البنّاء، والسخونة تبقى بعد النار، فالسبب فيه تخليط واقع من جهة جهل العلة بالحقيقة، فإن البنّاء والأب والنار ليست عللاً بالحقيقة لقوام هذه المعلولات، فإن الباني العامل له المذكور، ليس علة لقوام البناء المذكور، ولا أيضاً وجوده. أما البنّاء فحركته علة لحركة ما، ثم سكونه وتركه الحركة أو عدم حركته ونقله بعد ذلك النقل علة لانتهاء تلك الحركة، وذلك النقل بعينه وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع ما، وذلك الاجتماع علة لتشكل ما، وكل واحد مما هو علة فهو ومعلوله معاً. وأما الأب فهو علة لحركة المني، وحركة المني إذا انتهت على الجهة المذكورة علة لحصول المني في القرار، ثم حصوله في القرار علة لأمر؛ وأما تصويره حيواناً وبقاؤه حيواناً فله علة أخرى؛ فإذا كان كذلك كان كل علة مع معلولها. وكذلك النار على لتسخين عنصر الماء، والتسخين علة لإبطال استعداد الماء بالفعل لقبول صورة المائية
الصفحة : 132
أو حفضها، وذلك أن شيئاً آخر علة لإحداث الاستعداد التام في مثل هذه الحال لقبول ضدها وهي الصورة النارية، وعلة الصورة النارية هي العلل التي تكسو العناصر صورها وهي مفارقة. فتكون العلل الحقيقية موجودة مع المعلول؛ وأما المتقدمات فهي علل، إما بالعرض وإما معينات. فلهذا يجب أن يعتقد أن علة شكل البناء هو الاجتماع، وعلة ذلك طبائع المجتمعات وثباتها على ما ألفت، وعلة ذلك السبب المفارق الفاعل للطبائع. وعلة الولد اجتماع صورته مع مادته بالسبب المفيد للصور. وعلة النار السبب المفيد للصور وزوال الاستعداد التام لضد تلك الصور معاً. فنجد إذن أن العلل مع المعلولات. وإذا قضينا بما يتصل به كلامنا بأن العلل متناهية، فإنما نشير إلى هذه العلل ولا نمنع أن تكون عللاً معينة ومُعدة بلا نهاية، بعضها قبل بعض، بل ذلك واجب ضرورة، لأن كل حادث فقد وجب بعد ما لم يجب لوجوب علته حينئذ كما بينا، وعلته ما كان أيضاً وجب. فوجب في المور الجزئية، أن تكون الأمور المتقدمة التي بها تجب في العلل الموجودة بالفعل، أن تصير عللاً لها بالفعل أموراً بلا نهاية، ولذلك لا يقف فيها سؤال لِمَ البتة. ولكن الإشكال ههنا في شيء، وهو أن هذه التي بلا نهاية لا يخلو إما أن يوجد كل واحد منها آناً فتتوالى آنات متشافعة ليس بينها زمان وهذا محال؛ وإما أن يبقى زماناً فيجب أن يكون إيجابها في كل ذلك الزمان لا في طرف منه، ويكون المعنى الموجب لإيجابها ايضاً معها في ذلك الزمان، ويكون الكلام في إيجاب إيجابها كالكلام فيه، وتحصل علل بلا نهاية معاً. وهذه هو الذي نحن في منعه فنقول: إنه لولا الحركة لوجب هذا الإشكال، إلا أن الحركة تبقي الشيء الواحد لا على حالة واحدة فلا يكون ما يتجدد من حالة بعد حالة في آن بعد آن يشافعه ويماسه، بل كذلك على الاتصال، فتكون ذات العلة غير موجبة لوجود المعلول بل لكونها على نسبة ما، وتلك النسبة تكون علتها الحركة أو شريكة علتها أو التي بها العلة علة بالفعل الحركة، فتكون حينئذ العلة لا ثابتة الوجود على حالة واحدة ولا باطلة الوجود حادثة في آن واحد، فباضطرار إذن تكون العلة الحافظة أو المشاركة لنظام هذه العلل التي بسببها تنحل الإشكالات هو الحركة، وسنوضح ذلك في موضعه إيضاحاً أشفى من هذا. فقد بان ووضح أن العلل الذاتية للشيء التي بها وجود ذات الشيء بالفعل يجب أن تكون معه لامتقدمة في الوجود تقدماً يكون زواله مع الحدوث المعلول، وأن هذا إنما يجوز في علل غير ذاتية أو غير قريبة، والعلل غير الذاتية أو الغير القريبة لا يمنع ذهابها إلى غير النهاية بل يوجبه.
الصفحة : 133
وإذ قد تقرر هذا، فإذا كان شيء من الأشياء لذاته سبباً لوجود شيء آخر دائماً كان سبباً له دائماً ما دامت ذاته موجودة. فإن كان دائم الوجود كان معلوله دائم الوجود، فيكون ميل هذا من العلل أولى بالعلية لأنه يمنع مطلق العدم للشيء فهو الذي يعطي الوجود التام للشيء. فهذا هو المعنى الذي يسمى إبداعاً عند الحكماء وهو تأييس الشيء بعد ليس مطلق، فإن للمعلول في نفسه أن يكون "ليس" ويكون له عن علته أن يكون "أيس". والذي يكون للشيء في نفسه أقدم عند الذهن بالذات لا في الزمان، من الذي يكون عن غيره، فيكون كل معلول "أيساً" بعد "ليس" بعدية بالذات. فإن أطلق اسم المحدث على كل ما له "أيس" بعد "ليس" وإن لم تكن بعدية بالزمان كان كل معلول محدثاً، وإن لم يطلق، بل كان شرط المحدث أن يوجد زمان ووقت كان قبله فبطل لمجيئه بعده، فتكون بعديته بعدية لا تكون مع القبلية موجودة، بل تكون ممايزة لها في الوجود لأنها زمانية. فلا يكون كل معلول محدثاً، بل المعلول الذي سبق وجوده زمان سبق وجوده لا محالة حركة وتغير كما علمت، ونحن لا نناقش في الاسماء. ثم المحدث بالمعنى الذي لا يستوجب الزمان لا يخلو إما أن يكون وجوده بعد "ليس" مطلق، أو يكون وجوده بعد "ليس" غير مطلق بل بعد عدم مقابل خاص في مادة موجودة على ما عرفته. فإن كان وجود بعد "ليس" مطلق كان صدوره عن العلة، ذلك الصدور إبداعاً، ويكون أفضل أنحاء إعطاء الوجود، لأن العدم يكون قد منع البتة، وسُلّط عليه الوجود، ولو أمكن العدم تمكيناً فسبق الوجود كان تكوينه ممتنعاً إلا عن مادة، وكان سلطان الإيجاد، أعني وجود الشيء من الشيء ضعيفاً قصيراً مستأنفاً. ومن الناس من لا يجعل كل ما هذا بصفته مبدعاً، بل يقول، إذا توهمنا شيئاً وجد عن علة أولى بتوسط علة وسطى فاعلية، وإن لم يكن عن مادة، ولا كان لعدمه سلطان، ولكن كان وجوده عن العلة الأولى الحقيقية بعد وجود آخر انساق إليه، فليس تأييسه عن "ليس" مطلقاً، بل عن "أيس" وإن لم يكن مادياً. ومن الناس من يجعل الإبداع لكل وجود صوري كيف كان، وأما المادي، وإن لم تكن المادة سبقت فيخص نسبته إلى العلة باسم التكوين. ونحن لا نناقش في هذه الاسماء البتة بعد أن تحصل المعاني متميزة، فنجد بعضها له وجود عن علة دوماً بلا مادة، وبعضها بمادة، وبعضها بواسطة، وبعضها بغير واسطة، ويحسن أن يسمى كل ما لم يوجد عن مادة سابقة غير متكون بل مبدعاً، وأن نجعل أفضل ما يسمى مبدعاً ما لم يكن بواسطة عن علته الأولى مادية كانت أو فاعلية أو غير ذلك.
الصفحة : 134
ونرجع إلى ما كنا فيه فنقول: أما الفاعل الذي يعرض له أن يكون فاعلاً فلا بد له من مادة يفعل بها، لأن كل حادث، كما علمت، يحتاج إلى مادة فربما فعل دفعة، وربما فعل بالتحريك فيكون مبدأ الحركة؛ وإذا قال الطبيعيون للفاعل، مبدأ الحركة، عنوا به الحركات الأربع، وتساهلوا في هذا الموضع فجعلوا الكون والفساد حركة. وقد يكون الفاعل بذاته فاعلاً، وقد يكون بقوة؛ فالذي بذاته، فمثل الحرارة لو كانت موجودة مجردة تفعل، فكان يصدر عنها ما يصدر لأنها حرارة فقط؛ وأما الفاعل بقوة، فمثل النار بحرارتها وقد عددنا في موضع آخر أصناف القوى.
|
 |
|
المفضلات