( و ما هو الافضل في الاكثار ذكر صلا تعلم أو قاري )

اشتمل البيت على سؤال واحد و هو ما هو الأفضل لطالب الآخرة , الاكثار من ذكر لا اله الا الله , أو من صلاة النافلة المطلقة , أو الاشتغال بالعلم الشرعي تعليمه و تعلمه , أو قراءة القرآن و تلاوته و به تمام ثمانية و عشرين سؤالا . و قوله صلا أي صلاة , فان الصلا وسط الظهر منا و من كل ذي أربعة أو ما عن يمين الذنب و يساره , و هما صلوان (قاموس) . قيل الصلاة مأخوذة من تحريكهما عليه , فهو اصل لها و جائز في النظم أن ترد الأشياء الى أصولها . الفصل الثامن و العشرون : في تالجواب على قوله و ما هو الأفضل لطالب الآخرة . هل الاكثار من ذكر لا اله الا الله , أو الاكثار من الصلاة النافلة المطلقة , أو الاكثار من قراءة القرآن و تلاوته , أو الاكثار من قراءة العلم الشرعي تعلما و تعليما . اعلم أنه قال الامام زين الدين في الجوهر الخاص أن جميع ما ذكر في هذا السؤال أعمال تتوقف على العلم , اذ هو رأس العمل . فمن ثم كان الأفضل للمكلف أن يتعلم من العلم ما لا يسعه جهله , و هذا القدر فرض عليه . و ما ذكر في السؤال نوافل و الفرض افضل من النافلة و لحديث الآتي ذكره , و قال صلى الله عليه و سلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " . ثم بعد العلم لا يخلو طالب الآخرة اما أن يريد العمل بأفضل العمال , فالأفضل من الأعمال بعد الايمان , كما قال امامنا الشافعي رحمه الله تعالى ,الصلاة فرضا و نفلا لحديث " ما تقرب الي عبدي بشيء أحب الي مما افترضته عليه مازال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه , فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها , و ان سألني لأعطينه و ان استعاذني لأعيذنه , و ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت و أنا أكره مسائته " . و قال الامام أحمد رحمه الله تعالى : " لا شيء بعد فرائض الاعيان أفضل من العلم و الجهاد , و الأفضل الأذكار من القرآن , سيما اذا كان في الصلاة . و أما ان يريد سلوك طريق الصوفية فالأفضل له في مذهبهم الاكثار من الذكر بعد تعلمه ما لا يسعه جهله من العلم , فان الله تعالى أمر بذلك فقال : " يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا " , الآية . و قد ورد في كتاب الترمذي و ابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه , قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : أفضل الذكر لا اله الا الله " , و قال الترمدي حديث حسن . و قد أجمع المشائخ المرشدون على أنه ما سلك المريد طريقا أصح و أوضح من الذكر , فينبغي للسلك أن لا يشتغل بشيء سواه ما عدى الفرائض و السنن , و ما للمحب شأن أشرف و أعلى من الاشتغال بذكر محبوبه على رجاء وصله و مشاهدة جماله , حتى قال الغزالي في الاحياء : " و يمنع الشيخ المريد من تكثير الأوراد الظاهرة بليقتصر على الفرائض و الرواتب و يكون ورده وردا واحدا و هو لب الأوراد و ثمرتها , أعني ملازمة القلب لذكر الله تعالى بعد الخاو عن ذكر الغير حتى يشتغل به لسانه و قلبه فيجلس مثلا و يقول الله الله , و لا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان و تكون الكلمة كأنها حادثة على اللسان من غير تحريك , ثم لا يزال يواظب عليها حتى يسقط الأثر عن اللسان و تبقى صورة اللفظ في القلب . ثم لا يزال كذلك حتى تنمحي من القلب حروف اللفظ و صورته , و تبقى حقيقة معناها لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ القلب عن كل ما سواها , لأن القلب اذا اشتغل بشيء خلا عن غيره . فاذا اشتغل اللسان أولا بذكر الله تعالى فبالمواظبة عليه يسكن في القلب , فيلشتغل بذكر الله تعالى , فاذا اشتغل به كان هذا هو المقصود . فمن ثم لم يخل القلب لا محالة عن ذكر الله تعالى , و عند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب و الخواطر التي تتعلق بالدنيا , ما يتذكر فيمكا مضى في أحواله و احوال غيره
, فانه مهما اشتغل بشيء منه و لو في لحظة , خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة و كان نقصانا , فليجتهد في دفع ذلك . ثم قال : (فائدة) لبعض المحققين و هي أن النصف الأول من كلمة التوحيد لتطييب الأسرار و تنزيهها , و النصف الثاني لتنوير القلب . و الأول فناء و الثاني بقاء , و الول انفصال عن ما سوى الحق و الثاني اتصال بالحق . و الأول اشارة الى قوله " ففروا الى الله جميعا " , و الثاني اشارة الى قوله تعالى " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " . (منزع ) " يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا " . يا نداء من الحبيب للحبيب , و أيها تنبيه من الحبيب للحبيب , و الذين اشارة من الحبيب للحبيب , و اذكروا الله أمر من الحبيب للحبيب . و الذكر الكثير باللسان أ، لا يذكر مع الله تعالى غيره . و الذكر الكثير من القلب أن لا يفتر على المشاهدة و لا يغفل عن الحضرة بحال , و قيل في المعنى :
الله يعلم أني لست أذكره و كيف أذكر شيئا لست أنساه
قلت و اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في العلم الذي يجب أولا في قوله صلى الله عليه و سلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " , الخ . قيل علم الحال و قيل علم الحلال و الحرام , و قيل علم التوحيد , و قيل علم السر , و قيل علم الخواطر , و قيل علم غير ذلك . قال الامام حجة الاسلام أبو حامد الغزالي في كتابه منهاج العابدين : " فاعلم أن العلوم التي في الجملة فرض طلبها ثلاثة : علم التوحيد , و علم السر , أعني به ما يتعلق بالقلب و مساعيه و علم الشريعة . و أما حد ما يجب من كل منها , فالذي يتعين فرضه من علم التوحيد ما تعرف به أصول الدين , و هو أن لك الاها عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا واحدا لا شريك له , متصفا بصفات الكمال , منزها عن دلالة الحدوث , منفردا بالقدم على كل محدث , و أن محمدا صلى الله عليه و سلم عبده و رسوله الصادق فيما جاء به عن الله تعالى و في ما ورد على لسانه من أمور الآخرة , ثم مسائل في شعائر السنة يجب معرفتها . و اياك أن تبتدع في دين الله تعالى ما لم يرد به كتاب و لا أثر , فتكون مع الله تعالى على أعظم خطر . و جميع أدلة التوحيد موجودة , أصلها في كتاب الله عز و جل , و قد ذكرها شيوخنا رحمهم الله تعالى في كتبهم التي صنفوها في أصول الديانات و على الجملة كل ما لا يؤمن الهلاك مع جهله من العلوم فطلبه فرض لا يسوغ تركه . و أما الذي يتعين فرضه من علم السر فمعرفة مواجبه و مناهيه حتى يحصل لك تعظيم الله تعالى و الاخلاص له في النية و سلامة العمل . مواجبه كالتوكل و التفويض و الرضا و الصبر و التوبة و غير ذلك . و مناهيه هي أضدادها كالسخط و الرياء و الامل و الكبر و العجب و غيرها . و أما ما يلزم من علم الشريعة , فكلما يتعين عليك فرض فعله وجب عليك تعلمه لتؤديه كالطهارة و الصلاة و الصيام , أما الحج و الجهاد و الزكاة ان تعين عليك وجب عليك عمله تؤديه و الا فلا . فهذا ما يلزم العبد تحصيله من العلم لا محالة , و يتعين فرضه بحيث لا بد له من ذلك " , انتهى و الله أعلم . ثم قال عفا الله تعالى نه :

( هل اكتساب مع لزوم الواجب و ما هو الترتيب في الأفضليات )

اشتمل البيت على سؤالين , الأول , هل الاكتساب و القيام على من يلزمه مؤنته مع القيام بالواجبات أفضل أم التوكل و ترك ذلك و الاشتغال بأحد الأمور المتقدم ذكرها قبله . الثاني , و ما هو الترتيب في الافضل من الاعمال , و ما يجب تقديمه على غيره منها لطالب الآخرة و بهذين السؤالين تمام ثلاثين سؤالا . قوله هل اكتساب افضل مع لزوم واجبات منها القيام على من تلزمه مؤنته , أم توكل واشتغال بالعبادة . الفصل التاسع و العشرون : في الجواب على قوله هل الاكتساب افضل أم التوكل الخ , اعلم أنه قال الامام زين الدين رحمه الله تعالى في كتابه الجوهر الخاص في أجوبة كلمة الاخلاص , الاكتساب لأجل ما ذكر واجب , لقوله صلى الله عليه و سلم : " كفى بالمرء اثما أن يضيع من يعول " , و في رواية " من يقوت " , مع أنه يحتاج الى العلم . كما قال العلماء , المتسبب يحتاج الى شيئين , علم و تقوى . فالعلم يعرف به الحرام و الحلال , و التقوى تصرفه عن ارتكاب الآثام و الضلال . و روي عن الامام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال : " الافضل من
الاسترزاق الكسب بالحرف و الصنائع و الزراعة و التجارة و نحو ذلك , دون السؤال . و عند بعض الصوفية الكسب بالسؤال أقوى في كسر النفس من الكسب . بما ذكر وحده تحصيل الكفاية التي تقوم به و بمن تلزمه نفقته أو الكفاف , فانه صلى الله عليه و سلم قال : " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا " , و من ثم عد الكسب من الرخص في مذهبهم , و ان تعين في حق المبتلى بالعيال و الأولاد و من يجب القيام عليهم , لأن التجرد و التسبب ليسا رتبة واحدة عندهم , و لن يجعل الله تعالى من تفرغ لعبادته و شغل أوقاته كالمتداخل في الاسباب و لو كان فيها متقيا . اذ المتجرد و المتسبب و ان استويا في مقام المعرفة بالله تعالى , فالمتجرد أفضل و ما هو فيه أعلى و أكمل , اذ مثلهما كعبدين لمالك قال لأحدهما اعمل و كل من كسبك , و قال للآخر الزم أنت خدمتي و حضرتي و أنا أقوم لك بما تريد , فلا مزية أن هذا قدره عند المالك أجل و صنعه بتلك الغاية أدل , و ان لم يستويا في المعرفة . فالمريد المتجرد كالمسافر المتجرد ينهض في سيره الى قطع المسافات البعيدة , يمد السير دون المسافر المثقل , فلا يصح له ذلك . و المراد بالرخصة في مذهب الصوفية الرجوع عن حقيقة العلم الى ظاهره , و يعدون ذلك نقصا في حالهم و الانحطاط الى الظاهر عن درجة الحقيقة من سوء الادب عند بعضهم و الله اعلم . قلت , و قد قال العلامة الجلال السيوطي في اتمام الدراية : " و فضل قوم التوكل على الاكتساب بالاعراض عن أسبابه اعتمادا للقلب على الرب تعالى . و عكس قوم ففضلوا الاكتساب على تركه و فضل آخرون باختلاف الأحوال . فمن يكن في توكله لا يسخط عند ضيق الرزق عليه و لا يطلع الى سؤال أحد من الخلق , فالتوكل في حقه أفضل لما فيه من الصبر و المجاهدة للنفس . و من يكون في توكله بخلاف ما ذكر فالاكتساب في حقه أفضل حذرا من السخط و التطلع " , ثم قال : " و المختار عندي أنه لا ينافي التوكل , بل يكون مكتسبا متوكلا بأن يرضى بما قسم له و لا يتطلع الى أكثر منه . و قد قال عمر رضي الله تعالى عنه لقوم قعدوا و ادعوا التوكل , " بل أنتم المتواكلون , انما المتوكل الذي يلقي بذره في الأرض و يتوكل " , رواه البيهقي . و في رسالة الامام القشيري عن سهل ابن عبد الله رحمهما الله تعالى , التوكل حال النبي صلى الله عليه و سلم و الكسب سنته . فمن قوي على حاله فلا يتركن سنته . و يقرب من ذلك حديث " أدع ناقتي و أتوكل , فقال عليه السلام , اعقلها و توكل " . ولا ينافي التوكل أيضا ادخار قوت سنة , فقد كان صلى الله عليه وسلم يدخر قوت عياله سنة كما في الصحيحين , و هو سيد المتوكلين . و كل من الخلق أقامه الله تعالى على ما يريد سبحانه من الحالة التي هو عليها من كسب و ترك و علم و عمل وارتفاع و انخفاض و غير ذلك لانتظام الوجود , اذ لو ترك الناس كلهم الكسب لتعطلت المصالح و المعايش و تفاوتت المراتب في الدنيا و الآخرة , لا راد لقضائه بالدفع و لا معقب لحكمه بالنقض سبحانه و تعالى , انتهى و الله أعلم . قوله , و ما هو الترتيب في الأفضليات , أي و ما ترتيب الأفضلية في ما تقدم في قوله وما هو الأفضل في الاكثار , ذكر صلا تعلم أو قاري . يعني ما يجب تقديمه أولا من الأعمال , و ما يكون بعده على الترتيب الخ . الفصل الثلاثون : في الجواب على قوله أي السائل , وما ترتيب الأفضلية الخ , اعلم أنه قال الامام العارف بالله تعالى زين الدين في كتابه الجوهر الخاص في الجواب على هذا السؤال , يأخذ مما تقدم في الجواب قبل هذا , أن علم ما لا يسع المكلف جهله أفضل اذ هو الأصل و العمل فرع , و لا يصح فرع بدون أصل , يعضد ذلك ما أخرجه تقي الدين بن مخلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص , أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بمجلسين أحدهما يدعون الله تعالى و يرغبون اليه , و الآخر يعلمون العلم و يتعلمونه , فقال صلى اله عليه و سلم : " كلا المجلسين على خير و أحدهما أفضل من الآخر " , يريد مجلس العلم و الله أعلم . و قد علم أيضا مما تقدم أن القرآن أفضل الأذكار , و ان كان المفضول قد يكون أفضل في بعض الاحوال باعتبار آخر و هذا متفق عليه , و لم ينازع في ذلك الا بعض المتأخرين , حيث جعل الذكر أفضل , اما مطلقا أو في بعض الخواص كما يقوله الغزالي رحمه الله تعالى , أو في حق المبتدء و هو أقرب . فان المفضول قد يكون أفضل في بعض الأزمان و الاشخاص كالقراءة في الركوع , فانها تكره تعظيما و تشريفا أن يقرأ القرآن في حالة الخضوع , و هو الذل . كما كره أن يقرأمع الجنابة و الله أعلم " , انتهى كلامه . فلت , لم يستوعب بهذا الجواب من السؤال المراد , لكن لا ينبغي لمثلنا عليه اعتراض كما قال سيدي قاسم بن غانم في معارضته للشيخ سيدي علي النوري في تحريم الدخان :
و لم أرض خلف الشيخ حبا و هيبة فما رؤية الزرقا كرؤية أرمد
الخ . و الغريب في ترتيب الأفضليات ما ذكره العلامة العارف بالله تعالى الجلال في خاتمة شرحه اتمام الدراية على النقاية في فن الت . قال رحمه الله تعالى : " العلم أس العمل , فلا يصح عمل بدونه . وهو أي العمل ثمرة العلم , فلا ينفع علم بلا عمل بل يضر . و قليل العمل مع العلم خير من كثيره مع الجهل . لأن من عمل بلا علم ففساده أكثر من صلاحه . فمن ثم كان العلم كما قال الامام الشافعي , رضي الله عنه , أفضل من صلاة النافلة لأنه فرض عين أو كفاية . و الفرض أفضل من النفل لحديث : " و ما تقرب الي عبدي بشيء أحب الي مما افترضته عليه " , الخ كما تقدم , رواه البخاري . و قال صلى الله عليه وسلم : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " . و قال عليه السلام : " لفقيه واحد أشد على الشيطان من لف عابد " , رواهما الترمذي و غيره . و قال عليه السلام : " فضل العلم أحب الي من فضل العبادة " , رواه الحاكم , و في لفظ عند الطبراني " قليل العلم خير من كثير العبادة " . و كفى بالمرء فقها اذا عبد الله و كفى بالمرء جهلا اذا أعجب برأيه . و كان صلى الله عليه و سلم يدعو : " اللهم اني أعوذ بك من علم لا ينفع " , رواه الحاكم و غيره . و قال عليه السلام كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة الا من عمل به " , رواه الطبراني . و أفضل العلم أصول الدين , لتوقف أصل الايمان و كماله عليه . فالتفسير لتعلقه بكلام الله تعالى , أشرف الكلام , فالحديث لتعلقه بكلامه صلى الله عليه و سلم , فالأصول فالفقه , فالآلات من النحو و اللغة و المعاني و غيرها على حسبها , أي قدر الحاجة اليها , فالطب لأنه من فروض الكفاية . و الصلاة أفضل من الطواف و سائر العبادات على الأصح , لحديث " خير أعمالكم الصلاة " , رواه الحاكم و غيره . و الطواف أفضل من غيره من العبادات حتى من العمرة . روى الأزرقي أن أنس بن مالك قدم المدينة , فركب اليه عمر بن عبد العزيز , فسأله الطواف أفضل أم العمرة فقال : " الطواف و النفل بالبيت أفضل من خارجه , حتى من مسجد مكة و المدينة , لحديث الصحيحين : " ياأيها الناس صلوا في بيوتكم فان أفضل صلاة المرء في بيته الا المكتوبة " , و نفل الليل أفضل من نفل النهار , لحديث مسلم : " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة اليل ثم وسطه " , أي الثلث الاوسط أفضل من طرفيه . فآخره أفضل من أوله و هو ما بعد الوسط . سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم , أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة , فقال : " جوف اليل " , رواه مسلم . و قال عليه السلام : " أحب الصلاة الى الله تعالى صلاة داوود , كان ينام نصف اليل و يقوم ثلثه و ينام سدسه " . و قال عليه السلام : "ينزل ربنا كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث اليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له , من يسألني فأعطيه , من يستغفرني فاغفر له " , رواهما الشيخان . و القرآن أفضل من سائر الذكر , للحديث الآتي , و هما أي القرآن و الذكر أفضل من الدعاء , حيث لم يشرع لما روى الترمذي و حسنه عن أبي سعسد الخذري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , يقول الرب تبارك و تعالى , " من شغله القرآن و ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " , و فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه " . و في لفظ في مسند البزار , يقول الله تعالى : " من شغله قراءة القرآن عن دعاءي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين " . و روى البيهقي حديث " قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة , و قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح و التكبير . أما الدعاء حيث شرع و كذا الذكر فهو فهو أفضل اتباعا , و حرف تدبر خير من حرفي غيره . قال تعالى : " كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته " . و قال تعالى : " ورتل القرآن ترتيلا " . و روى أبو عبيدة عن أبي حمزه , قال : " قلت لابن عباس اني سريع القراءة , فقال : لان أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها و أرتلها , أحب الي من أن أقرأ القرآن أجمع هدرمة " . و روى أصحاب السنن الأربع حديث : " لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " . و روى البخاري عن أنس , قال : " كانت قراءة النبي صلى لله عليه وسلم مدى " . و روى أبو داوود و الترمذي و النسائي عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم , قراءة مفسرة حرفا حرفا . و القراءة بالمصحف أفضل منها على ظهر قلب , لأن النظر فيه عبادة , حتى كره جماعة من السلف أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه . و روى أبو عبيدة حديث فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرأ مظهرا , كفضل الفريضة على النافلة , و اسناده ضعيف . و روى " أعطوا أعينكم حظها من العبادة , قالوا وما هو , قال النظر في المصحف ".
و فيه بسند صحيح موقوف على ابن مسعود : " أديموا النظر في المصحف " . و الجهر افضل من السر حيث لا رياء , فان نفعه متعدد للسامعين . أما اذا خاف الرياء فالاسرار أفضل , و غليه يحمل حديث الترمدي : " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة , و السر بالقرآن كالمسر بالصدقة " . و السكوت أفضل من التكلم و لو استوت مصلحتهما الا في حق . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل كلام ابن آدم عليه لا له الا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى " . و قال عليه السلام تكثروا الكلام بغير ذكر الله , فان الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب و ان أبعد الناس من الله القلب القاسي , و مخالطة الناس و تحمل أذاهم أفضل من اعتزالهم " . قال عليه الصلاة و السلام : " المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس و لا يصبر على أذاهم " , رواه الشيخان في الادب , و هو أفضل أي الاعتزال حيث خاف الفتنة في دينه بموافقتهم على ما هم عليه , يحمل عليه حديث عقبة : " واليسعك بيتك " , الخ . و روى ابن ابي الدنيا في كتاب العزلة , حيث " أن أعجب الناس الي رجل يؤمن بالله و رسولهو يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة و يفر بماله و يحفظ دينه و يعتزل الناس " . و روى البيهقي في الزهد من حديث أبي هريرة مرفوعا : " يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه , الا من هرب بدينه من شاهق الى شاهق و من حجر الى حجر . فاذا كان ذلك الزمان لم تنل المعيشة الا بسخط الله تعالى . فاذا كان ذلك كذلك كان هلاك الرجل على يد زوجته و ولده . فان لم يكن له زوجة و لا ولد كان هلاكه على يدي أبويه , فان لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي قرابته أو الجيران " , قالوا : " كيف ذلك يا رسول الله " , قال : " يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه , و الكفاف أفضل من الفقر و الغنى " . قال عليه السلام : " أفلح من أسلم و رزق كفافا و قنعه الله بما رزقه " . و قال عليه السلام : " طوبى لمن هدي للاسلام و كان عيشه كفافا و قنع " . روى الاول مسلم و روى الثاني الترمذي . و قيل الفقر مع الصبر أفضل لما في الصحيحين : " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مائة عام " . و قيل الغنى مع الشكر أفضل لحديث الصحيحين : " ذهب أصحاب الدثور بالأجور " , الخ , انتهى و الله أعلم . فهذه نبذة من ترتيب الأفضليات تومى الى قوله و ما هو الترتيب في الأفضليات . ثم قال عفا الله تعالى عنه:

( و هل ما بعد مغرب و فجر سن احياؤه و أي فيهما حسن )

اشتمل البيت على سؤالين . الاول , هل احياء ما بين المغرب و العشاء و ما بين الفجر و طلوع الشمس سنة أم لا . السؤال الثاني , ما هو الأفضل فيما بين المغرب و العشاء من الاشتغال بالصلاة أو بقراءة القرآن أو الذكر أو التسبيح أو غيرهما , و فيما بعد صلاة الصبح بالذكر أو بالقرآن أو مطالعة الكتب الشرعية أو تعلمها و تعليمها أو غير ذلك , مما فيه نفع في الدارين . و زاد هنا سؤالا ثالثا و هو , و هل تكره القراءة بعد العصر أم لا , و لكن ذكره استطرادا , و حديث لم يعقد له بابا في الأصل لم نعقد له فصلا في النظم تبعا له . و بتمام السؤالين المذكورين في النظم ما عدى الثالث , بلغت اثنان و ثلاثون سؤالا . قوله و هل ما بعد مغرب و فجر سن احياؤه , أي وهل ما بعد مغرب الى العشاء , وما بعد فجر الى طلوع الشمس سنة احياء هذين الوقتين أم لا . الفصل الحادي و الثلاثون : في الجواب على قوله و هل يسن احياء ما بين المغرب و العشاء و ما بين الفجر و الطلوع أم لا الخ . اعلم أنه قال الامام زين الدين رحمه الله تعالى في كتابه الجوهر الخاص : " نعم انه سنة فيما ذكر لما ورد فيه من الأحاديث الآتي ذكرها ان شاء الله تعالى , انتهى كلامه و الله أعلم . قلت أما احياء ما بين المغرب و العشاء , فقد بالغ الصوفية رضي الله عنهم و أكدوا في المحافظة على تعمير هدا الوقت و حذروا و نهوا عن الكلام المباح فيه فضلا عن المكروه و خلاف الأول حتى قال بعضهم : " كلما تكلم العبد كلمة فيه الا خرج من قلبه نور و نزل مكانه ظلام , و هكذا حتى يمتلأ قلبه ظلاما و هو لا يشعر . فليحذر المريد الطالب طريق الآخرة من الكلام فيه و أن يعمره بما يأتي ان شاء الله تعالى في الفصل الثاني و الثلاثين , و لعله و الله أعلم ليحصل له الحضور في صلاة العتمة , لأنها خاتمة صلاة يومه , و الأمور تعتبر بخواتمها , و لأنه , أي الوقت المذكور احياؤه و تعميره وسيلة لها , و من ضيع الحضور في الوسائل لا يستطيعه في المقاصد , و من ذلك شرطوا الحضور في الوضوء ليستعان به على الحضور في الصلاة كما ذكرهفي العوارف . قلت , و اذا حصل له حضور و خشوع في صلاة , كان و الله أعلم كمن صلاها في جماعة , لما ورد في الأخبار أن العبد اذا قام الى الصلاة رفع الله تعالى الحجاب بينه و بينه و واجهه بوجهه الكريم , و قامت الملائكة من لدن منكبيه الى الهوى يصلون بصلاته و يؤمنون على دعائه . و أن المصلي لينشر عليه من البر من عنان السماء الى مفرق رأسه و يناديه منادي لو علم المصلي من يناجي ما التفت أو ما انفتل , الخ . هذا ما لم يسرق من صلاته , لقولهم : " أقبح السرقة سرقة المصلي من صلاته " , و هو أن يلتفت قلبه الى غير ما هو بصدده . و قد قال عليه الصلاة و السلام : " تفضل صلاة الجماعة صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة " , و خصوصا اذا وافق ليلة القدر , فانها تنتقل على الصحيح في جميع ليالي السنة خلافا لمن حصرها في افراد النصف الاخير من رمضان , أو في العشر الأواسط , أو في العشر الأواخر منه أو في ليلة السابع و العشرين منه , أو ليلة النصف من شعبان أيضا . أقوال و الصحيح ما ذكرناه , قاله سيدي عبد الله بن أبي جمرة نفعنا الله تعالى به آمين . و قد قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه : " من شهد العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر , و ليلة القدر كما قال تعالى خير من ألف شهر , و مبلغها ثلاثون ألفا من الايام و ثلاثون ألفا من الليالي , و مجموعها ستون ألفا من الدهر , أوزعنا الله تعالى شكر نعمه و جعلنا من أهلها و أعاننا عليها بمنه آمين . و لهذا ينبغي للمريد الطالب طريق الآخرة أن لا يتقاصر عن نيتها كل ليلة , أو ينويها أي ينوي قيامها أول ليلة من السنة فيقول ان كانت الليلة ليلة قدر فأنا أقومها ايمانا و احتسابا , و ينوي أن يفعل ذلك في ليالي السنة , ثم يستصحب قيام ليالي تلك السنة كلها بناء على كفاية نية واحدة في العمل المتتابع كالصوم في رمضان و هو مذهب مالك رضي الله عنه لقوله عليه الصلاة و السلام : " من قام ليلة القدر ايمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " , رواه البخاري من حديث أبي هريرة . قوله ايمانا يعني لما جاء فيها من الثواب , و احتسابا يعني ثوابه عند الله تعالى . فخرج من قامها عادة أو مباهاة أو مستأجرا أو غيره , قاله الشيخ زروق . و اختلف في قيام ليلة القدر هل الليل كله أو بعضه , و اذا كان بعضه هل أوله و هو ما بعد صلاة العشاء كالتراويح , و تسمى قيام رمضان , أو آخره و هو ما بعد النوم و يسمى التهجد , الصحيح الاخير عندي . يصح الاول لما نقل الواحدي في قوله تعالى " و الذين يبيتون لربهم سجدا و قياما " . قال : " و ذكر الكلبي عن ابن عباس أنه قال : " من صلى ركعتين بعد العشاء فقد بات لله ساجدا و قائما " . و اختلف هل يجزي غير الصلاة من أنواع العبادات في قيام هذه الليلة من الدكر و التلاوة أو المراقبة أو غيرها . الظاهر أنه يجزي لكن ذكر العلامة الولي العارف بالله تعالى سيدي عبد الله ابن أبي جمرة , أن الصلاة هي المطلوبة في قيام هذه الليلة , و لا يجزي غيرها عنها من أفعال البر آخذا من قول سعيد بن المسيب : " من صلى العشاء في جماعة " , الخ , كما تقدم . واختلف أيضا في القدر المجزي منها , أي من الصلاة لتحصيل ثوابها المذكور في اللآية و الحديث على أقوال , و الصحيح نهايته قيام النبي صلى الله عليه وسلم بما ثبت عنه من الاحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعات على اختلاف الروايات , و أنه لم يزد عليها في رمضان و لا في غيره , بدليل أنه عليه الصلاة و السلام , لا يأخذ في حق نفسه المكرمة الا بالأعلى و الأرجح . و أقل ما يجزي فيها ركعتان , لقوله عليه الصلاة و السلام : " من قام بالآيتين من آخر سورة البقرة " , و في رواية , " من آخر سورة آل عمران , كفتاه " , أي أجزتاه عن قيام الليل . و اختلف فيمن صلى أقل من ركعتين هل يحصل له فضلها كله أم بعض . الصحيح أنه يصح له بعض لقول سعيد بن المسيب : " فقد أخذ بحظه منها " , كما تقدم , و هو على قول من يجوز التنفل بركعة , خلافا للحنفية . و أما احياء ما بين الفجر و طلوع الشمس فلا تخفى سنية احياء هذا الوقت على من له أدنى ممارسة بكتب الشريعة و رسائل أهل الصوفية , لما جاء في ذلك من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و الصحف الابراهيمية , كما سيأتي بعده ان شاء الله تعالى في الفصل الرابع و الثلاثين منها ما ورد , و مما أنزل الله تعالى في صحف ابراهيم عليه السلام . و على العاقل أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه . قال الشيخ زروق : " هي من السحر الى طلوع الشمس " . و ساعة يحاسب فيها نفسه , قال : " و هي من العصر الى الغروب " , الخ , فلا نطيل به . و قوله تعالى : " و اذكر اسم ربك بكرة و أصيلا " , الآية . قالوا , البكرة من طلوع الفجر الى حلول النافلة . و قال له الصلاة و السلام : " واستعينوا بالغدوة و الروحة و بشيء من الدلجة " , الخ . و كذلك قوله تعالى في الحديث القدسي : " اذكرني ساعة بعد العصر " , الخ . فالغدوة و ساعة بعد الصبح هو من الفجر الى الشمس و الله أعلم . و كثير مما لا يحصى من اللآيات و الأحاديث الدالة على سنية احياء هذا الوقت تركناها اختصارا , و الله تعالى الموفق للصواب . قوله و أي فيهما حسن , الضمير في قوله فيهما عائد على ما بين المغرب و العشاء , و ما بين الفجر و طلوع الشمس . كأنه يقول , فاذا ثبت سنية احياء هذين الوقتين , أي عمل من أعمال البر يحسن تعميرهما به , و هو السؤال الثاني و الثلاثون على الكلمة المشرفة . الفصل الثاني و الثلاثون : في الجواب على قوله ما هو الافضل فيما بين المغرب و العشاء , الاشتغال بالصلاة أو بقراءة القرآن أو الذكر أو التسبيح أو غيرهما . و فيما بعد صلاة الصبح , أبالذكر أو بالقرآن أو مطالعة الكتب الشرعية أو تعلمهما أو تعليمهما أو غير ذلك مما فيه نفع في الدارين , بل في الدين , و هل تكره القراءة بعد العصر أم لا . اعلم أنه قال الامام العالم العارف بالله تعالى , زين الدين رحمه الله تعالى , في الجوهر الخاص , قال الامام النووي , رمه الله تعالى , في الأذكار : " روى بن السمني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها , أن النبي صلى الله عليه و سلم كان اذا انصرف من صلاة المغرب يدخل فيصلي ركعتين ثم يقول فيما يدعو: " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ". و في غير الأذكار قال أنه صلى الله عليه و سلم كان يصلي بين المغرب و العشاء ست ركعات . و روى السلمي عن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى بعد المغرب ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل " قل هو الله أحد " أربعين مرة , صافحته الملائكة يوم القيامة و أمن الصراط و الحساب و الميزان " . ففي هذا دليل على أن الصلاة في هذا الوقت أفضل , الا أنه ورد ما يدل على أن الذكر فيه أفضل . ففي الترمذي عن عمارة بن شبيب قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قال لا اله الا الله وحده لا شريك , له
الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيء قدير عشر مرخات اثر صلاة المغرب , بعث الله تعالى مسلحة يكفلونه من الشيطان حتى يصبح , و كتب الله له عشر حسنات موجبات و محى عنه عشر سيئات موبقات و كانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات " . لكن قال الترمذي لا نعرف لعمارة بن شبيب سماعا من النبي صلى الله عليه و سلم . و في كتابه عمل اليوم و الليلة من طريقين , أحدهما هذا , و الثاني عن عمارة عن رجل من الأنصار , قال ابن عساكر أن هذا الثاني هو الصواب . و قوله مسلحة هو الحرس , انتهى كلامه . قال في القاموس , المسلحة بالفتح هم االقوم ذوو السلاح . قلت , و ذكر الامام العارف بالله تعالى أبو الحسن علي الخروبي في شرحه على أصول الشيخ أحمد زروق رحمهما الله تعالى , و اختار المشائخ , رحمهم الله تعالى و نفعنا بهم آمين , في هذا الوقت الى صلاة العشاء الأخيرة النافلة , لأنه وقت غفلة و من شاء ذكر الله تعالى فليفعل , و كذلك الصلاة على سيدنا و مولانا محمد صلى الله عليه و سلم . و من كان له عيال أو أولاد و أراد أن يعلمهم ما يجب عليهم من أمور دينهم , فذلك أفضل الأعمال و أعظمها ثوابا عند الله تعالى . و ذكر الامام العالكم الجامع بين الحقيقة و الشريعة , العارف بالله تعالى الخوافي في رسالته الوصية في صرف الأوقات لما يليق بها , قال : " في هذا الوقت و هو بعد المغرب الى العشاء , يأتى بسنتي المغرب ثم يصلي لبقاء الايمان , يقرأ في كل ركعة منها بعد الفاتحة آية الكرسي مرة و الاخلاص مرة , و المعوذتين كل واحدة منهما مرتين , ثم اذا سلم يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم عشر مرات , ثم يدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات : " اللهم أستودعك ديني و ايماني فاحفظهما علي في حياتي و عند وفاتي و بعد مماتي " , ليثبته الله تعالى على الايمان و يأمنه من النزع و الخذلان . قال كذا أفاده شيخنا قدس سره . ثم اذا كان طالب العلم يشتغل فيما بين العشائين بالمطالعة و التكرار و لا يتكلم في هذا الوقت فان الكلام فيه يكدر القلب و يذهب بنظارة الوقت , فلا يصفو الى آخر الليل . و زاد , قال : " و كذا فيما بعد العشاء الأخيرة لا يتكلم البتة , الا ذا عرض عارض شرعي فذلك لا يضره اذا كان مقتصرا على قدر الحاجة . قال , و ان لم يكن طالب علم فالأولى الاشتغال بذكر لا اله الا الله على الوصف الذي تقدم , فان الذكر في هذا الوقت يصفي قلبه عما طرأ عليه من الأمور الطبيعية في النهار فيتهيأ بالصفاء للحضور فيما يعمل بالليل الى آخره . و أما فيما بعد صلاة الصبح فالافضل الذكر لما روى الترمذي في كتابه عن أنس رضي الله تعالى عنه , أنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى الفجر في جماعة , ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس , ثم صلى ركعتين , كانت له كأجر حجة و عمرة " , ثلاثا . قال الترمذي حديث حسن . و أخرج البيهقي و ابن أبي الدنيا و الأصبهاني عن أنس رصي الله تعالى عنه , قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لان أجلس مع قوم يذكرون الله تعالى من بعد صلاة الصبح الى أن تطلع الشمس , أحب الي مما طلعت عليه الشمس . و لان أجلس مع قوم يذكرون الله تعالى بعد صلاة العصر الى أن تغيب الشمس , أحب الي من الدنيا و ما فيها " . و قال النووي رحمه الله تعالى في الاذكار في كتاب تلاوة القرآن : " و القراءة بين المغرب و العشاء محبوبة , و أما قراءة النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح , و لا تكره القراءة في وقت من الأوقات , و لو في وقت النهي عن الصلاة " . و أما ما حكاه ابن داوود رحمه الله تعالى عن معاذ بن أبي رفاعة رحمه الله تعالى عن مشائخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر , و قال انها دراسة اليهود . فغير مقبول و لا أصل له و الله أعلم , انتهى كلامه فان قلت انما قال صاحب الجوهر الخاص في الجواب على هذا السؤال و هو , ما الافضل من الأعمال فيما بعد المغرب و فيما بعد صلاة الصبح . و الأول العموم كما يفهم من النظم , و هو قوله و هل ما بعد مغرب , أي وقت الغروب , و فجر أي طلوع فجر , سن احيائه الخ , و هو مشعر بالتغاير . قلت لا تغاير بينهما , و يجاب عنه بجوابين : الأول على حذف مضاف تقديره في النظم و هل ما بعد مغرب أي صلاة سنة مغرب و فجر , أي سنة فجر . أما الفرض لا خلاف بأنه أفضل ما تحيى به أوقاته لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم : " و ما تقرب الي عبدي بشيء أحب الي مما افترضته عليه " , رواه البخاري و غيره . و الثاني أنه معلوم في الشرع ضرورة , لا أفضل من هذين الركعتين اللتين بعد المغرب و بعد طلوع الفجر . و هذا آكد , حتى قيل أن المشتغل بالفتيا يترك سائر السنن الا سنة الفجر . أما الأولى , لقوله صلى الله عليه وسلم : " من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد , يقرأ في الأولى بالحمد و قل يا أيها الكافرون , و في الركعة الثانية بالحمد و قل هو الله أحد , رج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها " , أخرجه ابن النجار في تاريخه من حديث أنس . دليل أفضلية الثانية و تأكيدها على الأولى ما رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها , قالت : " كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي و يدع , و لكن لم أره ترك الركعتين قبل صلاة الفجر في سفر و لا حضر , ولا صحة و لا سقم " . و قالت رضي الله تعالى عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم , لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر" , رواه الشيخان . و قال صلى الله عليه وسلم : " ركعتا الفجر أحب الي من الدنيا و ما فيها " , و في لفظ " خير من الدنيا و ما فيها " , رواه مسلم . فتعين من هذا المراد من احياء الوقتين ما بعد صلاتهما فرضا و نفلا , لكن بقي عليه أدعية هناك , ثبت أفضليتها في السنة , و اتخدها الصوفية وظائفا تقرأ بين سنة الفجر و فرضه , و لو لا خيفة الاطالة , لذكرنا منها نبدة , و من أراد شيئا منها فعليه برسالة الامام الخوافي نفعنا الله تعالى به , و كتاب عوارف المعارف و غيرهما . و رسائل شيخ شيوخنا سيدي مصطفى البكري نفعنا الله تعالى به , أغنت عن غيرها , لأنه رحمه الله تعالى جعل لكل وقت وظيفة , كحزب السحر و حزب الشروق و غيرهما , و لكن كان الاستاذ رحمه الله تعالى , يقول لا تليق بالمبتدء هذه , لا ينبغي له الا الاكثار من الاسم الذي لقنه الشيخ , فان السر و الفتح فيه , و يعبر عليه بالغذاء الذي تقوم به البنية . و غيره من الأذكار و الوظائف كالأبزار التي تكون على الطعام فلا تغني عن الطعام , كذلك الورد و الوظيفة . و مما أقر الشيخ رحمه الله تعالى التلاميذ من الأدعية التي تقرأ سنة , هو بعد أن يسلم يأتي بالاستغفار و الشهادة , و يقول آمنت بالله ربا و بالاسلام دينا و بالكعبة قبلة و بالقرآن اماما و بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا و رسولا , اللهم اني أصبحت أشهدك و أشهد حملة عرشك و ملائكتك و أنبيائك و كتبك و رسولك و جميع خلقك أنك أنت الله الذي لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك , و أ، محمدا عبدك و رسولك , أستغفرك و أتوب اليك , الحمد لله الذي نور قلبي و جعلني من المؤمنين و لم يجعلني ضالا , الحمد لله الذي خلقني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم , الحمد لله الذي لم يجعل رزقي على يد غيره , الحمد لله الذي غفر لي ذنوبي و ستر علي عيوبي , ثم يقرأ دعاء صحيفة القاضي عبد الوهاب , و هو " لا اله الا الله المعبود في كل مكان , لا اله الا الله الموجود في كل زمان , لا اله الا الله المذكور بكل لسان , لا اله الا الله المعروف يالاحسان , لا اله الا الله الحنان المنان لا اله الا الله ذو الجلال و الاكرام , لا اله الا الله كل يوم هو في شأن , لا اله الا الله أمان الأمان أعوذ بك من زوال الايمان و من الرجيم الشيطان ( ثلاثا ) , يا عزيز يا غفور يا رحمان يا رحيم " . أما هذا يأكد و يوصي به سائر التلاميذ بعد سنة الفجر , و بعد صلاة العصر (ثلاثا) تقرأ بعدهما , و زاد لبعض التلاميذ قراءة دعاء الخضر عليه السلام مع هذه الأدعية المذكورة بعدهما , و هو " اللهم اسبل لينا سترك و أدخلنا في مكنون غيبك و احجبنا من جميع خلقك , بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض و لا في السماء و هو السميع العليم , يا حفيظ يا حفيظ يا حفيظ احفظنا بما حفظت به أوليائك و استرنا بما سترت به عبادك الصالحين , يا حفيظ (ثلاثا) " . و اما المسبعات فهي من الورد , تقرأ الى نصف النهار و العصرية الى نصف الليل , و هي معلومة تحفظ من الفقراء في الطريقة الخلوتية . و انما ذكرت هذا لنعين ما ينبغي أن يكون عليه المريد في الطريقة المذكورة , و لو لا خشية الاطالة لذكرت ورد السحر و ورد الشروق و غيرهما , و لكن من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم , انتهى و الله أعلم . ثم قال عفا الله عنه :