وقال بشار
كأنما خلقت من ماء لؤلؤة ... في كل أكنافها حسن بمرصاد
وقال البحترى
بدت صفرة في لونه أنّ حمدهم ... من الدرما اصفرت نواحيه في العِقد
قال الآمدى؟ الذي فيه صفرة يسيرة يفضل على الأبيض اليفق كفضل الذهب على الفضة ولان الدرة النفيسة الناصعة البياض القريبة العهد بالبحر مما يلحقها كدر وتغير لايزال يسرى فيها ويزداد الى ان تسود كالبعرة - فإذا بدت فيها الصفرة اليسيرة المعروفة أمن منها ذلك الداء واستيقن إنها لا تتغير على الأزمان وأبو قاسم متكرم في الذياد عن فحول الشعراء غير راض ممن لا يدانيهم بضيمهم لكن من تقدمه قد فضل لون المرجان على بياض الدر وحمل قوله سبحانه وتعالى (كأنَّهن الياقوتُ والمَرجان) على ان معناه صفاء الياقوت في بياض المرجان فان اللون المركب منهما هو المحمود في البشرات - وعلم من هذا ان البياض لم يخص للدر وأن للمرجان مع فضل بياضه حظه من الماء والرونق وان كانا في الدر اظهر واوقع مع رائحة ما من الصفرة تتقى عنه الجصية التى فى الدر القتائى حتى يظن منها انها معمول مصنوع فيكون الحمد له بتلك الصفرة كما تقدم المدح له بعدمها - وأيضا فان الشذور الصغار الفاصلة بين الدر في السمط تكون من سبج وتكون من فيروزج أو تكون من لازورد وفى الأكثر تكون من ذهب فالضياء المنعكس من ذهب الشذر الذي يلقى صفرته عليه ولذلك قال البحتري ما اصفرت نواحيه - اى طرفاه عند الثقبة وهذا مقتضى البريق فانه لو لم يبرق لما رؤيت بالصفرة عليه والى مثله عدل ذو الرمة في قوله -
كحلاء في بَرجَ صفراء في نَعَج ... كأنها فضة قد شلبها ذَهب
وهذا الشوب كاسب للملاحة فهو فى غاية القلة فبالكثير يرجع في بيوع الرقيق ويتباعد عن الأعداء خوف العدو ويستدل في الصحيح الأمن غير العرع على رياح البواسير أو فرط التكر أو الحسد فى الضمير ولهذا كانت الرواية؟ قد مسها ذهب احسن لأن المس يقصر من مقدار الشوب ولهذا ذهب من قال -
بيضاء صفراء قد ينازعها ... لونان من فضة ومن ذهب
ومثله قول طفيل الغنوى
هجان البياض أشربت لون صفرة ... (عقيلة جوٍّ عازب لم يحلل)
وقول يزيد بن الطثرية -
ولونا قد يحار الطرف فيه ... كلون العاج قد ألف الخَلوقا
ووضع أبو القاسم بازاء فصل ما بين الدر ذي الصفرة وبين اليقين منه فصل ما بين الذهب والرصاص فان كان ذهب الى اللون ففيه نظر لأن احمد الذهب ما جاوز الصفرة الى الحمرة فإذا أقيمت الفضة الخالصة بازاء يقق الدر لم يحمد ما قام من الدر بازاء الذهب الابريز لتلونه من اللون مما لا يمدح وما بقى من كلامه فقصة ما لها امانة المخبر وصدقه - وربما كانت الصفرة مبدأ العلة المسودة فكلاهما حادثان في اللؤلؤ بعد ان لم يكن ونجد الصفرة فيه تغيرا فاسدا يتولد من صنوف أسباب كالهن والعرق وروائح الطيب من الزعفران والخلوق واللخالخ ولا محالة ان المطلوب في الدر بياضه مع توابعه والصفرة عيب فيه فضلا ان يكون محمودا وجرى ابو منصور الثعالبى على عادة الشعراء في التشبيه فقال في خط علي بن مقلة -
خط ابن مقلة من ارعاه مقلته ... ودت جوارحه لو حُّوِلت مُقَلا
فالدر صيفر لاستحسانه حسدا ... والورد يحمر من نُوَّره خَجَلا
واصفرار الدر بإطلاق ليس كاحمرار الورد بإطلاق فان الأول عيب والأخير منقبة - وذهب قوم في قوله تعالى (وعندهم قاصِرات الطَرف عِين كأنَّهن بَيض مكنون) عنى اللؤلؤ كما قال تعالى (ويطوف عليهم وِلدان مخلَّدون إذا رأيتَهم حسبتَهم لؤلؤا منثورا) - وقال تعالى (ويطوف عليهم ولدان لهم كأنَّهم لؤلؤ مكنون) ثم قال بعضهم ان شبه مقل العين بالأفلئ بسبب الوفور والبياض اللذين هما يحمدان في اللؤلؤ وهى بالأجفان مكنونة من الأذى قال غيرهم انه عنى بيض النعام الممتزج البياض بالصفرة ويشبهه بوجوههن فانه يقارب لمقاديرها وخاصة من النساء واكنائه بالريش وقت الاخضان ولا تصيبه ريح ولا يلوثه غبار - وقال بعضهم انه الغسق فالمقصود في الذكر بياض البيض وصفرة المخ - قال امرؤ القيس
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل

(1/51)

قالوا، انه أراد بيض النعام - والبكارة في كل شيء ممدوحة لأنها في اكثر الأمر دالة على بياض الشباب والظرافة وهى في البيض اولى بيضه من أول الالقاح لا قائم مقام أفتضاض العذرة - وقال غيره، انه عنى الدرة فانها غير خالصة البياض ولا الصفرة بل مختلطة منهما وبكارتها في عدم الثقب بحدث العهد ثم يتقيفوا عند الماء النمير فقالوا انها وان لم توجد في العذب فانها ايضا لاتزكو في الملح الأجاج وإنما حسنها في خروجها من المعتدل وهو النمير الذي ينمى وان لم يكن على غاية العذوبة الا انه ذكر التغذي معه والتنافس في الدر ما عم جميع الأمم - فلو كان في الصفرة احمد لما يختص بالميل أليه بين الطوائف طائفتان - قال الكندي أن كان في الدر المدحرج شيء من الصفرة اعجب به اهل العراق واهل المغرب فان زادت ما أليه أهل أصفهان فجلبا إليهما ونسبا الى ناحيتهما -
مائية اللؤلؤ الرطب
وأما ما ذكر في اللؤلؤ من الرطوبة فان معناه ماء الرونق والبهاء ونعمة البشرة وتمام النقاء لأن الرطوبة فضل يقوم لذات الماء فهي تنوب عنه في الذكر وليس يعنى بها نقيض اليبوسة حتى يتعجب منها كما تذكر الفرس في الذهب المستشار وانشد أبو القاسم الامدى لأبي تمام -
مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشعر الا انها لؤلؤ رطب
قال، عنى به المحدث وهذا من اختراعه ولم يخرجه مخرج المدح والرضى - فان فضل ميله الى البحترى على الأنحاء بأبي تمام مع ادعائه الأنصاف بينهما في كتاب الموازنة بين شعريهما - فان كان ابو تمام اخترعه فقد اتبعه الكافة فلهجوا بذكره ولم يصابروا عنه - وكل محدث فتى في جنسه من حيوان او غصن او نبات فانه لامحالة انعم وارطب بسبب استعداده لقبول النماء فان كان اللؤلؤ في الصدف ناميا فله من تلك الرطوبة حظ وان نزر فليس يعنى غير مائه وبهائه وان كان اصلب أصلب من الحجارة والحديد - وكذلك عاب قوله في اللؤلؤ المنتقى وقال، ان المنتقى من الشعر لايكون الا مسر وقا وقبيح فاحش بالشاعر ان يعترف بالسرقة - وكان أبو القاسم عرف هذه السرقة بالكهانة أو الطالع والعيافة فلست ارى لها في البيت اثرا وما على الرجل اذا قال في قصيدته انها مفصلة لؤلؤ من الشعر ذى ماء ورونق مختارا بسمطها منقح من العيوب نهذب عن المقادح قد اكددت خاطرى في انتقادها كما قال ابن الرقاع -
وقصيدة قد بتُّ أجمع بينها ... حتى اقوم ميلها وسنادها
وكما قال البحترى -
لمنقوشة نقش الدنانير ينتقى ... لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر
وهذا هو الانتقاء لولا التجني والقلي واعلمه انه عنى بقوله من الشعر شعر غيره دون شعر نفسه - ولرطوبة اللؤلؤ وجه وان بعد وهو أن سائر الجواهر إذا وقعت على الأرض استقرت واللؤلؤ يتدحرج بأدنى ميل في وجهها وكذلك بفلت من بين الأصابع لقلة تمكنها منه فكان انفلاته على هيئة عجم التفاح والكمثرى إذا رطبا وضغطا بالإصبعين حتى يرتمى مسافة كثيرة وسببه هو ترطيب ملاستها وتلزجه - قال ابن المعتز -
كأن الكأس في يده عروس ... لها من لؤلؤ رطب وِشاح
يريد الندى الذي يكاد يقطر نعمة ورقة - وقال منصور القاضي -
وجاء نسيم الريح يهدى تحية ... الينا بأنفاس الرياض ويشبع
وقد نبه الأنوار فابتسمت لنا ... وأعينها باللؤلؤ الرطب تدمع
وقال الخبر ارزى -
دُرِيّة اللون منه مشربه ... حمرة خمر تمازِج اللبنا
كاللؤلؤ الرطب لون ظاهره ... وفيه ماء العقيق فد بُطنا
وقال آخر وهو الصنوبرى -
كأنما النرجس في روضه ... اذا ثنته الريح من قُؤب
أقداح ياقوت تعاطيكها ... أنامل من لؤلؤ رطب
وقال أيضا -
أقداح ياقوت تعاطيكها ... أنامل من لؤلؤ رطب
في الساعد الأيمن خالٍ له ... مثل السويداء على القلب
وقال أيضا -
كأنه من سبج فاحم ... مركب في لؤلؤ رطب
وقال أيضا -
كأنها في الفق كافورة ... يرفضّ عنها لؤلؤ رطب
وقال نمير العقيلي -
وحولها خُرد حور مدامعها ... كاللؤلؤ االرطب يدنى لحظُها الأجلا
وقال نمير العقيلي أيضا في مجدور

(1/52)

ما أثر الجدرى في خده ... وإنما أثرَّ في قلبي
كنه البدر لِتمّ بدا ... منقَّط باللؤلؤ الرطب
وهذا لعمرى اللؤلؤ الرطب حقا ولكن تصوره عند السماع بهوع من غير ذلك العاشق العمى العين والقلب عن معائب المعشوق - وحكى عن الصاحب بن عباد انه كان يقول اذا سمع قول عوف بن محلم -
ان الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى الى ترجمان
فقال، بلغتها حشوة ولكنها حشوة اللوزينج وقال عدى بن يزيد -
لو كنت الاسير ولا تكنه ... اذاص وعلمت معه ما اقول
ولن يتخلف عنها قول ذى الرمة حسنا ونزاهة -
أسيلة مجرى الدمع هيفاء طَفلة ... رداح كايماض الغمام ابتسامها
كأن على فيها وما ذقت طعمه ... مجاجة خمر طاب فيها مدامها
وتفسير قول ذى الرمة في قول ابن الرومى -
وما ذقته الا بشمّ ابتسامها ... وكم مخبر يبديه للعين منظره
واللؤلؤ في هذا البيت على خلافه فانه وقر في الاسماع وقذى في الاعين وخناق في الآناف وصاب فى الأفواه وشوك في اللمس وقضة في المضجع - ما ابعده من قول الوأوأ الدمشقى في عليل -
ابيض واصفر لاعتدال ... فصال كالنرجس المضّعف
يرشح منه الجبين قطرا ... كأنه لؤلؤ منصّف
وقال الصنوبرى -
الشيب عندى والافلاس والجرب ... هذا هلاك وذا شؤم وذا عطب
ان دام ذا الحك لا ظفر يدوم ولا ... يدوم جلد ولا لحم ولا عصب
أما تراه على الكفين منتظما ... كأنه لؤلؤ ما ان له ثقب
كحبة العنب الصغرى تبين ولا ... تزال تعظم مالا يعظم العنب
ولقبوه بحب الظرف ليتهم ... يا نفس ضاعوا كما ضاع ذا اللقب
ثم تجاوز اللؤلؤ في الرطوبة الى الجوهر الرطب باطلاق فقال -
نظمت قلائد زهرها بجواهر ... رطب زمردها ند عقيانها
بل من زمرد والعقيان الى ادون الخرز -
ياغُصنا من يسبج رطب ... أصبح منك الدر في كرب
وما يزيدك استيقانا بسوء أبي القاسم لأبي تمام انه قال في قوله -
فكل كسوف في الدرارى شنعة ... ولكنه في الشمس والبدر أشنع
كسوف الكواكب ان يسترها كوكب فلكه دونها ولا يتفقده الا المنجمون فليست فيه شنعة لان الشنعة تكون فيما عمت رؤيته - وقد جعلخ ابو تمام فيها شنهة وفى النيرين اشنع وقد علمت ان معنى الشنعة ها هنا وهو الاستنكار بالاستبداد والخسوف والكسوف والخسوف مستعملان فيما يغشى النيرين من ذهاب نور بعضهما او كليهما في المحاق والامتلاء لايتفقان معا الا في وقت انتقاض البنية كما قال تعالى (فإذا برق البصر وخسف القمر - وجمع الشمس والقمر) ومن وصف ذلك بالكسوف في كليهما فانه متحرف من الأشباه مع الخسوف الكائن مع بعض الزلازل - وأما في الكواكب فالقمر يسترها كستره الشمس فيجوز ان يسمى كسفا لها لان حرمته وقد يمكن ان يكون قليل النور فيفنيها في السواد وإما بعضها مع البعض فليس يعرض فيه انسلاخ نور بل اتحاد - ورسم المنجمين ان يسموه كسوفا لها الستر والناحذيه أليق - وأبو تمام ذكر ذلك على عادة هذه الفرقة وبسبب ان ذلك غير متفق الا في الأحايين المتراخية لايفطن لها الجمهور فظنتهم لاتفاقه في النيرين لأنه اظهر واثبت وأمرهما الى القلوب اقرب إذ هما آتيا الليل والنهار وكسوفهما وقت لإقامة عبادة معينة كالصلاة المكتوبة في كل يوم وليلة عند طلوع الفجر ومغيب الشفق وزوال الشمس وغروبها فالحقوق الى صلاة الكسوف يزيد العامة فزعا وجزعا وخاصة إذا انضاف إلى ذلك همز القصاص وهذيان المنجمين في صنوف دلالتهما في العلية والسفلة وليس ينفك الناس بين الخاص والعام والشمس عندهم دليل الأكابر والقمر دليل الأصاغر وأبو تمام مظلوم جدا من أبي القاسم في اكثر الامر -
صفات اللآلئ وألقابها عند الجوهريين

(1/53)

فأما أسماء عند أصحاب الجواهر فأكثرها مقولة على وجه التشبيه ولهذا تختلف عند الأمم باختلاف الأمكنة والأزمنة اعني عند الطوائف والقرون ولهذا أعرضنا عن أسماء الكندي لأقسامها - اللؤلؤ بالهندية مُتى ولهم ملك هذا اسمه مشهور وله فتوح ونكايات في الترك المصاقبين لكشمير - فمن أنواع اللؤلؤ المدحرج ويعرف بالعيون ولا يوحد فيقال عين كما لا تجمع العين في الذهب فيقال له عيون وكانت من استدارة المقلة فان حسن لونه وكثر ماؤه وبريقه سموه نجما وخوش آب - ومنها المستطيل المتشابه الطرفين بالاستدارة وتشبه ببعر الغنم فيقال له بالفارسية بشكي وربما بشه بالزيتونة فقيل زيتوني وربما قيل خايه ديس أي مثل البيضة - ومنها الغلامي المستدير القاعدة المستوى الاحاطة الحادة الرأس كأنه مخروط قاعدته بعض كرة والذى يشبه المقلانس والدنى ومنها الفلكي بالفارسية بادريسكى فان فلكه المغزل هي باديسة - ومنها الفوفلى المسطح القاعدة المقبب الإحاطة العليا كالفوفل والمقاعد هو المقبب - ومنها اللوزى والشعيرى المستدق الطرفين وبالفارسية جودانه اى حبة الشعير - والمضرس غير المحدد وجه الشكل لاعوجاج به بالنواتى والأغوار - والقلزمى نسبة الى بحر القلزم واكثره يكون مضرسا مضطربا - ويوجد فى السرنديبى مضرس كأنه عدة حبات قد ألصقت فاتحدت حبة والمضطمر فيه اضطمار - وانشد (للراعى) -
تلألأت الثريا فاستنارت ... تلألؤ لؤلؤ فيه اضطمار
جعلها لؤلؤا وهى لآلئ ستة كما جعلها العرب نجما واحدا وهى ستة انجم واضطمارها ان شطرها الجنوبي من كوكبين والشمالي أربعة فلا يتعادلان ولكن الشمال يفضل فيخرج نحو المشرق ويبقى ما يحاذيه من الجنوب مضطمرا - ومنها المزنر ويسمى كمربشت أي المنطق وظنه قوم كمربشت اى المعوج الظهر وهو الذى اضطماره في وسطه كأنه شد بزنار يحيط به وهذا النوع مما يزاد فيه الاحتياط في المبايعة لئلا يكون مطبقا من قشرى لؤلؤتين متساويتين موصولتين مكتومتى الجوف بجص معجون يغذى الجبن الذي لا يذوب في الماء أو دهن السند روس وذلك لأن اللؤلؤ يشابه البصل في التفافه طبقا عن طبق وربما عمل من قشر الصدف الداخل اذا اهتدى لتليينه وتقشيره بالحديدة الحادة وتثقبت بالآلة التى ثقبت بها الصاغة قطعتي الجمانة - وقيل من اللآلئ ما يصنع من الطلق المتهيء بتكرير الحلب اذا قرن بالزئبق المصعد وعجن بغرى الجبن وموه في خلال الطبيعي المشاكل اياه باللون والقدر وهذا من التمويه اقرب الى الكون من الاشتغال فيه بحل اللؤلؤ في الخل المصعد وحماض الاترج - فان محصوله ما عرض لي وهو إني كنت طلبت من بعض الجحيج أدوية وحوائجفي جملتها لآلئ صغار للمعاجين المقوية للقلب - فسأل بائعها ببغداد عن طالبها فوصفني الرجل له وسبق الى اللؤلؤي أنى أريدها لهذا الباب فأخرج إليه بندقتين لم أشبه لونهما إلا بلون بعر البعير وقال قل له يعنيني أني ورثت من أبي مالا جما وأنفقته في عمل اللآلئ فكان قصار اى منه هاتين فلا تضيع عمرك ومالك فيما ضيعته أنا والسلام - ولقد يكتب على وجوه الاصداف وغيرها من مشابهيها البحرية بالشمع ما يراد ان يبقى ناتئا بارزا ويترك ما يراد ان ينقعر وينحط منها ثم يلقى في خل ثقيف فيه نوشاذر في ذلك اياما ثم يخرج وقد تأكل منها ما بيته فسفل وبقى ما عليه الشمع عاليا ناتئا - وأظن ان حماض الاترج سيكون ابلغ فعلا اذا خلط به النوشاذر - ومن اللآلئ ما سيمى خشك آب وهى الصينية المنسوبة الى بلد قتاى وهى كمدة اللون يضرب بياضها الى الجصية لا ماء لها ولا كثير رونق فيها مخايل الحصى ولهذا سمى خشك آب بازاء خوش آب وقيمتها منحطة عن قيم غيرها ويظن الناس انها مصنوعة حتى ان الامير الشهيد السعيد مسعود واجه بذلك أحد جلابيبها فضجر الرجل وقشر بالسكين من احدى الحبات قشرا وقال - هكذا يكون المعمول باليد - وليس هذا من قول الرجل وفعله بحجة تنفى هذه الدعوة فمن اقتدر على عمل اللؤلؤ يعجز عن تطبيقه أطباقا تنقشر اولا فأولا

(1/54)

وفى القلزمي من هذه القتائية مشابه في اللون بزيادة معائب فيها من التآكل والرصاصية والسواد - وقال الأخوان - انه يتفق في الاحايين في القلزميات درة خوشاب وانهما اشتريا هناك لؤلؤا غلاميا كذالك فى وزن ثلث وربع مثقال - وقد ذكره حمزة اسماء اصناف الللآلئ شاهوا رأى الملكى وهو أشرفها وأسراها وخوشه يراد بها الكبير بمعنى انها حبة واحدة إلا إنها كالسنبلة المؤلفة من عدة حبات ويوشك ان يكون المضرس الشبيه بالمتركب من عدة حبات - ودرامرواريد وهو آرامرواريد وفيهم مرواريد صغاره - ودهرم مرواريد وهو اكبرها وعرب على الدرة - ولأن شرف مادة الكواكب غير معلومة الا للخواص ونفاسة هذه الجواهر ظاهرة للعوام فانالكوكب البراق العظيم الجثة يشبه بالدرة وينسب عليها بالكوكب الدري في بعض القراءات ولولا العرف والعادة دون التحقيق لقد كان الدركوكبى اولى من الكوكب الدرى كما سموه نجما وتعرف العرب انه نزل القرآن حتى يتبين الخطاب للمخاطب - قال ابو تمام -
لآلئ كالنجوم الزهر قد لبست ... أبشارها صدف الاحسان لاالصدفا
وذكر نصر من أصناف اللآلئ المتأخرة عن الخالصة - الرصاصي اللون وان منها ما يضرب بياضه الى الصفرة فيسمى تبنيا - ومنه على لون الشمس وهو الياسمين فيسمى سمينا - ومنه ما يشبه اللبن فيسمى شير بام وهذه التعابير تلحقه في الصدف واذا قل الماء وقرب من حر الشمس حتى احترقت كاحتراق بشرة الإنسان وبدنه فيتغير اللؤلؤ لذلك - ومنه لون يكون في بحر سرنديب قد خالط بياضه حمرة فيسمى ورديا - وكم رأيت أنا من الآلئ ما لمم تتميز عن النحاس في اللون - وذكر نصر من فواسد الآلئ نوعا يسمى شرابا وهي حبة تتمايز قشرتها وبداخلهما هواء يبسهما فإذا نقعت في الماء عادت القشرتان الى انضمام وهو غش لأن الريح ضربتهما مدة عادتا الى حالهما من التجافي وظهر الغش - ذكر في الاشباه نوعا سماه شبه عليه قشر رقيق وداخله طين لايمكث كثيرا ويفسد منها ما بياضه مع قليل حمرة ورقا وسرع بطلانه - وذكر الكندي منها الكروش وهو جلد واحد يحوى ماء وقشورا سودا اذا ثقب خرج منها الماء وحشى مكانه بالمصطكى -
قيم الآلئ
الرسم في اعتبار اوزان الآلئ هو بالمثاقيل وفي أثمانها بدالنانير النيسابورية والقياس على حباتها المدحرجة المعروفة بالنجم والعيون - وقد ذكر الاخوان ان قيمة النجم إذا اتزن مثقالا ألف دينار وان قيمة ما يتزن نصف وثلث مثقال ثماني مائة دينار والثلث خمسون والربع عشرون والسدس خمسة والثمن ثلاثة ونصف السدس دينار واحد - والغلامي من الدر على نصف من ثمن النجم كما قال الكندي ان قيمة الخايدانه نصف قيمة المدحرج إذا كان بوزنه وقيمة المزنر نصف عشر قيمة المدحرج اذا توازنا - قال، وقيمة المثقال من سائر الأشكال عشرة دنانير - وكان النجم المطلق يتخلف بعمان والبحرين فقد قالا إن النجم البحريني إذا تدحرج وبلغ غايته من محاسن الصفات ولتزن نصف مثقال فهو درة وقيمتها ألف دينار وليس لما بلغ مثقالين منها قيمة بالحقيقية فاجعلها ما شئت ولا حرج - والذي قال الكندي في الخايه بيس المستوى الطرفين المدورهما كأنه مدحرج طويل قليلا فأما الذى يتدير أحد طرفيه ويحتد الأخر وهو المقعد فانه ينحط في القيمة عن ذلك الخايه بيس وكانت اليتيمة ثلاثة مثاقيل وسميت يتيمة لذهاب صدفها قبل ايلاد أخت لها ويسمى أيضا مثلها فريدا إذا عدمت نظيرتها فاضطر إلى تصييرها واسطة العقد وسميت القلادة - وقال غيرهما في القيم والأوزان على ان القياس بالمدحرج والتسعير بالبحرين أن ما اتزن سدس مثقال فقيمته من دينارين إلى ثلاثة - والثلث مثقال من أثنى عشر الى عشرين والنصف من ثلاثين إلى خمسين والثلثين إلى سبعين والمتزن نصف وثلث مثقال إلى مائة والمثقال الى مائتين ويزداد بعده لكل دانق في الوزن مائة في الثمن الى ان يبلغ مثقالا ونصفا ثم يصير يفاضل الثمن في دانق خمسمائة دينار وإذا بلغ مثقالين بالفين والثلاثة ثلاثة وهذا ظلم فانه يجب ان يكون اكثر

(1/55)

قال - والوهلكى رصاصي اللون وقيمته بمكة بدنانير مغربية الدانق ديناران والدانقين عشرة - وربما يوجد في القلزمى لآلئ كبار فان سلمت عن التآكل والانثقاب كانت قيمة ما يتزن ثلاثة مثاقيل ستمائة دينار فان بلغ العشرة فاقت القيمة واستتمام كل ثمن - واما قيمة الآلئ في ايام عبد الملك من المروانية في الثبت الذى وجدته وقد عمل فيه على ان الدانق قيراطان ونصف والدرهم احد وعشرون قيراطا - وقد جدولت ما ذكر على اضطراب واقع في المبين ومن على سوى الحكاية واما اختلاف الاقاويل فانى فيها حاك لها وجامع متبددها لإراحة طالبها - وهذه صفة الجدول - (الدر الخالص المستدير والمستطيل الذى لاعيب فيه) وقد اختلف على أوزان الآلئ اختلافا فزال عن الضبط ولم اقف على سببه أهو من المنشأ ام من جهة الاجواف الغائبة عن الحس المعرضة للمكن كونه احدوثة من الآفات الذى كاد أن يستقر عليه الأمر في كبارها بالقياس إلى أكهب الياقوت الذي جعلنا مائته أصلا وهو خمسة وستون وثلث وربع والاصداف اثنان وستون وثلاثة أخماس - وقال أبو دواد الايادى -
درة غاص عليها تاجر ... خُلّيت عزيز يوم ظِلّ
فالتاجر هو الآمر أجراءه بالغوص القيم بالامر دون الغواص فان جرايته كل يوم مناطحين بربع منا تمر سواؤ أحتشت أصدافه دررا او خلت ولم يخرج الا لحما ونسبة الغوص إلى التأجر كما نسبة الزراعة الى رب الضيعة دون الاكار وان كان الفعل له - والعزيز كبير القوم فليس يرغب في الدرر الا مثله من أرباب النعم - فان قيل انه اراد ملك مصر فانه لقب ملوكهم كان وجها بعيدا وعلى بعده ركيكا وأراد بيوم الظل انقطاع الشمس عنها ووقوع الظل عليها لأن الشمس اذا أشرقت عليها نصق رونقها في المنظر وكانت كسراج في ضحى وانما يستبين حسنها في الظل كما تستبين الأشياء بأضدادها - ولكل قوم من المتحرفين في حرفهم مواضع وأوقات لعرض سلعهم وما يفعلونه من ذلك ضرب من الغش والتمويه - وقد قيل يوم طل غير معجم ونزول الطل يكون بالليل ثم يرتفع بالغداة ولا يمنع الشمس عن الإشراق بل يزيدها ضياء بتصفية الهواء وترطيبه وإذا المقصود غيبة الشمس فان مطر السحاب السائر لها اذا نفض عن الرش لم يمتنع مانع عن تشبيهه بالطل - وقال عمر بن احمر -
وما ألواح درة هِبرِقىّ ... جلا عنها مختما الكنونا
يلففها بديباج وخزّ ... ليجلوها وتأتلق العيونا
يعنى ما لاح من الدرة عند كشف الغطاء عنها فإنما أضافها الى الصائغ لأنه يزاول الجواهر ويصوغ الجمان عند من يراه من الفضة - وقال حسان بن ثابت -
فلانت أحسن إذ برزت لنا ... يوم الخروج بساحة القصر
من درة أغلى بها ملك ... مما تربب حائر البحر
حال الثقب في اللآلئ
إذا كان جدوى الجواهر هو التزين بها واكثر ذلك بالتعليق من بعض الأعضاء والشد على بعض وذلك غير متأت إلا بالثقب فيه يدخل السلك في الخرز والسمط في الدرر وبعدم الثقب لا يكاد يحصل حسن النظام وجمال التأليف كما إن كونه في طون الاصداف يقطع الانتفاع به حتى يخرج - وإذا ثقبت اللآلئ قيل لها مثاقيب على وزن مملوك ومماليك - وقال ابو الفرج بن هندو -
وما قيمة الدر الثمين وقدره ... ولم تنكسر أصدافه ويفصِل
وقال أيضا -
والدر يحسن في نحر الكعاب ولا ... تبدو محاسنه ما ضمنه الصدف
وقال ابن الرومى -
قلَّ ما يوجد الفضائل إلا ... في خفاف الرجال دون الثقال
ينظم الدر في السلوك ويأبى ... عزة الدر نظمه في الحبال

(1/56)

فأما ما في كتاب الطب في استعمال اللؤلؤ غير المثقوب في المعاجين وفى الاكحال وليس سيتعمل فيها مسحوقا فالثقب بعض السحق فان الغرض فيه هو الاحتراز من التسميم في الثقب ودفع المضرة عن الاحشاء والعين فانهما يعالجان به والصغار والكبار فى هذا سيان ولكن الصغار تقصد ارخص الاثمان فالاحتياط فيها ان يجتنب عادة الجوهريين فانهم لاينظرون اليه ولا الى شيء من الجواهر الا بعد ادخاله الفم وتنقيه بعد البل بالكم - ومن السموم ما يتلف قليله بل ريحه فلذلك ينبغى ان لايدخل الفم منها شيء الا بعد انعام الغسل وترديد الخيط المسلوك في ثقبته حتى ينتقى وقيل في الحن بن علي عليهما السلام انه كان خص ببصارة في الجواهر فكانت تدفع اليه ليقومها وانه سم في سم منها كما سم غيره بجند من جنود اللذه قدامه بمثله من السم - وقد قالوا ان اللآلئ بعد استحكامها واستخراجها من البحر على خطر من حدوث فساد فيها ان كان فى الاصل فى ضمنها من عفونة وتأكل ودود أو طارئ عليها من انكسار فى الثقب وتمز قشر ولهذا لاتجترئ العارفون بقيمتها على توالى ثقبها اذا كانت مثمنة وإنما يرمون بها الى التلامذة الجاهلين بأقدارها فيستمرون بجراءة فيها على العمل لاترتعش ايديهم من الأحداث لأنه إذا فشل حدث فى الثقب تناثر بل ربما صفعوهم ليشتغلوا بالبكاء عن التفكر وإنما إذا ثقبت زال ذلك الخطر ووقف على ما فى داخلها وأنعشت الحرارة المولدة لتلك العفونة بتلك الثقبة المطرقة للهواء إليه كما يزول الضرس عن السن اذا انثقب او نقب فوجدت الحرارة الفاعلة للورم في اللحم بين شعبه متنفسا بل ربما سكن الوجع لساعته بقلعه لمثله ولسيلان الدم الفاسد من اقرب مواضعه - ومدار الامر في جئ اللآلئ واكثر إعمالها على التلاميذ كما ذكرنا في الثقب قال لبيد -
فالماء يجلو متونهن كما ... تجلوا التلاميذ لؤلؤا قَشِبا
إصلاح فواسد اللآلئ

(1/57)

الفساد إلى الحيوان أسرع منه الى النبات والى النبات أسرع منه الى الجماد وذلك بقدر الرطوبة والعفونة بها اشد تشبثا اذا عجزت الحرارة عن اجرائها عن المجارى الطبيعية النافذة لعوارض العفونة واللؤلؤ جزء من الحيوان وشبيه فيه بالعظام فتقادم الزمان فيه يغيره عن لونه ويقربه من الدم والنحر ولإصلاح الحادث من ذلك في نفس المادة إلا من جهة إنشائها أول مرة فانه قادر على أعادتها الى ما كانت عليه - وأما من جهة الخلق فان عندهم كضعف الشيخوخة الذى لايرتجى معه العود الى الشبيبة - فأما التغير في اللون فمتى كان فيه كالشيب في الشعر لم يطمع في تغييره الا بمثل الخضاب الذى هو تمويه فيه - ومتى كان عارضا من حالة خارجة طارئة كالوسخ والعرق والبخارات والادهان وروائح العطر كان أجود علاجها التقشير وازالة الطبقة تاعليا الفاسدة عنه وقد قيل ان اللؤلؤ إذا كان حار الملمس من بين اخواته دل على دوة فيه وربما كانت سبب تأكله في اول مرة وليس بعجيب في الشعر واللحم والعظام ان تتدوّد وتتسوّس وتتأكل - وبمثل ما استدل عليه أياس بن معاوية على كون حية تحت آجره في فرش البيت اذ كانت اسخن من سائرها من غير سبب من خاج مسخن اياها - وربما اصابت اللؤلؤ آفات في جوف الصدف من فساد مرعاه وهو الحمأة كالذى يوجد فى القلزمى من الرمل الممارج اياه مستحجرا معه - وربما كان في جوفه ماؤ منتن فيثقب اليه ويخرج حتى يخلو ثم يحشو بالمصطكى وانما جاد العمانى بطيب المرعى والهواء وفضل العمق في الماء - وهذا الباب النقصود فيما بلغناه شبيه بما عليه اصحاب الكيميا لا شاهد عليه سوى الامتحان ولا دليل يؤدى الى غير التجربة ولم نتفرع لشيء منه ولا اعتمدنا مخبريه فانهم ينفسون عليه ويقصدون الغش في اخفائه وخاصة فقد أشاروا في اكثر ما اوردوه في الستعمال النار وهى مفسدة للعظام مكلسة لها فان كان بافراطها فلكل جزء حصته من ذلك - وقد شوهد من فعلها باللآلئ في بيوت الاصنام التي أحرقها الغزاة بحدودين انه ما يحسن الجبان من استعمال النيران وكان دلهرا صاحبها المأسور في يد الامير يمين الدولة راسله بأن هؤلاء المجانين يخسرونك فى الجواهر بما يعظم مقداره فارفعا ثم خلهم والاحراق - فلم يلتفت الى قوله اصرار كعادته كانت في المحالفة كان بعد همود النيران يفتش رمادها فيوجد فيه الحبات الكبار النفيسة كأنها خرطت من طباشير ولم يوجد مما ينتفع به الا ما احمر من الياقوت - وقيل إن العرب تسمى اللؤلؤ عاجا لان العاج عندهم مما يتحلى به - وقال اعرابى -
وماء عميرة من يد حالبة ... كالعاج صفرتها الاكنان والطيب
وما أظنه عنى اللؤلؤ لان اللؤلؤ ممدوح بالاكنان وأنما عنى العاج نفسه وهو يصفر كما يصفر اللؤلؤ بما ذكروا من رسمهم ورسم الهند ان يعلموا لنسائهم من العاج أسورة دقائق متفاضلة فى السعة والضيق بحسب حلقة المعصم ويسمونه وقفا - قال النابغة الجعدى -
كوقف العاج مسّ ذكىّ مسك ... يجيء به من اليمن التِجار

(1/58)

ومن حق مثل هذا الفن الذي لاتثق بع الأعراض عنه لولا ما يرجى فيه من إمكان انتفاع المخزون - قال نصر، إذا ذهب ماء اللؤلؤ وكدر فينبغي أن يودع الآلية المشروحة وتلف الآلية في عجين مختمر ويجعل في كوز ويحمى على النار فاذا اخرج دهن بالطافور - وقالوا في مثلها اذا دفنت في دقيق من الأرز وتركت اياما عادت ما ذهب منها - وكذلك إذا عولجت بمخ العظام وعصارة البطيخ - وقالوا في تبييض الفاسد من اللآلئ بلقي في خل ثقيف مع قيراط نوشادر وحبتين تنكار وحبة بورق وثلاث حبات قلى مسحوقة ويغلى في مغرفة حديد نعما ثم ترفع المغرفة عن النار وتوضع في ماء بارد وتدلك فيه بملح أندرانى ثم يغسل بالماء وهذا بوهم انه يقشر طبقته العليا أو وجهها - قالوا، وان كان التغير من قبل روائح الطيب فليجعل من قدح مطين فيه صابون ونورة غير مطفأة وملح أندرانى اجزاء سواء ويصب عليه ماء عذب وخل خمر وبغلى بنار لينة ولا تزال تلعق رغوة الصابون ويرمى بها الى ان تنقطع ويصفو ما في القدح ثم يخرج اللؤلؤ ويغسله وقالوا في الذى اصفر او اسود انه يوضع على قطنة ويغرق في كافور رياحى ثم يصير فى كرباس ويعلق فى زئبق خالص ويوضع الانا، على نار فحم لينة بمقدار ما يعد مائة وخمسين على رسل ثم ينحى عن النار حتى يبرد ويحذر عليه الريح وان احوج الى المعاودة عةةد - فان كان السواد في اديمه ينقع في لبن التين اربعين يوما ثم قلب الى قدح فيه محلب وخروع وكافور جزء جزء ووضع على نار فحم ساعتين من غير ان ينفخ عليها ثم ينحنى - وان كان السواد في داخله طلى بشمع وجعل في قدح مع حماض الاترج واديم خضخضته وابدل الحماض كل ثلاثة ايام الى ان ينيض - وان كان اصفر والصفرة في اديمه نقع في لبن التين اربعين يوما ثم قلب الى قدح فيه صابون وقلى وبورق بالسوية وفعل ما فعل به فيما تقدم في نظيره من السواد - وان كان الصفرة في داخله جعل في محلب وسمسم وكافور متساوية الاجزاء مدقوقا حتى يصير فيها غريقا ولف فوقه عجين ثم وضع في مغرفة حديد وصب عليه من دهنالاكارع ما يغمره وأغلى بنار لينة غليتين ثم اجرج - وان كان احمرا غلى في لبن حليب ثم طلى باشنان فارسي وكافور وشب يمان اجزاء سواء معجونة بعد انعام الدق بلبن حليب طليا ثخينا واودع جوف عجين قد عجن بلبن حليب وخبز في التنور - وان كان رصاصي اللون نقع في حماض الاترج ثلاثة ايام ثم غسل بماء البيض وحفظ من الريح -
ذكر مائية المرجان
قد قيل في المرجان انه بلغة اهل اليمن مأخوذ من مرجت اي خلطت لأنه حب من الجوهر مختلطة وهذه علة لا تفصل الدر من المرجان والعرف العامى فيه هو البسذ الذى هو نبات بحرى - وليس لمن مال الى ذلك شاهد غير العادة وتخريج بعسد وخيالات من الاقاويل مثل ما في كتاب اويباسيوس ان المسك ينفع من الهم والفزع والحزن واوجاع القلب اذا كان معه لؤلؤ غير مثقوب ومرجان وافيون وعسل وزعفران - وربما كان صاحب الكتاب ذكر البسذ في لغته ثم جرى المتوهم على رسم العامة فعبر عنه بالمرجان - والمرجان هو صغار اللآلئ ثم يجيء في الشعر ما يشهد له ويجيء فيه ما يشهد عليه وفى تردد بعضها على المسامع نزهة وجلاء للاذهان - قال أبو العلاء السروى -
واسمطرت احداقنا فتبادرت ... فى جريها بدم ودمع سابق
كالدر والمرجان ينظم دائما ... في العقد بين قلائد ومخانق
فإذا قام الدر والمرجان بازاء الدمع والدم غشى المعنى بشبه من البسذ وربما أراد أبو العلاء التتالى والاتصال دون الالوان - قال عبد الملك الحارثى -
وفصلن مرجانا بدرّ كأنما ... تخلل فى أجيادها البّرد الجمرا
وهذا المرجان ان حمل على صغار اللآلئ لم يستقم لأن صغار اللؤلؤ لايفصل بكباره وان فعل لم يحمد ولم يمدح اذ الصغار رذالة والاقتصار عليها من عوز الكبار فانهانما يفصل لبكبار بصغاره يشتمل البصر على المفصول - وقال الصنوبرى -
كأن أشجاره قد ألبست حللا ... خضرا وقد كللت دررا ومرجانا
فالزهر الأبيض لا يخلص عن حمرة يتقمع به او يتوسط النور فيميل الرأى في المرجان هاهنا الى البسذ - وقال أبو حية -
إذا هن ساقطن الحديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من كف ناظم

(1/59)



فالبسذ هو متحجر فهو من الحصى واللؤلؤ عظيم لاحجر - ولقد يجوز ان يسمى اللءلء حصاة لقرب الجوار اذ كان قرناؤه من الاحجار ولأن اجناس الزينة من المعدنيات اكثر على ان اللؤلؤ والصدف متجانسان والصدف وامثاله يسمى في الكتب خزفا وهو حجر صناعى رذل - قال أبو نواس -
يا لؤلؤا يتلالأ في حمرة العقيان
وقوله
ومكلل بالدر والمرجان ... كالورد بين شقائق النعمان
فيظن ان الدرة البيضاء مزينة في النظم بين الاحمرين اعنى الياقوت والبسذ وهو نظم متفاوت خسيس وانما صغار اللآلئ فيما بين كل درة والياقوتتين المحتفتين فاصلة بينهما متباعدة فتتلألأ في صقالتها حمرة الياقوت وتشابه حمرة العقيان - وقال ذو الرمة -
كأن عرى المرجان منها تعلقت ... على ام خشف من ظباء المشافر
وليس يعمل اللؤلؤ عرى فضلا لصغاره وانما يثقب البسذ على عرضه فيخيا انه معلق بعروة - بل ربما لم يكن مثقوبا فعمل من فضة او ذهب قميعه وعروة - ومما ينص في المرجان انه لؤلؤ لابسذ قول الأخطل -
كأنما القطر مرجان يساقطه ... اذا علا الروق والمتنين والكفلا
وواجب أن نعدل الى ذكر البحار فإنها أماكن الدر والمرجان وبالاحاطة يزداد بما نحن فيه وضوحا -
في ذكر البحر واليم
قال أصحاب اللغة في البحر انه الماء الكثير المجتمع الذي لا يسيل واعتمد على بن عيسى فيه الكثرة وقال - ان العرب تسمى الماء الملح والماء العذب بحرا اذا كثر - ومنه قوله تعالى (مرج البحرين) يعنى العذب والمالح - وقال حسان -
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحرى لاتكدره الدلاء
والدلاء لا تدلى في البحر ولكن فى البئر ولكن ذكر البحر هاهنا افخم واعتمد ابو حنبفة الدينورى فيه السعة حتى قال - ان البحار من الارضين هى الواسعة الواحد بحر - قال كثيّر يصف سيلا -
يغادر صرعى من رءاك وتنضب ... وزرقا بأجوار البحار يغادر
اي الغدران بماء - قال فان ماء المطر اسحر اذا كان حديثا فاذا صفا صار ازرق - وفى ديوان الادب - ان البحر سمى ىستبحاره اى انبساطه - وقيل - ان البحر هو المجرى الواسع الكثير الماء ويقع من جهة الكثرة على ماء معين بالاضافة ويزول عنه بها مثاله ان نهر النيل بحر بالاضافة الى خليج او ساقية وليس ببحر عند بحر الشام فانه بالاضافة الى البحر المحيط خليج - وقد يقع اسم اليم على نيل مصر بسبب ان ارض مصر مانت بحر ثم نضب الماء عنها بالانكباس وبقى فيها خلجان سبع وذلك معروف في كتب الاوائل - وقالوا ايضا في البحر - انه من ابحر الماء اذا ملح وماء بحر أى ملح ومياه البحار ملاح - قال نصيب -
وقد عاد ماء الارض بحرا فزادنى ... الى مرضى ان ابحر المشرب العذب
وقيل سمى بحر البعد قعره وانشقاق الارض وانخفاض وجهها بعمقه - ومنه البحيرة التى شقت اذنها بعد خمسة ابطن وكذلك التبحر في العلم إذا شقه إلى الجانب الآخر وإنما سمى لتغير مائه بالغلظ والكدورة - يقال دم باحر وبحرانى إذا كان ثخيناً أسود - وقالوا في لج البحر، هو الذي لا ترى حافتاه من وسطه لعظمه وكثرة مائه - وقيل، ان اللجة تسمى شرما وكذلك البحر شؤم لأنه قطع من الأرض موضعه والشرم والبحر هو القطع -
تمنيت من حبي لعلوه أننا ... على رمث في الشرف ليس لنا وفر

(1/60)

وإما اليم فقد قال فيه الخليل انه البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه وهو لجته - يقال يم الساحل إذا طما عليه البحر فعلاه - ولا خلاف في ان اليم هو البحر وهذا اسمه بالسريانى - ولكن التنزيل نطق به بخلاف قول الخليل ووقع فيه على كل ماء مجتمع - قال الله تعالى (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) وغرق فرعون كان في البحر الأحمر الآن بمدينة القلزم التي على منتهى لسانه والعبرانيون يعرفونه ببحر سوف أي البردي كأنه كان ينبته في ضحضاح اللسان وعرضه هناك بين يقصر عن وصف الخليل - وقال تعالى (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) - وذلك بالضرورة هو إما نهر النيل وإما احد خلجانها المفضية إلى عين شمس مستقر فرعون - وليس يخفي على من وقف على احد شاطئ النيل ما في الشط الآخر منه وقال تعلى حكاية عن موسى عليه السلام (لنحرِقنَّه ثم لننسفنَّه في اليّم نسفا) - وكان ذلك في مفازة التيه وغير ممكن ان يكون فيها بحر او بحيرة او بطيحة بل هو إما نقيعة نزلوا عليها مجتمع ماءها من سيول الامطار وإما حوض ممتلئ من الماء المتبجس من الأحجار وعلى اتجاه البحر واليم على موضع واحد في التنزيل وفي - الأخبار غاير العجاج بينهما وقال (كباذخ البحر دهاه اليم - فهذا ما قال أصحاب اللغة في البحر وتحديده وهم بها ابصر - وإما حقيقة تجمع مياه تسيل إليها الانهار الجارية على الأرض ولا يسيل منه إليها شيء إلا على وجه العرض عند المد والجزر وذلك الماء غليظ بممازجة الأجزاء الأرضية إياه وعلى غلظة زعاق قد جاوز الملوحة إلى المرارة ورأى قوم في اسمه انه القطع من جهة أخرى وهو الحكم أعنى البحران في الأمراض الحادة التى تقطع الحكم في أيامها على ما يؤول اليه حال المريض وان مصارفها توارى اسباب الجزر والمد اليومين والشهرين في البحار فالحكم فيهما عليهما يقطع وإقبالهما وأدبارهما لصنوف المصالح متوقع - والله الموفق -
في ذكر اوقات الغوص
قال الكندي في ذلك، انه من أول نيسان إلى آخر أيلول والشمس تقطع في هذه المدة من نصف الحمل إلى نصف الميزان - وقال نصر، الغوص ستة اشهر من النيروز إلى المهرحان وهو تلك المدة بعينها إلا انه حداولها وآخرها بالشهور الفارسية التي لا تثبت مع سنة الشمس ولاتطابقها - وكأنها عنيا ربعي الربيع والصيف وقد قلنا ان بحر فارس يسكن فيها وانه إذا اهتاج قطع الغوص وعلى هذا القياس يجب ان ينقطع الغوص في ربعى الخريف والشتاء عن المغاصات التي في بحر الهند - إما غيرهما ممن حضر بحر فارس وشاهد العمل فانهم يقولون ان مدة الغوص شهران في صميم الحر وحمارة القيظ لأنه يعتدل فيما حال الماء في القرار ثم يتردد في باقيهما ويتكدر - وقالوا - ان ماء الانهار يقل في الشتاء فينزر مقدار ما يدخل البحر الفارسي ولهذا بقل ويصفو في أواخر الربيع وأوائل الصيف وحينئذ يكون الغوص ثم إذا حمى الهواء ومدت الأنهار تكدر منها ماء البحر وتعذر إمساك النفس فيه فانقطع الغوص - وهذا ما يصدق قول يشوع بخت مطران فارس ان اختلاس النفس مدة يعسر على الغواصين في الماء العذب ولا يعسر عليهم في المالح -
ذكر كيفية الغوص
هذا إذا رمنا تنسمه من أشعار العرب سمعنا منها قول المخبل السعدى
أعطى بها ثمنا وجاء بها ... شخت العظام كأنه سهم
بلبانه زيت وأخرجها ... من ذى غوارب وسطها اللُخم
يقول اشتريت هذه الدرة بثمن وافر من غواص خفيف بدقة عظامه قد جعل الزيت على صدره لتجفيف الشمس والماء المالح اياه وأخرجها من بحر متموج من أعاليها اللخم - وقد قالوا في اللخم - انه ضرب من السمك خبيث له ذنب طويل يضرب به ويسمى جمل البحر - وهذا بما قال فيه الشاعر أليق لانطباق اهوال البحر فيه إلى الخطر في المغاص - قال ابن احمر -
رأى من جريها الغواص هولا ... هر اكلة وحيتانا ونونا
وأسلم نفسه عضنِداً عليها ... وكان بنفسه حينا ضنينا
الهر كل الضخم من كل شيء وعندا غضبان - وقال العجاج -
او كغناثى العوا ذى عظم ... ذى واسقات تترامى اللخم

(1/61)

قال الفراء للخم هى الضفادع - وقال أبو العباس العمانى اللخم بالفارسية فيشواز وهو غير مؤذ والمؤذى خرست وهو المعروف بالكوسج - وقالوا في صفة الكوسج انه سبع الماء رأسه كرأس الأسد وأجراؤه في بطنه يلدها من فيه وأسنانه لثنا عشر صفا وأسنان التمساح صفان فقط ويسميه البحريون حزر - وذكر الأجراء دليل على الاذن فالمشهور أن كل صلماء بيوض وكل شرفاء ولود - وقال أبو الحسن البرنجى في كناشه ان الكوسج سمكة سوداء محدبة الظهر غير مفلسة أسنانها كالمنشار إذا عضت انقلبت ودارت دوران الرحى حتى تفصل العضو من الانسان وغيره وإذا كان اللخم غير مؤذ لم يفد ذكره في الشعر - وحديث الزيت يتكرر في شعرهم على وجوه - قال المتلمس وقيل المسيب خال الاعشى -
كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر
اشغى يمج الزيت ملتمس ... ظمآن ملتهف من الفقر
قتلت أباه فقال أتبعه ... أو أستفيد رغيبة الدهر
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدرى
فأصاب منيته وجاء بها ... صدفية كمضيئة الجمر
يعطَى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبه ألا تشري
قال الأصمعي الأشغى الأفواه الذي انتشرت أسنانه - ثم قال هو أبو عبيد القاسم ابن سلام انه يصف غواصا يمسك الزيت في فيه فإذا غاص نفخه في الماء فاضاء له البحر حتى يبصر - وعلى مثله جرى القطامى يصف الغوص والغواص فقال -
او درة من هجان الدر أدركها ... مصفَّر من رجال الهند قد سهما
أو في على ظهر مسحاج يقدّ به ... غوارب الماء قد ألفينه قُدُما
جوفاء مطلية قارا إذا جَمحت ... بها غواربه قَحّمنها قُحَما
حتى إذا السفن كانت فَوق معتلج ... ألفي المعاوز عنه ثَمتّ انكتما
في ذى جلول يقضى الموت صاحبه ... إذا الصوارى من أهواله ارتسما
غَّواصُ ماء يمج الزيتَ منغمسا ... إذا الغُمورة كانت فوقه قِيما
حتى تناولها والموت كاربه ... في جوف ساج سوادِىّ إذا قُخِما

(1/62)