النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 26-12-2016 الساعة : 02:24 PM رقم #1

    افتراضي عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة



    شاملى فضى


    • بيانات نبيل مصطفى
      رقم العضوية : 49
      عضو منذ : Jul 2008
      المشاركات : 344
      بمعدل : 0.05 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 22
      التقييم : Array



  2. عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة



    احمد دعدوش


    يتفق الحكماء والمشرّعون، المبدعون والمقلدون، اللادينيون والمؤمنون بالوحي، على أن الإنسان ناقص خطّاء بطبعه، وعلى عدم خلو أي مجتمع أو حراك أو تيار من أخطاء وعثرات وكبوات طالما كانت كلها من صنع البشر.

    المشكلة لم تعد في الخلاف بشأن كمية هذه الأخطاء، بل إن الجدل في نوعية الأخطاء أيضا لم يعد مجديا، إذ يبدو أن البوصلة التي يُفترض أن نحتكم إليها أصلا مفقودة من أيدي الكثيرين، حتى لم يعد ممكنا لدى كثير من شباب هذا الجيل تمييز الصواب من الخطأ، فضلا عن أن يدافعوا عن الحق ويحاربوا الباطل!
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويفتح عينيه من غفلته الطويلة ليجد نفسه وسط معمعة الثورة أو ميدان الحرب أو قطيع السجود بين أقدام الطاغية، فمن الطبيعي جدا أن يقدّم روحه للمظاهرات في الأولى، وأن يلقي بها أمام النيران في الثانية، وأن يفدي الطاغوت بروحه نفسها في الثالثة. فهو في الحالات كلها مازال يعيش وقع الصدمة الأولى، ولا يجد ما يدفعه للتفكير في صحة خياره، وإن نازعه عقله للتفكير فلن يجد الطريق لأنه فاقد أصلا للبوصلة.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، تنهار عنده معايير الأولويات وتتماهى المبادئ والقيم. فإذا وجد نفسه أمام مفترق طرق وسط معمعة الثورة، احتار بين الانحياز لحراك الاحتجاج أو لمهادنة الطغاة، ثم إذا اختار أحدهما مدعما خياره ببعض ما وصله من حجج خطابية وجدلية وقصص وشائعات احتار أمام منعرجات الطرق الفرعية وتشعباتها التي لا تحصى، فإن اختار الثورة اضطرب في اختيار الجهة الممثلة وطبيعة الفعل الثوري، وإن هادن الطاغية ضاع في متاهة مبررات القعود وحدود الولاء، وربما سقط في قرار الانصياع لأوامر الطاغوت وأصبح جزءا من المعركة ضد الأبرياء.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ينساق وراء دعاة الثورات إذا استنهضوه واستنفضوه، فإن رقصوا في الميادين رقص معهم، وإن أقاموا للصلاة استوى خاشعا في صفوفها، وإن رفعوا عرائض الاستجداء للغرب وقّع عليها، ثم إن عربدوا احتفالا بهرب الطاغية أعطى العربدة حقها. فإذا لم يجد بعد ذلك بوصلته، وجدته يتجول في سوق الأيديولوجيات والأحزاب كما يتسوق العجائز في سوق اللحوم والفواكه، فحيثما وجد مصلحته ساوم وفاوض وباع واشترى، وإن وجد لبضاعته شاريا أفضل أعاد البيع على بيع، وإن أغراه بائع ببضاعة أخرى سارع إلى الشراء. ثم إن قال له إعلام “الدولة العميقة” إن الإرهاب قد ضرب بأطنابه الأرض، وإن بضاعة المشايخ كسدت؛ لملم شتاته وأعطى صوته لخليفة الطاغوت، وعاد من الثورة والرقص والعربدة بخفّي حُنين، ثم نصب قدميه يصلي بكل خشوع.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، فمن غير المستبعد إذا قيل له إن الثورة على الطاغية ستنجح أن ينخرط فيها مضحيا بكل ما يملك، ثم إذا أخبره إعلام الفلول أن الثورة فشلت ترحّم على الطاغية المخلوع. فإن قيل له إن صوته في الانتخابات قد ينقذ الثورة من الضياع عاد لحماسه الثوري، ثم إذا ردد إعلام الفلول على مسامعه يوميا وعلى مدار العام أن الجماعة سلبت منه الثورة انقلب عليها مجددا. فإن قيل له إن الثورة الثانية لم تكن سوى ثورة مضادة ترحّم على ثورته الأولى، وإن أعاد إعلام الفلول على مسامعه إنجازات العسكر وأخطاء الجماعة أسكت ضميره بالانصياع لخطاب القطيع. وهكذا تجده دائما مترددا متقلبا منهزما، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. إن ثار الناس قال أنا ثائر، وإن انقلبوا انقلب معهم، {إذا أساء الناس أساء معهم، وإذا أحسنوا أحسن معهم}، {فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه}.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويفقد معها إحساسه بفقدها، فسيفقد غالبا وتدريجيا إحساسه بذاته، وسينخرط في تقلبات فكرية عنيفة، ويقدّم قلبه على مذبح التقلبات العاطفية أيضا. فإن كان فوق ذلك ضعيف القلب سطحي العقل خرج بنتائج كارثية، ولا تعجب إن رأيته يوما ينقلب من هرطقة الملحدين إلى تطرف الخوارج أو العكس، ومن الهيام في شخص ما إلى مناصبته العداء أو العكس. وإن أصر على فقد البوصلة، وعلى فقد الإحساس بفقدها أيضا؛ فترقب اليوم الذي يفقد فيه كل إنسانيته، ويبيع روحه للشيطان إلى الأبد.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، فقد لا يرى في العالم كله سوى قطبين متقابلين، فيقضي صدر شبابه في العربدة والجنون والعبث، وعندما يشعر بالملل والضياع ينتقل إلى القطب الآخر ليتطهر بأحلام “الخلافة” على طريقة الخوارج ويبايع رئيس عصابة برتبة مهدي منتظر. وهو في الحالتين لا يسعى إلا وراء ملذاته، سواء كانت حسية كما في الأولى أو نفسية كما في الثانية، ولم يعتق في أي منهما رقبته من أسر الشيطان الذي يحركه كما يشاء.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، وتغلي في نفسه كوامن الحماس والنصرة والعزة المفقودة، فسيفقد خارطة الطريق كلها، ويختار أقصر الطرق إلى استعادة أمجاد الأمة المسلوبة. فإن صادف صعودَ عصابات تكفيرية خارجية؛ فسيوافق شنٌ طبقة، وسيلحق بقطيع “الخلافة” الهزلية، وربما يهاجر بنفسه وماله وأهله ليعيش معهم في أجواء السينما التاريخية الحالمة، ثم يكبّر بأعلى صوته عند كل مسرحية يُقطع فيها رأس أو يُجلد فيها ظهر دون اكتراث للعدل، وكذلك مع كل خطاب تهديد للعدو دون ترقب للنصر، وفي كل حالة استحضار للتراث دون التفات لصحة التطبيق. فعندما تُفقد البوصلة تُفقد معها معايير الحكم بالنجاح والفشل، ويصبح سلوك الطريق بذاته هدفا حتى لو كان سيؤدي إلى سقوط حتمي في الهاوية.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، تسقط منه مفاهيم ومحددات الولاء والبراء بالجملة، فتجده يوما مؤيدا لحركة مقاومة ضد المحتل لما يراه من بطولاتها، ثم يبدل موقفه إذا سمع من أحد قادتها تصريحا شاذا. وقد تجده مناهضا لطاغية ما بسبب جرائمه الوحشية، ثم يترحم عليه وينصّبه بطلا شهيدا إذا انقلب عليه طاغية أسوأ منه. ففاقد البوصلة يعجز عن فهم بوصلة غيره، وقد يظن أن أي خطأ يصدر عن الآخرين هو مؤشر على شرهم المطلق، وأن أي خطأ يصدر عن عدو عدوه هو مؤشر على خير عدوه الأول، فينقلب من ولاء إلى براء وبالعكس، ومن أقصى اليمين إلى أقصى الشمال وبالعكس، وطالما كان فاقدا للبوصلة أصلا فلن يشعر بتغيير الوجهة وانقلابها.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، سيفقد معها محددات هويته نفسها، وطالما كانت الهوية نتاج تقاطع دوائر عدة من قومية وقبلية ودينية وفكرية فستجده عاجزا عن ترتيب هذه الدوائر وفقا للأولوية. وبالنتيجة ستضطرب قراراته وتختلط خياراته، فإذا وُضع على المحك في عصر الفتن والحروب والمفاصلة فتوقع منه الانحياز لكل المتناقضات، إذ يصعب حتى على أقرب الناس إليه أن يتنبأ بما سينتهي إليه حاله طالما كان الشاب نفسه لا يعلم بأي بوصلة يحدد هويته وانتماءه.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، فسيفقد معها ضوابط المعرفة ومناهج التفكير وقواعد اللغة ومبادئ المنطق، فإن صادف العيش في عصر الفتن فقدَ أيضا آداب الحوار وأعراف التحضر، وعندئذ لن تغني عنه شهاداته ومناصبه وألقابه شيئا، وسيعيش سبهللا متطفلا على فضلات عقول الآخرين، وينطلق مجادلا ومنافحا عن جهله متسلحا بثقافة العناوين. فإن عثر بك الحظُّ فجادلتَه أشفقتَ عليه من فوضى الشعارات التي تأكل عقله، وإن تطوعتَ لتعليمه جهلَ عليك “فوق جهل الجاهلينا”، فالجهل المركّب هو ذاك الذي يجهل صاحبه أنه جاهل، فجهله ظلمات بعضها فوق بعض.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويفقد معها الأصالة والمناعة والنباهة، ثم يفتح نوافذ قلبه وعقله على عواصف التغريب والتشريق، فترقب أعاصير الليبرالية والماركسية والوجودية والبوذية، ثم أمتع عينيك بعروض الملابس الممزقة والأجساد المشوهة، وأرهف السمع لتراتيل اليوغا وحفلات الميتال وهرطقات الإلحاد. فعندما تُفقد البوصلة وعوامل المناعة وأدوات الفهم؛ تصبح الشهرة غايةً بذاتها، ولو تحققتْ على حساب الكرامة وراحة البال والخلاص الأبدي، حتى لا يجد إبليس ما يقوله لأتباعه سوى {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}، ولا يجد أتباعه بعد فوات الأوان سوى القول {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، يفقد معها كل قواميس اللغة والمصطلحات والمعرَّفات، ويغدو دمية في يد محترفي الأدلجة والتضليل والاستشراق، وينخرط في لعبة الشعارات دون أن يدرك أنه دخلها خاسرا من البداية. فإن آتاه الله قدرا من الذكاء أفرغ جهده في استيلاد الأفكار من ضباب العبث، وقد يفني عمره دون أن يدرك أنه يجري وراء سراب وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ثم تغص المكتبات والفضائيات ومواقع الشبكة بسيل من الهراء، وكله مُعنوَن بشعارات التجديد وفتوحات النهضة التي يحسب صاحبها أنها غابت عن الأوائل، وأنه الوحيد الذي سبق زمانه بالكشف عنها لخروجه من قمقم عقلية الانحطاط وتقديس التراث.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، وتفلت منه حكمة الخلق وغاية الوجود، وتتبعثر لديه قائمة الأولويات، يغدو الإسلام في عقله مجرد اسم يتوارثه من والديه لا أكثر، وتختلط لديه المرجعيات اختلاطا منكرا تتجاور فيه المتناقضات دون أن يجد في نفسه غضاضة. وهكذا يستسلم لسيل المعلومات المندلق على عقله الغض عبر وسائل الإعلام وشبكة المعلومات ومناهج التعليم وقصاصات الأدب، فيخرج بعقل مشوه وهوية ملفقة، حتى إذا أقحمتَه في جدل بشؤون الدين والسياسة أخذ منك العجب كل مأخذ، فتراه يقدّم “حرية التعبير” على حرمة المقدسات، ويصف الحدود الشرعية بأنها بربرية وحشية، ويرى علمانية الدولة شعارا يستحق الجهاد والتضحية، ويؤمن بدور “المجتمع الدولي” في إنزال الأمن من يوتوبيا السماء.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ولا تتجاوز علاقته بالوحي المعصوم قراءة بضع صفحات من القرآن في موسم رمضان السنوي، بينما يُشرع أبواب عقله وقلبه ووعيه ولاوعيه وحواسه الخمس في كل ثانية لثقافة يبدعها بإتقانٍ جندُ إبليس، يصبح أي حديث يعترض طريقه عن مؤامرة الشيطان ضده ضربا من أساطير الأولين، بل يغدو منافحا وبكل قوة عن المؤامرة التي يخضع لها دون أن يعلم. فالشيطان يبحث أولاً عن ضحاياه بين أولئك الشباب الفاقدين للبوصلة، إذ لا يتطلب منه الأمر أكثر من إقناعهم بأنهم أكثرُ دهاء منه، وأنهم في غنى عن الوحي وعن قراءته وتدبره، وأن كيد الشيطان ضعيف، وأن القافلة تسير والكلاب تنبح، وأن الزبَد يذهب جفاء وما ينفع الناس يبقى تلقائيا في الأرض، وأن الحق سينتصر وحده لا محالة، وأنه لا يصح إلا الصحيح دون حاجة لأي جهد، وأن أولئك الوعاظ الصارخين في القوم {يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} ليسوا سوى أسرى لنظريات المؤامرة.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويفتح عينيه على عالم مضطرب، ويجد نفسه في مجتمع مسلوب العقل منهوب الكرامة، ويقرأ في مدرسته تاريخا مشوها وتبعية مبررة، وتغيب عنه الرواية الحقيقية لمؤامرات العصر الحديث، فسيمضي حينا من الدهر مأخوذا بصدمة سقوط الخلافة، ثم يحاول موازنة مشاعره بين الاعتزاز بالماضي والأمل بالمستقبل ومقاومة إغراء واستفزاز الوافد المحتل. فما أسهل أن يسقط في هوة التلفيق والقص والتلزيق؛ بحثا عن مرجعية تحقق له الاعتزاز بذاته، وقد يمضي سنوات شبابه في التنقل بين الأحزاب والتيارات الإسلامية أملا في الشعور بالانتماء، وربما يمارس بعدها هواية الانشقاق والتشهير بكل جماعة ينضم إليها ولا توافق هواه، حتى يظن يوماً أنه قد خَبِر كل ما هو مطروح في الساحة من أفكار وأنها جميعا دون مستوى عقله وطموحه. فيقضي بقية عمره في النزول ضيفا على الإعلام بصفته خبيرا مخضرما، ويؤجر لسانه وقلمه لتجار المواقف السياسية والفكرية بحسب تذبذب سوق العرض والطلب. وهو في كل مواقفه مجرد ناقد للأخطاء متصيد للعيوب محطم للآمال محبِط للشباب، فمن يكسب شهرته من موهبة النقد سيصعب عليه التخلي عنها والانزواء في العتَمة للبحث عن حلول تفيد الأمة.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويجد في نفسه حماسا للإنجاز وهمّة على التغيير وطموحا للنجاح، فسيكون أكثر عرضة لمخاطر الانحراف عن السبيل من فاقدي البوصلة الآخرين، فكثيرا ما يطغى الحماس على العقل في مضمار السباق إلى القمة، حتى ينسى الشاب المسلم وهو في معمعة التنافس “الشريف” مبادئ دينه الراسخةَ في تجريد النية وذمّ الرياء ونبذ الشهرة والمناصب، فتراه يبرر بحماس وعناد تزلفه لمن هو أعلى منه رتبة ولو كان في عداد الشياطين، وقد تعجب حتى من انخراطه في مجالات محرّمة ومنكرة وهو يتذرع بحجج لا يُطبق منها شيئا. ولو أنه أخلص النية وضبط البوصلة وتحرى رضا الله في كل خطوة؛ لوجد في مقاصد الشرع فسحة للتحرك المدروس ببعض المواقف خارج الحدود الفقهية، لكن طغيان الحماس وفتنة النجاح قد يُشرعان له منهجا مقاصديا خاصا يتوخى البحث عن المكاسب أولا ثم تدبير مبرراتها في وقت لاحق.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويقضي جل وقت فراغه في مطالعة الروايات ومشاهدة الأفلام وتصفح المواقع والدردشة مع أقرانه من فاقدي البوصلة، فلا يبعُد أن يبقى متمسكا بدينه الذي يحقق له برد الطمأنينة وغريزة الانتماء؛ لكنه يبحث بعد ذلك عما يملأ الفراغات الناشئة بين ضوابط الدين الثابتة وحاجات النفس التي لا يكف شياطين الإنس والجن عن تهييجها. فتراه يبرر تدريجيا إمتاع سمعه وبصره بالمنكرات، ثم ملء قائمة أصدقائه بأسماء الفتيات، ليصل به الحال إلى تجريب الفواحش ثم اعتيادها. وهو ينتظر في كل ذلك بطلا غائبا ينتشله من الضياع دون أن يبذل أي جهد لإنقاذ نفسه، بل ربما يلقي باللائمة على المجتمع الذي سمح له بالانحراف ثم عجز عن إعادته إلى جادة الصواب، مع أنه لم يكن يسمح لأحد في مطلع مراهقته بالاقتراب من حدود حريته المطلقة.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويتهاون في متابعة كل يضخه الإعلام المستورد من باب الترفيه والاطلاع والانفتاح، تعتاد نفسه لاشعوريا على عادات وأفكار وأخلاق لم يكن ليوافق عليها لو أنها عُرضت عليه بصورة فجة أو في نقاش علمي عقلاني، لذا يحرص جند إبليس على ألا يستفزوه بمشاهد إباحية بل يمررون له قصة مسلية عن شاب وفتاة في “علاقة مفتوحة”. وبعد بضع سنوات، قد يبدأ الشاب نفسه بتبرير وممارسة أفعال كان يراها يوماً من الكبائر، ويتخذ من نجوم الرياضة والسينما والموسيقى موجهين لأفكاره الاجتماعية والسياسية، لما يراه من مواقفهم الإنسانية التي يحتفي بها الإعلام. ولو أنه استوقف نفسه ليسألها عن المؤهلات التي يملكها أي نجم ليكون قدوة له لما وجد جوابا، فضلا عن أن يتساءل عن بوصلة هؤلاء النجوم التي تتجه مباشرة نحو إبليس، لكن طول الألفة يقلب المفاهيم ويزيل الوحشة ويجمّل العدو، بل يجعل من إبليس نفسه في عين ضحيته صديقا صدوقا.
    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويقضي بضع سنوات في الاغتراف من فيض الشهوات والاغتراب عن المجتمع، ثم تهيج في نفسه كوامن الانتماء ولواعج التوبة وشجون الفطرة النقية، فقد يقع في هوى أكثر مشاهير الدعوة قدرة على إغراء حواسه وإثارة مشاعره. وكما هو حال الحب من أول نظرة؛ يُغرم الشاب بأحد “الدعاة الجدد” لمجرد أن تطرق سمعه إحدى محاضراته المبكية، أو يتعلق بأحد “المنشدين الجدد” لأن حظه عثر بالصدفة على آخر أغانيه الشجية، أو ينبهر بأحد مدربي “التنمية البشرية” فور حضور إحدى محاضراته المحفزة على التغيير. فيتخذ من أحدهم قدوة ومعلما ومرشدا، وقد يتشدد في اتباعه بعد أن وجد في بضاعته ما كان متعطشا له ومفتقرا إليه. حتى إذا انكشفت له حقيقة خواء هذا القدوة وحبِّه للشهرة وسعيه وراء المال وفقده أصلا للبوصلة؛ فربما ينتكس إلى أسوأ مما كان عليه، بدلا من أن يعيد النظر في اختياره السيئ ومنهجه الأعوج ويبدأ بالبحث عن معلم صادق ومؤهل.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويبدأ ببناء عقله على أسس غربية دنيوية لا أثر فيها للوحي، ثم يتجاذبه الحماس لاستعادة أمجاد أمته من جهة والاستلاب أمام أمجاد الأمم الأخرى من جهة ثانية، وهو مع ذلك يفتقر إلى التأصيل الفقهي والمنهج العقدي، فلا تعجب إن رأيت همّته قد انصرفت إلى أسلمة كل ما يقع في يديه من فنون وبدع وخرافات وأساطير، ودون أن يلتفت إلى حقيقة خروجها أصلا من أصول شيطانية تتناقض جذريا مع الإسلام، ولا تعجب لاحقا إن رأيته يجمع في سيرته الذاتية أفخم الألقاب ويتدرج في مراتب الشهرة، وهو يملأ فضاء الإعلام والنشر بأعاجيب تحمل شعارات إسلامية براقة، بعد أن استمدها من تأملات بوذية وطلاسم قبّالالية ومبادئ ماسونية ودساتير إلحادية وأساطير إسرائيلية، ثم يعقد دورات تدريبية ومؤتمرات تثقيفية لحشو أدمغة العوام بفتوحاته العلمية المؤسلمة، ويبتسم أخيرا لتصفيق الجماهير إعجابا بانحراف بوصلتهم بعيدا عن عالم الوحي.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويصعب عليه طلب العلم الذي قطع له الفطاحل أعناق الإبل، وثنوا على عتباته الرُّكب، وأفنوا في سبيله أعمارهم وبذلوا له أموالهم. فمن غير المستبعد أن يلجأ إلى كتب أنصاف المثقفين من المعاصرين ليتفقه في الدين، بل وأن يتتلمذ على كتب اليهود والنصارى والمستشرقين وأشعار مجاذيب المتزهدين هربا من تخلف “المؤسسة الدينية” التي لم توافق هواه. فإذا حفظ بعض النصوص واستظهر شيئا من الأدلة والشبهات واستطاب بعضا من أبيات التصوف؛ ظنّ نفسه عالما بأسرار الشريعة وخفايا الطريقة، واستغنى بما لديه عن الوحي وتأويلاته، وحجّته الوحيدة في ذلك أن الدين علاقة بينه وبين ربه، وأنه حر في أن يعبد الله على طريقته. وكأن الله جل وعلا يُسترضى بما يطيب لعباده أن يسترضوه به، أو أن فاقد البوصلة قد وجد طريقا إلى الله أفضل من الطريق الذي شرعه الله إليه.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، ويُبتلى بتجربة فاشلة في التربية أو الزواج أو التعليم أو التدين أو السياسة، فأغلب الظن أن يسقط في هوة التعميم والتنميط والعجز، وقد يقضي شطر عمره بعدها يجترّ فشله ويلوكه ويتلذذ به، حتى يدمن عليه ولا يرضى عنه بديلا، فلا تعجب بعدها إن رأيته يُطلق أحكاما مجحفة على فئات من البشر دون أن يراها، فربما أصبح كل الآباء في عقله قساة، وكل النساء خائنات، وكل المعلمين مرتشين، وكل المشايخ منافقين، وكل الساسة كاذبين. وهو وحده الصالح في عالمه الذي لا يمتد إلى ما هو أبعدُ من أرنبة أنفه، وشعاراته وحدها التي لا تقبل القسمة على اثنين، فهو الخبير الجهبذ، والقوم من بعده عيال على فقهه وفهمه.

    ***
    عندما يفقد الشاب المسلم البوصلة، تسقط من حساباته معايير الوحي والعقل، وتصبح الأعراف والتقاليد والمصالح هي المعايير التي يتعرف بها على الصواب والخطأ. وهكذا تختفي من ذهنه أولاً مفاهيم الحلال والحرام، ثم تختلط في عقله مفاهيم الشرف والعيب، فربما يعدّ كل ما هو جديد وعصري صائبا وكل ما هو قديم خاطئا، أو يرى أن ما يأتي من الغرب لا بد أن يكون حضاريا وعلميا وإنسانيا بينما ينعت بالعكس كل ما يُنسب إلى الشرق. وتراه في النهاية يستمرئ ارتكاب الفواحش ويعتادها دون أن يهتز له جفن، بل يدافع عنها ويدعو إليها دون أن يشعر بالوزر، وهو ما يزال مع ذلك متمسكا بإسلامه معتقدا أنه مجتهد مُثاب على “تجديده”، أو أن الله سيغفر حتما “بعض تقصيره”.

    ***
    عندما تفقد الفتاة المسلمة البوصلة، يترصد لها في كل خطوة شيطان يعرض عليها بوصلته، وينافس كل واحد منهم الآخر في فنون العرض لتبدو بضاعته أكثر جاذبية. فيهيم الأول في جمال صورتها حتى تنسلّ منها الروحُ وتغدو جسدا خاويا، ويردد الثاني على مسامعها فنون الطرب حتى تسكر في أحلام الرومنسية، وينتهز ثالث عطشها العاطفي، ويستغل آخر طموحها لمواكبة الرجال، ويأتيها آخر من مآخذ الخوف والضعف.
    وفي نهاية المطاف، ترقّب آخر صرعات خلع الحجاب وما تحت الحجاب، واستمع لأحدث فضائح الهروب والتمرد والثورة على “التقاليد”. فإن بحثتَ عن دوافع هذه الانقلابات وجدتَ مبررات من قبيل عدم الاقتناع بتفاصيل الاحتشام وآداب المجتمع، فعندما تُفقد البوصلة تشترط الفتاة أن يُنزل عليها قرآنها الخاص، ليخاطبها بما يشتهي هواها ويوافق مصالحها، وإلا تركت الوحي الذي أنزل على محمد خلفها ظهريَاً، وطفقت تُشرع لنفسها وهواها بما أوحى به إليها الشياطين على منعرجات السبل.

    ***
    عندما تفقد الفتاة المسلمة البوصلة، وتخطو خطوتها الأولى على طريق “الانفتاح” و”الاستنارة”، وتشرّع أبواب عقلها الغض وقلبها المرهف أمام عواصف “حقوق المرأة” القادمة من الغرب، ثم تنظر وراءها فلا تقع عينها إلا على مظاهر التخلف وقصص القهر وتجارب التحرش، فما أسهل تردّيها في منحدر الانفلات، وما أسرع وصولها إلى قعر الهاوية. فما يزرعه الوالدان الفاقدان للبوصلة من تربية هشة لابنتهم طوال سنين قد ينقلب حصيدا خامدا في أول تجربة انفتاح، كما يحدث لأي حديقة غنّاء عندما تضربها صاعقة في لحظة واحدة.

    ***
    عندما تفقد الفتاة المسلمة البوصلة، وتبحث لنفسها عن طريق تحسبُه وسطا بين التشدد والانفتاح، وليس في جعبتها من الدين ما يتجاوز بقايا الفطرة وبعض نفَحات العاطفة، وليس في عقلها من العلم الشرعي أكثرُ مما وقع في يدها من كتب المدرسة أو تناهى إلى سمعها من بعض الدروس العابرة، فما أسهل وقوعها في فخ التلفيق بين الفتاوى والأحكام لتستخرج لنفسها شريعة عرجاء ممسوخة، حتى ترى في سلوكها ومظهرها وعبادتها خليطا ممجوجا من التدين ونقيضه، وهي تحسب أنها بذلك قد حققت غاية الوسطية ومتطلبات العصر، وأنها تقدم نموذجا مثاليا للمسلمة المعاصرة التي لا تقف مواهبها عند حدود المطبخ وغرفة نوم الزوج، وهي لا تدري أنها في النهاية ليست سوى ترسٍ صغير في آلة ضخمة تسيّرها كما تشاء، وهي راضية بعبوديتها الجديدة تحت مسمى “التحرر” طالما أنها لا ترى ذاك الشيطان الخفي الذي يحولها إلى “جارية معاصرة”.

    ***
    فاقدو البوصلة قد يدّعون الإيمان فيقال لهم {لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم}، فالإسلام عندهم وراثة وتقليد مهما مارسوا شعائره وتعصبوا له، لكن حياتهم لم تستقر بعد على الهدف البعيد الذي يُضبط عليه مؤشر البوصلة للحياة كلها، وهو الاستحضار العقلي والقلبي للغاية من الوجود المتمثلة في الآية قطعية الدلالة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
    فمن عثر على البوصلة وآمن بالهدف وسعى إليه، لا بد أن تنضبط معظم أفكاره وقراراته وخياراته ورغباته بما يحقق له ذاك الهدف. ومع أنه قد يغفل وينحرف ويضعف أثناء مسيره نحو هدفه؛ إلا أن البوصلة تعيده في كل مرة إلى جادة الطريق، وهذا هو حال المتقين الذين وصفتهم الآية بقولها {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.

    ومادام التقي مثابرا في مسيره، مجاهدا نفسَه وشياطينَ السبل المنحرفة، متوكلا على الله ومستعينا به؛ فإنه بالغٌ هدفه الأخير لا محالة. ألم ينقل الرسول المعصوم عن الله وعده الذي لا يُخلَف {والذي جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}؟



    نبيل مصطفى غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  3. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 26-12-2016 الساعة : 08:13 PM رقم #2
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    مشرفة


    الصورة الرمزية عيون المها

    • بيانات عيون المها
      رقم العضوية : 31896
      عضو منذ : May 2015
      المشاركات : 1,459
      بمعدل : 0.36 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 26
      التقييم : Array


  4. بارك الله فيك اخي الفاضل...

    يمكنك مشاهدة توقيعي بالنقر على زر التوقيع

    عيون المها غير متواجد حالياً
    • توقيع عيون المها

  5. رد مع اقتباس
  6. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 27-12-2016 الساعة : 05:19 AM رقم #3
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    شاملى ماسى


    الصورة الرمزية لجين

    • بيانات لجين
      رقم العضوية : 18958
      عضو منذ : Sep 2012
      المشاركات : 1,134
      بمعدل : 0.22 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 25
      التقييم : Array


  7. شكرا على الموضوع القيم بارك الله فيكم

    لجين غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  8. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 28-12-2016 الساعة : 03:05 AM رقم #4
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    مراقب


    الصورة الرمزية جيهان

    • بيانات جيهان
      رقم العضوية : 39
      عضو منذ : Jul 2008
      المشاركات : 3,361
      بمعدل : 0.51 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 52
      التقييم : Array


  9. شكرا على الموضوع والافادة والمعلومات القيمة

    جيهان غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  10. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 29-12-2016 الساعة : 08:58 AM رقم #5
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    شاملى ماسى


    الصورة الرمزية يارا حسان

    • بيانات يارا حسان
      رقم العضوية : 6129
      عضو منذ : Mar 2012
      المشاركات : 1,272
      بمعدل : 0.24 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 27
      التقييم : Array


  11. شكرا على الموضوع القيم والمفيد

    يارا حسان غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  12. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 30-12-2016 الساعة : 03:28 AM رقم #6
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    شاملى ذهبى


    الصورة الرمزية سعاد الجهينى

    • بيانات سعاد الجهينى
      رقم العضوية : 29
      عضو منذ : Jul 2008
      المشاركات : 648
      بمعدل : 0.10 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 25
      التقييم : Array


  13. شكرا على الموضوع والافادة الجميلة

    سعاد الجهينى غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  14. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 31-12-2016 الساعة : 06:39 AM رقم #7
    كاتب الموضوع : نبيل مصطفى


    شاملى ماسى


    الصورة الرمزية ميمونة

    • بيانات ميمونة
      رقم العضوية : 292
      عضو منذ : Apr 2009
      المشاركات : 1,363
      بمعدل : 0.22 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 31
      التقييم : Array


  15. شكرا على الموضوع والمعلومات الشيقة

    ميمونة غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك