لقد وضع باحثو البارابسيكولوجيا، على سبيل المثال، العديدَ من النظريات التي تهدف إلى تفسير ظواهر مثل الأماكن المسكونة haunted places وتحضير الأرواح والأطياف apparitions or ghosts والأرواح الصاخبة على أساس يتم النظرُ بموجبه إلى هذه الظواهر على أنها ليست سوى تجلِّيات لطاقات بشرية، وأن لا مبرِّر هنالك لافتراضٍ مؤدَّاه أن هذه الظواهر تشير فعلاً إلى وجود مخلوقات عاقلة غير بشرية. فوفقًا لأكثر هذه النظريات شيوعًا – وهي نظرية "بسي الفائقة" super psi – فإن كلَّ ما يحدث في ظواهر البيوت المسكونة والأرواح الضوضائية وتحضير الأرواح، من أصوات وتحريك أشياء وغيرها، هو نتيجة تأثيرات خارقة غير واعية لأحد الأشخاص من حضور المكان. وعلى الرغم من هشاشة البناء النظري لهذه النظريات، وافتقارها إلى البرهان التجريبي، فإن لهذه النظريات شعبيةً كبيرة في مجتمع باحثي البارابسيكولوجيا. وفي الحقيقة، فإن دراسة الاتجاه التفسيري السائد في البحوث البارابسيكولوجية لا بدَّ أن يترك في الشخص الانطباع أن الهدف الوحيد للبارابسيكولوجيا، سواء صرَّحتْ به أم لم تصرِّحْ، هو البرهنة على أن الإنسان هو مصدر الطاقة الوحيد للظواهر الخارقة وأن الظاهرة الخارقة تبدأ في الإنسان وتنتهي فيه.
من الحقائق البديهية التي يعرفها كلُّ من لديه بعض الاطِّلاع، مهما كان محدودًا، على المجتمعات العربية والإسلامية هو أن هذه المجتمعات تزخر بمختلف أنواع الظواهر الخارقة التي هي نتاج لطبيعة الانتماء الديني لهذه المجتمعات. وهذه الحقيقة لا يتطلب التحقق منها الرجوعُ إلى كتب التاريخ لدراسة ما سَبَقَ حدوثُه من مختلف أنواع الظواهر الخارقة (على الرغم من أن هذا أمر ممكن طبعًا، حيث سجَّلتْ كتبُ التاريخ الكثير من مثل هذه الظواهر)، وإنما يمكن التحقُّق من ذلك تحققًا مباشرًا، وذلك لأن مثل هذه الظواهر لم تختفِ يومًا ولم يتوقَّف حدوثها. والظواهر الخارقة المنتشرة في البلدان العربية والإسلامية تتضمن الظواهر التلقائية وتلك المُسيطَر على حدوثها.
والظواهر التلقائية هي تلك الظواهر التي تحدث دون أن يكون في الإمكان التحكُّم في وقت و/أو زمان حدوثها. ويتركَّز وقوع هذه الحوادث، على وجه الخصوص، في مقامات الصالحين. وأكثر أنواع الظواهر التلقائية انتشارًا التي تحدث لبعض الناس في أثناء زيارتهم مثل هذه الأماكن الدينية، أو نتيجة تلك الزيارة، هي حالات خَرْقٍ للقوانين الطبية، وذلك على شكل شفاء آني من أمراض مستعصية. وقد تكون الحادثةُ شفاءً من مرض عضال، كالسرطان، أو حتى من حالات مرضية ولادية، كالعمى. إن في كلِّ بلد من البلدان العربية والإسلامية العديدَ من مثل هذه الأماكن التي تُعرَفُ بأنها ذات بَرَكَة خاصة، كما تشهد بذلك الخوارق (الكرامات) التي تحدث فيها.
إن دراسة الظواهر الخارقة التلقائية ليست بالأمر الهيِّن على الإطلاق، وذلك لأنها ظواهر لا يمكن للباحث التحكُّم في وقت حدوثها ومكانه. غير أن هذا لا يعني "استحالة" دراسة هذه الظواهر، وإنما يعني أنها تحتاج أسلوبًا مختلفًا في التعامل معها، وذلك لأن التحقق من حدوثها هو بالتأكيد أمرٌ أصعب من التحقق من حدوث الظواهر المُسيطَر عليها. لقد طوَّرتْ البارابسيكولوجيا الغربية فعلاً أساليب للبحث والتمحيص تُمكِّنها من دراسة الظواهر الخارقة التلقائية بكفاءة والتحقق مما إذا كانت الحادثة المعنيَّة هي فعلاً حادثة مما يمكن وصفُها بأنها "خارقة" أو مما إذا كان هذا الوصف لا ينطبق عليها.
ربما يجد بعضُهم في الصعوبات العملية المتضمَّنة في دراسة الظواهر الخارقة التلقائية تبريرًا مقبولاً لإهمال البارابسيكولوجيا الغربية مثل هذه الظواهر التي تحدث في البيئة العربية المؤمنة. إلا أن ما لا يمكن أن يوجد له تبريرٌ مقبول هو الإهمال التام لبارابسيكولوجيا الغرب للظواهر الخارقة المُسيطَر عليها التي في إمكان بعض الأفراد استعراضُها. والظاهرة التي سنبحثها هنا هي تلك المعروفة، وفقًا للمصطلحات الصوفية، بـ"الدرباشة" (ضرب الشيش)، التي في الإمكان أن يُعرَّف بها بأنها "ظواهر الشفاء الخارق للإضرار المتعمَّد إحداثه في الجسم" Super Healing of Deliberately Caused Bodily Damage.
في العديد من الكتب التي قام بوضعها كتَّابٌ عرب، وكذلك بعض الكتب التي قام بتأليفها باحثون أو رحَّالة مستشرقون أجانب، يرجع تاريخُ بعضها إلى عدة قرون، هنالك إشارات سريعة، وأحيانًا مفصَّلة، إلى فعاليات غريبة ذات مظاهر خارقة، يمارسُها مريدو بعض الطُّرُق الصوفية، أي الدراويش. ففي فعاليات الدرباشة (الشفاء الخارق للإضرار المتعمَّد إحداثه في الجسم) هذه، يقوم الدرويش بإحداث جروح عميقة في أجزاء معينة من جسمه، غير أنه لا يعاني أية من النتائج الخطيرة التي تنشأ عادة عن مثل هذه الإصابات (نزيف والتهاب وعطب في وظيفة الجزء المصاب من الجسم)، إضافة إلى عدم الشعور بالألم.
وكمثال يصف طبيعة هذه الظواهر، في الإمكان دراسة فعاليات إصلاح الضرر الجسمي المُتعمَّد إحداثه كما يمارسها دراويش الطريقة العليَّة القادرية الكَسْنَزانية، إحدى أكثر الطُّرُق الصوفية انتشارًا في الوطن العربي والعالم الإسلامي. ويمكن تقسيم هذه الفعاليات الخارقة إلى الأصناف الثلاثة التالية:
1. يقوم الدرويش بإدخال أدوات حادة، كالأسياخ والسيوف، في مناطق مختلفة من جسمه. ولا تخضع الأدوات المستعملة لأية عملية تعقيم مسبَّقة؛ كما يمكن للدرويش أحيانًا أن يلوِّث الأدواتِ التي يستخدمها تلويثًا متعمَّدًا قبل أن يطعن جسمَه بها. أما أجزاء الجسم التي تُستهدَف في هذه الفعاليات فتشمل الرقبة (صورة 1)، الخدَّين، اللسان، قاعدة الفم، الذراع، عضلات الصدر (صورة 2)، والبطن (صورة 3)، بمناطقها المختلفة. والأدوات التي تُستعمَل في هذه الفعاليات تكون عادة معدنية وذات أقطار مختلفة. غير أنه، عند استخدام أجزاء رقيقة من الجسم، كالخدَّين وقاعدة الفم، قد يستبدل الدرويشُ بالأداة المعدنية قضيبًا خشبيًّا (صورة 4)، حيث يمكن إدخال القضيب في تلك الأجزاء الرقيقة من الجسم باستخدام ضغط اليد ومن دون أن تنكسر. إن خطورة الجرح وشدة الألم المتوقَّعين من استخدام أداة خشبية هما أكبر مما يُتوقَّع من استخدام أداة معدنية ذات الأبعاد نفسها؛ إذ إن الأولى تكون عادة مصنوعة يدويًّا، غالبًا من قِبَل الدرويش نفسه؛ لذلك يكون سطحُها خشنًا نسبيًّا، وقطرُها غير منتظم، مما يجعلها تُمزِّق من نسيج الجسم الذي تخترقه أكثر مما تفعل الأداةُ المعدنية. أي أن الدرويش يستعمل مثل هذه الأدوات لأنها أخطر من الأدوات المعدنية التقليدية.
صورة 1: أحد مريدي الطريقة الكَسْنَزانية وقد أدخل سيخًا من خلال فمه مخترقًا رقبته ونافذًا منها.
صورة 2: إدخال سيخ في عضلات الصدر. (يمكن ملاحظة الندوب اللحمية في ناحية دخول السيخ وخروجه، بما يشير إلى كثرة ممارسة المريد لفعالية الدرباشة.)
صورة 3: إدخال سيخ في جانب البطن (تبلغ الفعالية أوج خطورتها حين يخترق السيخ الكبد). وعادة ما يقوم مريدٌ آخر بإدخال السيخ لأن الفعل يتطلب قوة؛ إلا أنه يمكن للمريد أن يُدخِل السيخ في بطنه بنفسه بإسناد مقبض السيخ إلى جدار، ومواجهة طرفه الحاد ببطنه، ثم ضغط بطنه على السيخ.
صورة 4: إدخال قضيب خشبي من خلال أسفل الفم. (يمكن ملاحظة سماكة قطر القضيب وعدم انتظامه.)






























المفضلات