الصفحة : 13
فصل في جملة ما يتكلم فيه في هذا العلم
فينبغي لنا في هذه الصناعة أن نعرف حال نسبة الشيء والموجودات إلى المقولات؛ وحال العدم؛ وحال الوجوب، أي الوجود الضروري وشرائطه؛ وحال الإمكان وحقيقته، وهو بعينه النظر في القوة والفعل؛ وأن ننظر في حال الذي بالذات والذي بالعرض؛ وفي الحق والباطل؛ وفي حال الجوهر، وكم أقسام هو، لأنه ليس يحتاج الموجود في ان يكون جوهراً موجوداً إلى أن يصير طبيعياً أو تعليمياً، فإن ههنا جواهر خارجة عنهما، فيجب أن نعرف حال الجوهر الذي هو كالهيولي، وأنه كيف هو، وهل هو مفارق أو غير مفارق، ومتفق النوع أو مختلف، وما نسبته إلى الصورة، أن الجوهر الصوري كيف هو، وهل هو أيضاً مفارق أو ليس بمفارق، وما حال المركب، وكيف حال كل واحد منهما عند الحدود، وكيف مناسبة ما بين الحدود والمحدودات. ولأن مقابل الجوهر بنوع ما هو العرض، فينبغي أن نتعرف في هذا العلم طبيعة العرض، وأصنافه، وكيفية الحدود التي تحد بها الأعراض، ونتعرف حال مقولة مقولة من الأعراض، وما أمكن فيه أن يظن أنه جوهر وليس بجوهر، فنبين عرضيته، ونعرف مراتب الجواهر كلها بعضها عن بعض في الوجود بحسب التقدم والتأخر، ونعرف كذلك حال الأعراض. ويليق بهذا الموضوع أن نتعرف حال الكلي والجزئي؛ والكل والجزء؛ وكيف وجود الطبائع الكلية، وهل لهاوجود في الأعيان الجزئية؛ وكيف وجودها في النفس، وهل لها وجود مفارق للأعيان والنفس. وهناك نتعرف حال الجنس والنوع، وما يجري مجراهما، ولأن الموجود لا يحتاج في كونه علة أو معلولاً إلى أن يكون طبيعياً أو تعليمياً أو غير ذلك. فبالحري أن نتبع ذلك الكلام في العلل، وأجناسها، وأحوالها، وأنها كيف ينبغي أن تكون الحال بينها وبين المعلولات، وفي تعريف الفرقان بين المبدأ الفاعلي، وبين غيره. وأن نتكلم في الفعل والإنفعال. وفي تعريف الفرقان بين الصورة والغاية، واثبات كل واحد منهما، وأنهما في كل طبقة يذهب إلى علةٍ أولى. ونبين الكلام في المبدأ والإبتداء، ثم الكلام في التقدم والتأخر والحدوث، وأصناف ذلك، وأنواعه، وخصوصية كل نوع منه، وما يكون متقدماً في الطبيعة ومتقدماً عند العقل، وتحقيق الأشياء المتقدمة عند العقل، ووجه مخاطبة من انكرها، فما كان فيه من هذه الأشياء رأي مشهور مخالف للحق نقضناه. فهذه وما يجري مجراها لواحق الوجود بما هو وجود، ولأن الواحد مساوق للوجود فيلزمنا أن ننظر
الصفحة : 14
أيضاً في الواحد، وإذا نظرنا في الواحد وجب أن ننظر في الكثير، ونعرف التقابل بينهما. وهناك يجب أن ننظر في العدد، وما نسبته إلى الموجودات، وما نسبة الكم المتصل، الذي يقابله بوجه ما، إلى الموجودات، ونعد الآراء الباطلة كلها فيه، ونعرف أنه ليس شيء من ذلك مفارقاً ولا مبدأ للموجودات، ونثبت العوارض التي تعرض للأعداد، والكميات المتصلة، مثل الأشكال وغيرها، ومن توابع الواحد: الشبيه، والمساوي، والموافق، والمجانس، والمشاكل، والمماثل، والهو هو. فيجب أن نتكلم في كل واحد من هذه ومقابلاتها، وأنها مناسبة للكثرة مثل الغير الشبيه، وغير المساوي، وغير المجانس، وغير المشاكل، والغير بالجملة، والخلاف، والتقابل، وأصنافها، والتضاد بالحقيقة، وماهيته. ثم بعد ذلك ننتقل إلى مبادئ الموجودات فنثبت المبدأ الأول وأنه واحد حق في غاية الجلالة، ونعرف أنه من كم وجه "واحد"، ومن كم وجه "حق"، وأنه كيف يعلم كل شيء، وكيف هو قادر على كل شيء، وما معنى أنه يعلم وأنه يقدر، وأنه جواد، وأنه سلام أي خير محض، معشوق لذاته، وهو اللذيذ الحق، وعنده الجمال الحق، ونَفسخ ما قيل وظُن فيه من الآراء المضادة للحق، ثم نبين كيف نسبته إلى الموجودات عنه، وما أول الأشياء التي توجد عنه. ثم كيف تترتب عنه الموجودات مبتدئة من الجواهر الملكية العقلية، ثم الجواهر الملكية النفسانية، ثم الجواهر الفلكية السماوية، ثم هذه العناصر، ثم المكونات عنها. ثم الإنسان وكيف تعود إليه هذه الأشياء، وكيف هو مبدأ لها فاعلي، وكيف هو مبدأ لها كمالي، وماذا تكون حال النفس الإنسانية إذا انقطعت العلاقة بينها وبين الطبيعة، وأي مرتبة تكون مرتبة وجودها. وندل فيما بين ذلك على جلالة قدر النبوة، ووجوب طاعتها، وأنها واجبة من عند الله، وعلى الأخلاق والأعمال التي تحتاج إليها النفوس الإنسانية مع الحكمة في أن يكون لها السعادة الأخروية. ونعرف أصناف السعادات. فإذا بلغنا هذا المبلغ ختمنا كتابنا هذا، والله المستعان به على ذلك.

الفصل الخامس: (ه)
الصفحة : 15
فصل في الدلالة على الموجود والشيء وأقسامها
الأوَل، بما يكون فيه تنبيه على الغرض
فنقول: إن الموجود، والشيء، والضروري، معانيها ترتسم في النفس ارتساماً أولياً، ليس ذلك الارتسام مما يُحتاج إلى أن يُجلب بإشياء أعرف منها. فأنه كما أن في باب التصديق مبادئ أولية، يقع التصديق لها لذاتها، ويكون التصديق بغيرها، بسببها، وإذا لم يخطر بالبال أو لم يفهم اللفظ الدال عليها، لم يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها، وإن لم يكن التعريف الذي يحاول أخطارها بالبال أو تفهيم ما يدل به عليها من الألفاظ محاولاً لإفادة علم ليس في الغريزة؛ بل منبها على تفهيم ما يريده القائل ويذهب إليه. وربما كان ذلك بأشياء هي في نفسها أخفى من المراد تعريفه، لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت أعرف. كذلك في التصورات أشياء هي مبادئ للتصور، وهي متصورة لذواتها، وإذا أريد أن يدل عليها لم يكن ذلك بالحقيقة تعريفاً لمجهول؛ بل تنبيها وأخطاراً بالبال، بإسمٍ أو بعلامة، ربما كانت في نفسها أخفى منه، لكنها لعلة ما وحال ما تكون أظهر دلالة. فإذا استعملت تلك العلامة تنبهت النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال، من حيث أنه هو المراد لا غيره، من غير أن تكون العلامة بالحقيقة معلمة إياه، ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر في ذلك إلى غير النهاية، أو لَدارَ. وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها، كالموجود، والشيء الواحد وغيره. ولهذا ليس يمكن أن يبيّن شيء منها ببيان لا دور فيه البتة، أو بيان شيء أعرف منها. ولذلك من حاول أن يقوم فيها شيئاً وقع في إضطراب، كمن يقول: إن من الحقيقة الموجود أن يكون فاعلاً أو منفعلاً؛ وهذا إن كان ولا بد من أقسام الموجود، والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل. وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا يعرفون البتة أه يجب ان يكون فاعلاً أو منفعلاً، وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ذلك إلاّ بقياس لا غير، فكيف يكون حال من يروم أن يعرف حال الشيء الظاهر بصفة له، تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له؟ وكذلك قول من قال: إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر، فإن "يصح" أخفى من "الشيء" و "الخبر" أخفى من "الشيء"، فكيف يكون هذا تعريفاً للشيء؟ وإنما تعرف الصحة ويعرف الخبر بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه "شيء" أو أنه "أمر" أو أنه "ما" أو أنه "الذي"، وجميع ذلك كالمرادفات لأسم الشيء، فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفاً حقيقياً بما لم يعرف إلاّ به؟ نعم ربما كان في ذلك أو أمثاله تنبيه ما. وأما بالحقيقة فإنك إذا قلت إن الشيء هو ما يصح عنه

الصفحة : 16
الخبر، تكون كأنك قلت: إن الشيء هو الشيء الذي يصح الخبر عنه، لأن معنى "ما" و"الذي" و"الشيء" معنى واحد، فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء. على أننا لا ننكر أن يقع بهذا أو ما يشبهه، مع فساد مأخذه، تنبيه بوجه ما على الشيء، ونقول: إن معنى الوجود ومعنى الشيء متصوران في الأنفس، وهما معنيان. فالموجود والمثبت والمحصل أسماء مترادفة على معنى واحد، ولا نشك في أن معناها قد حصل في نفس من يقرأ هذا الكتاب. والشيء وما يقوم مقامه قد يدل به على معنى آخر في اللغات كلها، فإن لكل أمر حقيقة هو بها ما هو، فالمثلث حقيقة أنه مثلث، وللبياض حقيقة أنه بياض، وذلك هو الذي ربما سميناه الوجود الخاص، ولم نرد به معنى الوجود الإثباتي. فإن لفظ الوجود يدل به أيضاً على معاني كثيرة، منها الحقيقة التي عليها الشيء، فكأنه ما عليه يكون الوجود الخاص للشيء. ونرجع فنقول: أنه من البين أن لكل شيء حقيقة خاصة هي ماهيته، ومعلوم أن حقيقة كل شيء الخاصة به غير الوجود الذي يرادف الإثبات، وذلك لأنك إذا قلت: حقيقة كذا موجودة إما في الأعيان، أو في الأنفس، أو مطلقاً يعمها جميعاً، كان لهذا معنى محصل مفهوم. ولوقلت: إن حقيقة كذا، حقيقة كذا، أو أن حقيقة كذا حقيقة، لكان حشواً من الكلام غير مفيد. ولو قلت: إن حقيقة كذا شيء، لكان أيضاً قولاً غير مفيد ما يجهل؛ واقل إفادة منه أن تقول: إن الحقيقة شيء، إلاّ أن يعنى بالشيء، الموجود، كأنك قلت: إن حقيقة كذا حقيقة موجودة. وأما إذا قلت: حقيقة أ شيء ما، و حقيقة ب شيء آخر، فإنما صح هذا وأفاد. لأنك تضمر في نفسك أنه شيء آخر مخصوص مخالف لذلك الشيء الآخر، كما لو قلنا: إن حقيقة أ وحقيقة ب حقيقة أخرى. ولولا هذا الإضمار وهذا الإقتران جميعاً لم يفد، فالشيءئ يراد به هذا المعنى. ولا يفارق لزوم معنى الوجود إياه البتة، بل معنى الوجود يلزمه دائماً، لأنه إما موجوداً في الأعيان، أو موجوداً في الوهم والعقل، فإن لم يكن كذا لم يكن شيئاً. وأن ما يقال: إن الشيء هو الذي يخبر عنه، حق؛ ثم الذي قال، مع هذا، إن الشيء قد يكون معدوماً على الإطلاق، أمر يجب أن ينظر فيه. فإن عنى بالمعدوم المعدوم في الأعيان، جاز أن يكون كذلك، فيجوز أن يكون الشيء ثابتاً في الذهن معدوماً في الأشياء الخارجة. وإن عنى غير ذلك كان باطلاً، ولم يكن عنه خبر البتة، ولا كان معلوماً إلاّ على أنه متصور في النفس فقط. فأما أن يكون متصوراً في النفس صورة تشير إلى شيء خارج فكلاّ.

الصفحة : 17
أما الخبر، فلأن الخبر يكون دائماً عن شيء متحقق في الذهن. والمعدوم المطلق لا يخبر عنه بالإيجاب، وإذا أخبر عنه بالسلب أيضاً فقد جعل له وجود بوجه ما في الذهن. لأن قولنا: "هو"، يتضمن إشارة، والإشارة إلى المعدوم - الذي لا صورة له بوجه من الوجوه في الذهن - محال. فكيف يوجب على المعدوم شيء؟ ومعنى قولنا: إن المعدوم "كذا"، معناه أن وصف "كذا" حاصل للمعدوم، ولافرق بين الحاصل والموجود. فنكون كأنا قلنا: إن هذا الوصف موجود للمعدوم. بل نقول: إنه لا يخلو أن ما يوصف به المعدوم ويحمل عليه إما أن يكون موجوداً وحاصلاً للمعدوم أو لا يكون موجوداً حاصلاً له؛ فإن كان موجوداً وحاصلاً للمعدوم، فلا يخلو إما أن يكون في نفسه موجوداً أو معدوماً، فإن كان موجوداً فيكون للمعدوم صفة موجودة، وإذا كانت الصفة موجودة، فالموصوف بها موجود لا محالة، فالمعدوم موجود، وهذا محال؛ وإن كانت الصفة معدومة، فكيف يكون المعدوم في نفسه موجوداً لشيء؟ فإم ما لا يكون موجوداً في نفسه، يستحيل ان يكون موجوداً للشيء. نعم قد يكون الشيء موجوداً في نفسه ولا يكون موجوداً لشيء آخر، فأما إن لم تكن الصفة موجودة للمعدوم فهي نفي الصفة عن المعدوم، فإنه إن لم يكن هذا هو النفي للصفة عن المعدوم، فإذا نفينا الصفة عن المعدوم، كان مقابل هذا، فكان وجود الصفة له؛ وهذا كله باطل. وإنما نقول: إن لنا علماً بالمعدوم، فلأن المعنى إذا تحصل في النفس فقط ولم يشر فيه إلى خارج، كان المعلوم نفس ما في النفس فقط، والتصديق الواقع بين المتصور من جزئيه هو أنه جائز في طباع هذا المعلوم وقوع نسبة له معقولة إلى خارج، وأما في هذا الوقت فلا نسبة له، فلا معلوم غيره. وعند القوم الذين يرون هذا الرأي، أن في جملة ما يخبر عنه ويعلم أموراً لا شيئية لها في العدم، ومن شاء أن يقف على ذلك فليرجع غلى ما هذوا به من أقاويلهم التي لا تستحق فضل الإشتغال بها. وإنما وقع اولئك فيما وقعوا فيه بسبب جهلهم بأن الإخبار إنما يكون عن معان لها وجود في النفس، وإن كانت معدومة في الأعيان، ويكون معنى الإخبار عنها ان لها نسبة ما إلى الأعيان. مثلاً إن قلت: إن القيامة "تكون" فهمت القيامة وفَهمت تكون، وحملت تكون التي في النفس، على القيامة التي في النفس، بأن هذا المعنى إنما يصح في معنى آخر معقول أيضاً، وهو معقول في وقت مستقبل، أن يوصف بمعنى ثالث معقول، وهو معقول الوجود. وعلى هذا القياس الأمر في الماضي. فبين أن المخبر عنه لا بد من أن يكون موجوداً وجوداً ما في النفس. والإخبار في الحقيقة هو عن الموجود في النفس، وبالعرض عن
الصفحة : 18
الموجود في الخارج. وقد فهمت الآن أن الشيء بماذا يخالف المفهوم للموجود والحاصل، وأنهما مع ذلك متلازمان. وعلى أنه قد بلغني أن قوماً يقولون: أن الحاصل يكون حاصلاً، وليس بموجود، وقد تكون صفة الشيء ليس شيئاً لا موجوداً ولا معدوماً، وأن "الذي" و"ما" يدلان على غير ما يدل عليه الشيء. فهؤلاء ليسوا من جملة المميّزين. وإذا أخذا بالتمييز بين هذه الألفاظ من حيث مفهوماتها إنكشفوا. فنقول الآن: إنه وإن لم يكن الموجود، كما علمت، جنساً، ولا مقولاً بالتساوي على ما تحته، فإنه معنى متفق فيه على التقديم والتأخير. وأول ما يكون، يكون للماهية التي هي الجوهر ثم يكون لما بعده. وإذ هو معنى واحد على النحو الذي أومأنا إليه فتلحقه عوارض تخصه، كما قد بيّنا من قبل. فلذلك يكون له علم واحد يتكفل به. كما أن لجميع ما هو صحي علماً واحداً. وقد يعسر علينا أن نعرف حال الواجب والممكن والممتنع بالتعريف المحقق أيضاً، بل بوجه العلامة. وجميع ما قيل في تعريف هذه مما بلغك عن الأولين قد يكاد يقتضي دوراً. وذلك لأنهم، على ما مر لك في فنون المنطق، إذا أرادوا أن يحدوا الممكن، أخذوا في حده إما الضروري وإما المحال ولا وجه غير ذلك. وإذا أرادوا أن يحدوا الضروري، أخذوا في حده إما الممكن وإما المحال. وإذا أرادوا أن يحدوا المحال أخذوا في حده إما الضروري وإما الممكن. مثلاً إذا حدوا الممكن قالوا مرة، إنه غير ضروري أو إنه المعدوم، في الحال الذي ليس وجوده، في أي وقت فرض من المستقبل، بمجال. ثم إذا احتاجوا إلى أن يحدوا الضروري قالوا: إما أنه الذي لا يمكن أن يفرض معدوماً، أو إنه الذي إذا فرض بخلاف ما هو عليه كان محالاً. فقد أخذوا الممكن تارة في حده، والمحال أخرى. وأما الممكن فقد كانوا أخذوا، قبل، في حده إما الضروري وإما المحال. ثم المحال، إذا ارادوا أن يحدوه، أخذوا في حده إما الضروري بأن يقولوا: إن المحال هو ضروري العدم؛ وإما الممكن بأن يقولوا: إنه الذي لا يمكن أن يوجد؛ أو لفظاً آخر يذهب مذهب هذين. وكذلك ما يقال من أن الممتنع هو الذي لا يمكن أن يكون، أو هو الذي لا يجب أن يكون. والواجب هو الذي هو ممتنع ومحال أن لا يكون، أو ليس بممكن أن لا يكون. والممكن هوالذي ليس يمتنع أن يكون أو لا يكون، أو الذي ليس بواجب أن يكون أو لا يكون. وهذا كله كما تراه دور ظاهر. وأما الكشف الحال في ذلك فقد مرّ لك في أنولوطيقا. على أن أولى هذه الثلاثة في ان يتصور أولاً، هو الواجب. وذلك لأن الواجب يدل على تأكد الوجود،
الصفحة : 19
والوجود أعرف من العدم، لأن الوجود يعرف بذاته، والعدم يعرف، بوجه ما من الوجوه، بالوجود. ومن تفهمنا هذه الأشياء يتضح لك بطلان قول من يقول: إن المعدوم يعاد لأنه أول شيء مخبر عنه بالوجود. وذلك أن المعدوم إذا أعيد يجب أن يكون بينه وبين ما هو مثله، لو وجد بدله، فرق. فإن كان مثله إنما ليس هو لأنه ليس الذي كان عدم، وفي حال العدم كان هذا غير ذلك، فقد صار المعدوم موجوداً على النحو الذي أومأنا إليه فيما سلف آنفاً. وعلى أن المعدوم إذا أعيد احتيج أن تعاد جميع الخواص التي كان بها هو ما هو. ومن خواصه وقته، وإذا أعيد وقته كان المعدوم غير معاد، لأن المعاد هو الذي يوجد في وقت ثان. فإن كان المعدوم تجوز إعادته وإعادة جملة المعلومات التي كانت معه، والوقت إما شيء له حقيقة وجود قد عدم، أو موافقة موجود لعرض من الأعراض، على ما عرف من مذاهبهم، جاز أن يعود الوقت والأحوال، فلا يكون وقت ووقت، فلا يكون يعود. على أن العقل يدفع هذا دفعاً لا يحتاج فيه إلى بيان، وكل ما يقال فيه فهو خروج عن طريق التعليم.

الفصل السادس: (و)
الصفحة : 20
فصل في ابتداء القول في الواجب الوجود والممكن الوجود، وأن الواجب الوجود لا علة له، وأن الممكن الوجود معلول، وأن الواجب الوجود غير مكافئ لغيره في الوجود، ولا متعلق بغيره فيه
ونعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن لكل واحد من الواجب الوجود، والممكن الوجود، خواص. فنقول: إن الأمور التي تدخل في الوجود تحتمل في العقل الإنقسام إلى قسمين، فيكون منها ما إذا اعتبر بذاته لم يجب وجوده، وظاهر أنه لا يمتنع أيضاً وجوده، وإلاّ لم يدخل في الوجود، وهذا الشيء هو في حيّز الإمكان، ويكون منها ما إذا اعتبر بذاته وجب وجوده. فنقول: إن الواجب الوجود بذاته لا علة له، وإن الممكن الوجود بذاته له علة، وإن الواجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وإن الواجب الوجود لا يمكن أن يكون وجوده مكافئاً لوجود آخر، فيكمون كل واحد منهما مساوياً للآخر في وجوب الوجود ويتلازمان. وأن الواجب الوجود لا يجوز ان يجتمع وجوده عن كثرة البتة. وأن الواجب الوجود لا يجوز أن تكون الحقيقة التي له مشتركاً فيها بوجه من الوجوه، حتى يلزم تصحيحنا ذلك أن يكون واجب الوجود غير مضاف، ولا متغير، ولا متكثر، ولا مشارك في وجوده الذي يخصه. أما الواجب الوجود لا علة له، فظاهر. لأنه إن كان لواجب الوجود علة في وجوده، كان وجوده بها. وكل ما وجوده بشيء، فإذا اعتبر بذاته دون غيره لم يجب له وجود، وكل ما إذا اعتبر بذاته دون غيره، ولم يجب له وجود، فليس واجب الوجود بذاته. فبين أنه إن كان لواجب الوجود بذاته علة لم يكن واجب الوجود بذاته، فقد ظهر أن الواجب الوجود لا علة له. وظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يكون شيء واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره، لأنه إن كان يجب وجوده بغيره، فلا يجوز أن يوجد دون غيره، وكلما لا يجوز أن يوجد دون غيره، فيستحيل وجوده واجباً بذاته. ولو وجب بذاته، لحصل. ولا تأثير لإيجاب الغير في وجوده الذي يؤثر غيره في وجوده فلا يكون واجباً وجوده في ذاته. وأيضاً أن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته، فوجوده وعدمه كلاهما بعلة، لأنه غذا وجد فقد حصل له الوجود متميزاً من العدم، وإذا عدم حصل له العدم متميزاً من الوجود. فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من الأمرين يحصل له عن غيره أو لا عن غيره، فإن كان عن غيره فالغير هو العلة؛ وإن كان لا يحصل عن غيره، ومن البين أن كل ما لم يوجد ثم وجد فقد تخصص بأمر جائز غيره. وكذلك في العدم، وذلك لأن هذا التخصيص إما تكفي فيه ماهية الأمر أو لا تكفي فيه ماهيته، فإن كانت
الصفحة : 21
ماهيته تكفي لأي الأمرين كان، حتى يكون حاصلاً، فيكون ذلك الأمر واجب الماهية لذاته، وقد فرض غير واجب، هذا خلف. وإن كان لا يكفي فيه وجود ماهيته، بل أمر يضاف إليه وجود ذاته، فيكون وجوده لوجود شيء آخر غير ذاته لا بد منه فهو علته، فله علة. وبالجملة فإنما يصير أحد الأمرين واجباً له، لا لذاته، بل لعلة. أما المعنى الوجودي فبعلّة، هي علة وجودية. وأما المعنى العدمي فبعلة، هي عدم العلة للمعنى الوجودي، وعلى ما علمت. فنقول: إنه يجب أن يصير واجباً بالعلة، وبالقياس إليها. فإنه إن لم يكن واجباً، كان عند وجود العلة وبالقياس إليها ممكناً أيضاً، فكان يجوز أن يوجد وأن لا يوجد غير متخصص باحد الأمرين، وهذا محتاج من رأس إلى وجود شيء ثالث يتعين له به الوجود من العدم، أو العدم عن الوجود عند وجود العلة، فيكون ذلك علة أخرى، ويتمادى الكلام إلى غير النهاية. وإذا تمادى إلى غير النهاية لم يكن، مع ذلك، قد تخصص له وجوده، وهذا محال. لا لأنه ذاهب إلى غير النهاية في العلل فقط، فإن هذا في هذا الموضع بعد مشكوك في إحالته، بل لأنه لم يوجد بعد مل يتخصص به وقد فرض موجوداً. فقد صح أن كل ما هو ممكن الوجود لا يوجد ما لم يجب بالقياس إلى علته. ونقول: ولا يجوز أن يكون واجب الوجود مكافئاً لواجب وجود آخر، حتى يكون هذا موجوداً مع ذلك، وذلك موجوداً مع هذا، وليس أحدهما علة للاخر، بل هما متكافئان في أمر لزوم الوجود. لأنه لا يخلو إذا اعتبر ذات أحدهما بذاته دون الآخر، إما ان يكون واجباً بذاته أو لا يكون واجباً بذاته، فإن كان واجباً بذاته فلا يخلو إما أن يكون له وجوب أيضاً باعتباره مع الثاني، فيكون الشيء واجب الوجوب بذاته، وواجب الوجود لأجل غيره، وهذا محال، كما قد مضى. وإما أن لا يكون له وجوب بالآخر، فلا يجب أن يتبع وجوده وجود الآخر، ويلزمه أن لا يكون لوجوده علاقة بالآخر، حتى يكون إنما يوجد إذا وجد الآخر هذا. وأما إن لم يكن واجباً بذاته، فيجب أن يكون باعتبار ذاته ممكن الوجود، وباعتبار الآخر واجب الوجود. فلا يخلو حينئذ إما أن يكون الآخر كذلك أو لا يكون، فإن كان الآخر كذلك فلا يخلو حينئذ إما أن يكون وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك في حد إمكان الوجود، أو في حد وجوب الوجود. فإن كان وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك هو في حد وجوب الوجود، وليس من نفسه، أو من ثالث سابق، كما قلناه في وجه سلف، بل من الذي يكون منه، كان وجوب وجود شرطاً فيه وجوب وجود ما يحصل بعد وجوب وجوده، بعدية بالذات فلا يحصل له وجوب وجود البتة. وإن كان وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك في حد الإمكان، فيكون وجوب وجود هذا بالذات ذلك هو في حد الإمكان،
الصفحة : 22
ويكون ذات ذلك في حد الإمكان مفيداً لهذا وجوب الوجود، وليس له حد الإمكان مستفاداً من هذا، بل الوجوب. فتكون العلة لهذا إمكان وجود ذلك، وإمكان وجود ذلك ليس علته هذا، فيكونان غير متكافئين، أعني ما هو علته بالذات ومعلول بالذات. ثم يعرض شيء آخر وهو، إنه إذا كان إمكان وجود ذلك هو علة إيجاب وجود هذا، لم يتعلق وجود هذا بوجوبه؛ بل بإمكانه. فوجب أن يجوز وجوبه مع عدمه وقد فرضا متكافئين، هذا خلف، فإذن ليس يمكن أن يكونا متكافئي الوجود، في حال ما، لا يتعلقان بعلة خارجة، بل يجب أن يكون أحدهما هو الأول بالذات، أو يكون هناك سبب خارج آخر يوجبهما جميعاًبإيجاب العلاقة التي بينهما أو يوجب العلاقة بإيجابهما. والمضافان ليس أحدهما واجباً بالآخر، بل مع الآخر، والموجب لهما العلة التي جمعتهما، وأيضاً المادتان والموضوعان أو الموصوفان بهما. وليس يكفي وجود المادتين أو الموضوعين لهما وحدهما،بل وجود ثالث يجمع بينهما. وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون وجود كل واحد من الأمرين وحقيقته هو أن يكون مع الآخر، فوجوده بذاته يكون غير واجب، فيصير ممكناً، فيصير معلولاً، ويكون كما قلنا ليس علته مكافئة في الوجود، فتكون إذن علته أمر آخر، فلا يكون هو والآخر علة للعلاقة التي بينهما، بل ذلك الآخر. وأما أن لا يكون، فتكون المعية طارئة على وجوده الخاص لاحقة له. وأيضاً فإن الوجود الذي يخصه لا يكون عن مكافئيه من حيث هو مكافيه؛ بل عن علة متقدمة إن كان معلولاً. فحينئذ إما أن يكون وجوده ذلك عن صاحبه، لا من حيث يكافيه، بل من حيث وجود صاحبه الذي يخصه، فلا يكونان متكافئين، بل علة ومعلولاً. ويكون صاحبه أيضاً علة للعلاقة الوهمية بينهما كالأب والابن. وإما أن يكونا متكافئين من جملة ما يكون الأمران ليس أحدهما علة للآخر، وتكون العلاقة لازمة لوجودهما، فتكون العلة الأولى للعلاقة هي أمر خارج موجد لذاتيهما على ما علمت، والعلاقة عرضية، فيكون لا تكافؤ هناك إلاّ بالعرض المباين أو اللازم. وهذا غير ما نحن فيه، ويكون للذي بالعرض علة لا محالة، فيكونان من حيث التكافؤ معلولين.