 |
بتاريخ : 09-02-2012 الساعة : 08:20 AM
رقم
#1
كاتب الموضوع :
علي العذاري
|
شاملى مميز
|
الفصل السابع (ز)
فصل في أن الكيفيات أعراض.
فنتكلم الآن في الكيفيات. أما الكيفيات المحسوسة والجسمانية فلا يقع شك في وجودها، وقد تكلمنا أيضاً في وجودها في مواضع أخر، ونقضنا مشاغبات من تمارى في ذلك. لكنه إنما يقع الشك في أمرها، أنها هل هي أعراض أو ليست بأعراض. فإن من الناس من يرى أن تلك جواهر تخالط الأجسام وتسري فيها، فاللون بذاته جوهر، والحرارة كذلك، وكل واحد من هذه الأخر، فهي عنده بهذه المنزلة. وليس يقنعه أن هذه الأشياء توجد تارة وتعدم تارة، والشيء المشار إليه قائم موجود. فإنهم يقولون: إنه ليس يعدم ذلك، بل يأخذ يفارق قليلاً قليلاً، مثل الماء الذي يبتل به ثوب، فإنه بعد ساعة لا يوجد هناك ماء، ويكون الثوب موجوداً بحاله، ولا يصير الماء بذلك عرضاً، بل الماء جوهراً له أن يفارق جوهراً آخر لاقاه فربما فارق مفارقة لا يحس فيها بالأجزاء المفارقة منه، لأنها فارقت وهي أصغر مما يدركه الحس مفارقة مفترقة؛ ويقول بعضهم: إنها قد تكمن. فبالحري أن نبين أن ما يقولونه باطل، فنقول: لا يخلو إن كانت هذه الجواهر إما أن تكون جواهر هي أجسام، أو تكون جواهر ليس بأجسام. فإن كانت هذه جواهر غير جسمانية فإما أن تكون بحيث يمكن أن تؤلف منها أجسام، وهذا محال، إذ ما يتجزأ في أبعاد جسمانية فليس بالممكن أن يؤلف منه جسم؛ وإما أن لا يمكن، إنما يكون وجوده بالمقارنة للأجسام والسريان فيها. فأول ذلك لأنه لا يجوز لهذه الجواهر وضع، وكل جوهر ذي وضع فإنه منقسم، وقد بين ذلك. وثانياً، أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الجواهر من شأنه أن يوجد مفارقاً للجسم الذي يكون فيه، أو لا يكون؛ فإن لم يكن يوجد مفارقاً، وكان وجوده في الأجسام على أنها موضوعات له، إذ ليست فيه كالأجزاء، ولا هي مفارقته، والجسم الموصوف بها مستكمل الجوهرية بنفسه، فليست إلاّ أعراضاً، وإنما لها اسم الجوهرية فقط. وإن كانت تفارق أجسامها فإما أن تكون مفارقة تنتقل بها من جسم إلى جسم من غير أن يصح لها قوام مجرد، أو تكون لها مفارقة قوام مجرد. فإن كانت إذا لم توجد في جسم وكانت فيه، فإنما يكون ذلك بأن ينتقل إلى الآخر، فيجب من
الصفحة : 68
ذلك أن يكون كل جسم فسد بياضه فقد انتقل بياضه إلى جسم يماسه، أو بقي مجرداً إلى أن يحصل في جسم بعيد، وهو غير مقارن جسماً في مدة قطع المسافة، وليس الأمر كذلك. وأما الكمون فقد فرغنا منه وبينا استحالته، فإنه يجب من ذلك أن يكون كل جسم يسخن جسماً فإنه ينقل إليه حرارة من نفسه، فيبرد هذا الذي يسخّن. ثم هذا النوع من الانتقال لا تبطل عرضيته، إذ كثير من الناس جوز في الأعراض أنفسها هذا الانتقال، أعني: الانتقال في أجزاء الموضوع، والانتقال من موضوع إلى موضوع؛ وإنما كان لا يكون عرضاً لو صح قوامه لا في موضوع. أما القائم في الموضوع إذا نظر فيه أنه هل يصح له أن ينتقل إلى موضوع آخر من غير أن يجرد عنهما، فهذا الاعتبار ليس يصح إلاّ بعد القوام في الموضوع. ثم هذا لا يصح البتة، لأنه يخلو إما أن يكون الذي وجد في موضوع ما تتعلق ذاته الشخصية بذلك الموضوع الشخصي، أو لا تتعلق؛ فإن كان تتعلق ذاته الشخصية بذلك الموضوع الشخصي فمعلوم أنه لا يجوز أن يبقى شخصه إلاّ في ذلك الموضوع الشخصي، وإن كان إنما أوجده في ذلك الموضوع سبب من الأسباب وليس ذلك السبب مقوّماً له من حيث هو ذلك الشخص، فقد يمكن أن يزال عنه ذلك السبب وسائر الأسباب حتى لا يحتاج قوامه إلى ذلك الموضوع. وزوال ذلك السبب ليس يكون سبب احتياجه إلى موضوع آخر، لأن السبب في أن لا يحتاج شيء إلى موضوع آخر، هو عدم السبب في أن كان يحتاج، وهو في ذاته ليس يحتاج. فزوال ذلك السبب ليس هو نفس وجود السبب الآخر إلاّ أن يكون مستحيلاً زوال ذلك السبب إلاّ لوجود هذا السبب الآخر لا غير. فإذا عرضنا هذا السبب زال ذلك السبب، فيكون الشيء قد فارقته الحاجة إلى الموضوع الأول واحتاج إلى الموضوع الآخر لأمرين: أما الأول، فزوال السبب الأول؛ وأما الثاني، فوجود السبب الثاني. لكن جملة هذه الأسباب تكون أموراً خارجة عن طباعه ليس يحتاج إليها في تحقيق ذاته موجوداً ذلك اللون مثلاً، بل إنما يحتاج إليها في أن تتخصص بموضوع. فكونه لوناً، وكونه هذا اللون بعينه إن كان يغنيه عن الموضوع، فليس يحوجه إلى أن يجعله محتاجاً إلى الموضوع، فإن الغني بوجوده عن الموضوع لا يعرض له ما يحوجه إلى الموضوع إلاّ بانقلاب عينه. وإن كان لا يغنيه، بل يعلقه بموضوع فيكون ذلك الموضوع متعيناً له، لأنه يقتضي أمراً متعيناً بعينه. فإن المتعين لا يقتضي أي شيء اتفق مما لا نهاية له بالقوة مما ليس بعضه يخالف الآخر في حكمه. فإن قيل: فكيف يقتضي الواحد المعين؟ فيقال: يقتضي الذي تعلق به صحة وجوده أولاً فيتعين له بذلك. فهذا اللون من حيث هو هذا اللون إما غني عن
الصفحة : 69
الموضوع، وإما مقتصر على موضوع واحد. وأما انقلاب العين فقد تلزمنا من ذكره عهدة يجب أن نخرج منها. فإن انقلاب العين يعنى به أن يعدم هذا ويوجد ذلك من غير أن يدخل من الأول شيء في الثاني، فإنه إن كان هكذا فيكون الأول قد عدم والآخر قد حصل، ولا يكون الأول هو الذي انتقل إلى الثاني. بل إنما نعني بالانقلاب أن الموصوف بالأول صار موصوفاً بالثاني، وذلك أنه يبقى من الأول شيء في الثاني، فيكون مركباً من مادة وشيء فيها. فإن كان هذا صفة اللونية مثلاً في مسألتنا فيكون في اللونية شيء يبطل وشيء يبقى، فيكون هذا الذي بطل هو الذي صار به الشيء لوناً، بل هو اللونية وهو الصورة المادية أو العرض وكلامنا فيها. ونرجع فنقول: وأما إن كان يجوز له أن يفارق هذه الجواهر ويقوم مثلاً بياضاً أو شيئاً آخر بذاته، فلا يخلو إما أن يكون حينئذ إليه إشارة ويكون البياض الذي من شأنه أن يدرك إلاّ أن يعجز عن إدراكه للقلة الفاحشة، ويكون على الجملة التي تعرف البياض عليها. فإن كان كذلك فيلزم أن يكون خلاء موجوداً حتى يكون فيه مشار إليه وليس في الأجسام، ويلزم أن يكون له وضع ما وتقدير ما، فيكون له في ذاته مقدار يكون إلاّ القليل منه محسوساً، فإنا لا نتخيل بياضاً لا وضع له ولا مقدار، فضلاً عن أن نراه. وإذا كان له مقدار ووضع وزيادة هي هيئة البياضية كان جسماً أبيض لا مجرد البياض، فإنا نعني بالبياض هذه الهيئة الزائدة على المقدار والحجم، وإن كان لا يبقى على الجملة التي كان يعرف البياض عليها، بل قد انتقل عن هذه الصورة وصار شيئاً آخر روحانياً. فيكون البياض مثلاً له موضوع يعرض له أن تكون فيه البياضية التي على النحو المعروف، ويعرض لع أن يصير مرة أخرى بصورة أخرى روحانية فيكون أولاً ما تعرفه بياضاً قد فسد وزالت صورته. وأما المفارق العقلي فقد أشرنا - فيما سلف - إلى أنه لا يجوز أن ينتقل مثل هذا الشيء مرة أخرى ذا وضع ومخالطاً للأجسام. وأما إن جاعل البياض شيئاً في نفسه ذا مقدار، فيكون له وجودان: وجود أنه بياض، ووجود أنه مقدار. فإن كان مقداره بالعدد غير مقدار الجسم الذي هو فيه بالعدد، فإذا كان في الأجسام وسارياً فيها فيكون قد دخل بُعدٌ في بُعد، وإن كان هو نفس الجسم منحازاً فيكون الأمر قد عاد إلى أن الشيء الذي هو البياض جسم وله بياضية. فتكون البياضية موجودة في ذلك الجسم إلاّ أنها لا تفارق، ولا يكون البياض مجموع ذلك الجسم والكيفية، بل شيء في ذلك الجسم. إذ حد البياض وماهيته ليس ماهية الطويل العريض العميق، بل تكون ماهية الطويل العريض العميق للحرارة أيضاً على هذا الرأي، فيكون
الصفحة : 70
البياض مقارناً لهذا الشيء ناعتاً له. وهذا معنى قولنا: الصفة في الموصوف، وتكون مع ذلك لا تفارقه وليست جزءاً من ذلك الشيء الذي هو الطويل العريض، فيكون البياض والحرارة عرضاً إلاّ أنه لازم. فيبقى الكلام في أن من طبيعته أن يفارق أيضاً، فقد تبين أن الكيفيات التي هي المحسوسة أعراض، وهذا مبدأ للطبيعيات. وأما الاستعدادات فأمرها واضح، وأما التي تتعلق بالنفس وذوات الأنفس فقد تبين في الطبيعيات أنها أعراض تقوم في أجسام، وذلك حين تكلمنا في أحوال النفس.
الفصل الثامن (ح)
فصل في العلم وأنه عرض.
وأما العلم فإن فيه شبهة، وذلك لأن لقائل أن يقول: إن العلم هو المكتسب من صور الموجودات مجردة عن موادها، وهي صور جواهر وأعراض. فإن كانت صور الأعراض أعراضاً، فصور الجواهر كيف تكون أعراضاً؟ فإن الجوهر لذاته جوهر فماهية جوهر لا تكون في موضوع البتة وماهيته محفوظة سواء نسبت إلى إدراك العقل لها أو نسبت إلى الوجود الخارجي. فنقول: إن ماهية الجوهر جوهر بمعنى أنه الموجود في الأعيان لا في موضوع، وهذه الصفة موجود لماهية الجواهر المعقولة، فإنها ماهية شأنها أن تكون موجود في الأعيان لا في موضوع، أي أن هذه الماهية هي معقولة عن أمر وجوده في الأعيان أن يكون لا في موضوع. وأما وجوده في العقل بهذه الصفة فليس ذلك في حده من حيث هو جوهر، أي ليس حد الجوهر أنه في العقل لا في موضوع، بل حده أنه سواء كان في العقل أو لم يكن فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع. فإن قيل: فالعقل أيضاً من الأعيان، قيل: يراد بالعين التي إذا حصل فيها الجوهر صدرت عنه أفاعيله وأحكامه. والحركة كذلك ماهيتها أنها كمال ما بالقوة، وليست في العقل حركة بهذه الصفة حتى يكون في العقل كمال ما بالقوة كم جهة كذا حتى تصير ماهيتها محركة للعقل، لأن معنى كون ماهيتها على هذه الصورة هو أنها ماهية تكون في الأعيان كمالاً لما بالقوة وإذا عقلت فإن هذه الماهية تكون أيضاً بهذه الصفة، فإنها في العقل ماهية تكون في الأعيان كمال ما بالقوة، فليس يختلف كونها في الأعيان وكونها في العقل، فإنه في كليهما على حكم واحد فإنه في كليهما ماهية توجد في الأعيان كمالاً لما
الصفحة : 71
بالقوة. فلو كنا قلنا: إن الحركة ماهية تكون كمالاً لما بالقوة في الأبدان مثلاً لكل شيء توجد فيه، ثم وجدت في النفس لا كذلك، لكانت الحقيقة تختلف. وهذا كقول القائل: إن حجر المغناطيس حقيقته أنه حجر يجذب الحديد، فإذا وجد مقارناً لجسمية كف الإنسان ولم يجذبه، ووجد مقارناً لجسمية حديد ما فجذبه، فلم يجب أن يقال: إنه مختلف بالحقيقة في الكف وفي الحديد، بل هو في كل واحد منهما بصفة واحدة وهو: أنه حجر من شأنه أن يجذب الحديد، فإنه إذا كان في الكف أيضاً كان بهذه الصورة، وإذا كان عند الحديد أيضاً كان بتلك الصفة. فكذلك حال ماهيات الأشياء في العقل، والحركة في العقل أيضاً بهذه الصفة، وليس إذا كانت في العقل في موضوع بطل أن تكون في العقل ليست ماهية ما في الأعيان ليست في موضوع. فإن قيل، قد قلتم: إن الجوهر هو ما ماهيته لا تكون في موضوع أصلاً، وقد صيرتم ماهية المعلومات في موضوع. فنقول، قد قلنا: إنه لا يكون في موضوع في الأعيان أصلاً. فإن قيل: قد جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة تكون عرضاً وتارة جوهراً، وقد منعتم هذا. فنقول: إنا منعنا أيضاً أن تكون ماهية شيء توجد في الأعيان مرة عرضاً ومرة جوهراً حتى تكون في الأعيان تحتاج إلى موضوع ما وفيها لا تحتاج إلى موضوع البتة، فلم نمنع أن يكون معقول تلك الماهيات يصير عرضاً، أي تكون موجودة في النفس لا كجزء. ولقائل أن يقول: فماهية العقل الفعال والجواهر المفارقة أيضاً كذا يكون حالها، حتى يكون المعقول منها عرضاً، لكن المعقول منها لا يخالفها لأنها لذاتها معقولة. فنقول: ليس الأمر كذلك، فإن معنى قولنا: إنها لذاتها معقولة هو أنها تعقل ذاتها، وإن لم يعقلها غيرها، وأنها أيضاً مجردة عن المادة وعلائقها لذاتها لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. وأما إن قلنا: إن هذا المعقول منها يكون من كل وجه هي أو مثلها، أو قلنا: إنه ليس يحتاج في وجود المعقول منها إلاّ أن توجد ذاتها في النفس، فقد أحلنا. فإن ذاتها مفارقة، ولا تصير نفسها صورة لنفس إنسان، ولو صارت لكانت تلك النفس قد حصلت فيها صورة الكل وعلمت كل شيء بالفعل، ولكانت تصير كذلك لنفس واحدة، وتبقى النفوس الأخرى ليس لها الشيء الذي تعقله، إذ قد استبد بها نفس ما. والذي يقال: إن شيئاً واحداً بالعدد يكون صورة لمواد كثيرة لا بأن يؤثر فيها، بل بأن يكون هو بعينه منطبعاً في تلك المادة وفي أخرى وأخرى، فهو محال يعلم بأدنى تأمل. وقد أشرنا إلى الحال في ذلك
الصفحة : 72
عند كلامنا في النفس، وسنخرج من بعد إلى خوض في إبانة ذلك. فإذن تلك الأشياء إنما تحصل في العقول البشرية معاني ماهياتها لا ذواتها، ويكون حكمها حكم سائر المعقولات من الجواهر إلاّ في شيء واحد هو أن تلك تحتاج إلى تفسيرات حتى يتجرد منها معنى يعقل، وهذا لا يحتاج إلى شيء غير أن يوجد المعنى كما هو فتنطبع به النفس. فهذا الذي قلناه إنما هو نقض حجة المحتج، وليس فيه إثبات ما تذهب إليه، فنقول: إن هذه المعقولات سنبين أمرها بعد، أن ما كان من الصور الطبيعية والتعليميات فليس يجوز أن يقوم مفارقاً بذاته، بل يجب أن يكون في عقل أو نفس. وما كان من أشياء مفارقة، فنفس وجود تلك المفارقات مباينة لنا، ليس هو علمنا لها، بل يجب أن نتأثر عنها فيكون ما يتأثر عنها هو علمنا بها، وكذلك إن كانت صوراً مفارقة وتعليميات مفارقة فإنما يكون علمنا بها ما يحصل لنا منها، ولا تكون أنفسها توجد لنا متنقلة إلينا، فقد بينا بطلان هذا في مواضع. بل الموجود منها لنا هي الآثار المحاكية لها لا محالة وهي علمنا. وذلك يكون إما أن يحصل لنا في أبداننا أو نفوسنا. وقد بينا استحالة حصول ذلك في أبداننا، فيبقى أنها تحصل في نفوسنا. ولأنها آثار في النفس، لا ذوات تلك الأشياء، ولا أمثال لتلك الأشياء قائمة لا في مواد بدنية أو نفسانية، فيكون ما لا موضوع له يتكثر نوعه بلا سبب يتعلق به بوجه؛ فهي أعراض في النفس.
الفصل التاسع (ط)
الصفحة : 73
فصل في الكيفيات التي في الكميات وإثباتها.
هذا الفصل يليق بالطبيعيات، وقد بقي جنس واحد من الكيفيات يحتاج إلى إثبات وجوده وإلى التنبيه على كونه كيفية، وهذه هي الكيفيات التي في الكميات. أما التي في العدد كالزوجية والفردية غير ذلك، فقد علم وجود بعضها وأثبت وجود الباقي في صناعة الحساب. وأما أنها أعراض، فلأنها متعلقة بالعدد، وخواص له، والعدد من الكم، والكم عرض. وأما التي تعرض للمقادير فليس وجودها ببّين، فإن الدائرة والخط المنحني والكرة والاسطوانة والمخروط ليس شيء منها ببين الوجود، ولا يمكن للمهندس أن يبرهن على وجودها. لأن سائر الأشياء إنما تبين له بوضع وجود الدائرة، ولأن ذلك المثلث يصح وجوده إن صحت الدائرة، وكذلك المربع، وكذلك سائر الأشكال. وأما الكرة، فإنما يصح وجودها على طريقة المهندس إذا أراد دائرة في دائرة على نحو ما علمت والاسطوانة إذا حركت دائرة حركة يلزم فيها مركزها خطاً مستقيماً طرفه في مركزها في أول الوضع لزوماً على الاستقامة. والمخروط إذا حركت مثلثاً قائم الزاوية على أحد ضلعي القائمة حافظاً بطرف ذلك الضلع مركز الدائرة ودائراً بالضلع الثاني على محيط الدائرة. ثم الدائرة مما ينكر وجودها من يرى تأليف الأجسام من أجزاء لا تتجزأ، فيجب أن يبين وجود الدائرة. وأما عرضيتها فتظهر لنا لتعلقها بالمقادير التي هي أعراض. فنقول: أما على مذهب من يركب المقادير من أجزاء لا تتجزأ فقد يمكن أن يثبت عليه أيضاً وجود الدائرة من أصوله، ثم ينقص بوجود الدائرة جزءه الذي لا يتجزأ. وذلك لأنه إذا فرضت دائرة على النحو المحسوس، وكانت على ما يقولون غير دائرة في الحقيقة، بل كان المحيط مضرساً. وكذلك إذا فرض فيها جزء على أنه المركز، وإن لم يكن ذلك الجزء مركزاً بالحقيقة، فقد يكون عندهم مركزاً في الحس، ويجعل المفروض مركزاً في الحس طرفاً خط، مؤلف من أجزاء لا تتجزأ، مستقيم، فإن ذلك صحيح الوجود مع فرض ما لا يتجزأ. فإن طوبق بطرفه الآخر جزء من الذي عند المحيط، ثم أزيل وضعه، وأخذ الجزء الذي يلي الجزء الذي من المحيط الذي اعتبرناه وطابقنا به الخط أولاً فطوبق به أس الخط المستقيم مطابقة مماسة أو موازاة إلى جهة المركز. فإن طابق المركز فذلك الغرض، وإن زاد أو نقص فيمكن أن يتم ذلك بالأجزاء حتى لا يكون هناك جزء يزيد، لأنه إن زاد أزيل، وإن نقص تمم وإن نقص بإزالته وزاد بالحاقه فهو منقسم لا محالة وقد فرض غير منقسم. فإذا جعل كذلك بجزء
الصفحة : 74
جزء تمت الدائرة. ثم إن كان في سطحها تضريس أيضاً من أجزاء، فإن كانت موضوعة في فرج أدخلت تلك الأجزاء الفرج ليسد بها الخلل من السطح كلها، وإن كانت لا تدخل الفرج فالفرج أقل منها في القدر فهي إذن منقسمة إذ الذي يملأ الفرج أقل حجماً منها، وما هو كذلك، فهو نفسه منقسم وإن لم يمكن فصله. وإن لم تكن موضوعة في فرج أزيلت من وجه السطح من غير حاجة إليها. فإن قال قائل: إنه إذا طوبق بين الجزء المركزي وبين المحيطي مرة، فليس يمكن التطبيق لا بمماسة ولا بموازاة مع المركزي، والذي بلى ذلك الجزء من المحيط. فإنا نقول له: أرأيت لو أعدمت هذه الأجزاء كلها وبقي الذي في المركز والمحيط؟ أهل كان بينهما استقامة يمكن أن يطبق عليه هذا الخط؟ فإن لم يجوزوا ذلك فقد خرجوا عن البين بنفسه، وأوقعوا أنفسهم في شغل آخر وهو أنه يمكن أن تفرض مواضع مخصوصة فيها تتم هذه الاستقامة في الخلاء الذي لهم، حتى يكون بين جزئين في الخلاء استقامة، وبين جزئين آخرين لا يكون. وهذا شطط ممن يتكلفه ويجوز القول به، فلا ضير، فإنما يبيع عقله بثمن بخس. فإن البديهة أيضاً تشهد أن بين كل جزئين تتفق محاذاة لا محالة يملأها الملأ أقصر الملأ، أو أقصر بعد في الملأ. وإن قالوا: إن ذلك يكون، ولكن ما دامت هذه الأجزاء موجودة فلا يكون بينهما هذه المحاذاة، ولا يجوز أن يوازي طرفيها طرفاً مستقيم، فهذا أيضاً من ذلك. فتكون كأن تلك الأجزاء إن وجدت تغير حكم المحاذاة عن حكمه لو كانت معدومة، وجميع هذا مما لا يشكل على البديهة بطلانه ولا الوهم - الذي هو القانون في الأمور المحسوسة وما يتعلق بها، كما علمت - يتصوره. على أن الأجزاء التي لا تتجزأ لا تتألف منها بالحقيقة لا دائرة ولا غير دائرة، وإنما هذا على قانون القائلين به. وإذا صحت دائرة صحت الأشكال الهندسية فيبطل الجزء ويعلم ذلك من أن كل خط ينقسم بقسمين متساويين وأن قطرأ لا يشارك ضلعاً وما أشبه ذلك، فإن الخط الفرد الأجزاء لا ينقسم بقسمين متساويين، وكل خط مؤلف من أجزاء لا تتجزأ يشارك فيها كل خط، وهذا خلاف ما يبرهن عليه بعد وضع الدائرة، وكذلك أشياء أخرى غير هذا. وأما إثبات الدائرة على أصل المذهب الحق فيجب أن نتكلم فيه، وأما الاستقامة وجوب محاذاة بين طرفي خط إذا لزمه المتحرك لم يكن حايداً، وإن فارقه كان حايداً عادلاً، فذلك أمر لا يمكن دفعه. فنقول: قد تبين في الطبيعيات من وجه وجود الدائرة، وذلك لأنه تبين لنا أن جسماً بسيطاً، وتبين أن كل
الصفحة : 75
جسم بسيط فله شكل طبيعي، وتبين أن شكله الطبيعي هو الذي لا يختلف البتة في أجزائه، ولا شيء من الأشكال الغير المستديرة كذلك. فقد صح وجود الكرة وقطعها بالمستقيم هو الدائرة فقد صح وجود الدائرة. وأيضاً يمكننا أن نصحح ذلك فنقول: من البين أنه إذا كان خط أو سطح على وضع ما فليس من المستحيل أن يفرض لسطح آخر أو خط آخر أن يكون وضعه بحيث يلاقيه من أحد طرفيه على زاوية. ومن البين أنه يمكننا أن ننقل هذا الجسم أو هذا الخط نقلاً كيف شئنا إلى أن يصير ملاقياً لذلك الآخر أو موضوعاً في موضعه، كأن يحاذيه بجميع امتداده ملاقياً له أو موضوعاً في موضعه أو موازياً. ويمكن لجسم واحد بعينه أن يوضع على وضع ثم يوضع على وضع آخر يقاطعه والكلام في الجسمين والجسم الواحد واحد. فإن كانت الاستقامة ولم تكن استدارة لم يمكن هذا البتة، لأنه إن كانت الحركة إلى الإنطباق على الاستقامة ذاهبة في الطول ثم راجعة أي الرجوعات كانت، أو ذاهبة في السمك راجعة كيف كانت، أو ذاهبة عرضاً من الجهتين أو كيف فرضت، فإنه إذا كان يحفظ النقطة التي تفرض على واسطة السطح أو الخط في تحركها خطاً مستقيماً، فإنه لا يلقى البتة ذلك الجسم، بل يقاطعه كيف كان. وأنت يمكنك أن تفرض كل واحد من هذه الأقسام بالفعل وتعتبره، بل يجب آخر الأمر أن تتفق حركته على صفة أذكرها. إما أن يكوت أحد الطرفين فيها من الخط أوالسطح أو الجسم لازماً موضعه، والآخر ينتقل، وذلك على الدور؛ أو كلاهما ينتقلان، ولكن على صفة أن يكون أحدهما أبطأ والآخر أسرع؛ فيكون الطرفان أو المتحرك وحده على كل حال يقع قوس دائرة. وإذا صح وجود قوس دائرة صح أن يضعف إلى التمام، وهذا على الأصول الصحيحة. وأما إن قال أحد بالتفكيك، فالطريقة الأولى تناقضه. وأيضاً لنفرض جسماً ثقيلاً ونجعل أحد طرفيه أثقل من الآخر، ونجعله قائماً على سطح مسطح مماساً له بطرفه الأخف حتى يقوم قائماً عليه بحيلة، وأنت تعلم أن قيامه إذا عدل ميله إلى الجهات مما يستمر، وأنه إذا أميل إلى جهة وزال الداعم حتى سقط فتحدث دائرة لا محالة أو منحنٍ. أما كيف تكون، فلنفرض نقطة في الرأس المماس للسطح، وهي أيضاً تلقى نقطة من السطح، فحينئذ لا يخلو إما أن تثبت النقطة في موضعها، فتكون كل نقطة نفرضها في رأس ذلك الجسم قد فعلت دائرة؛ وأما أن يكون - مع حركة هذا الطرف إلى أسفل - يتحرك الطرف الآخر إلى فوق، فيكون قد فعل كل واحد من الطرفين دائرة، ومركزها النقطة المتحددة بين الجزء الصاعد والجزء الهابط، وإما أن تتحرك النقطة منجزة على طول السطح، فيفعل الطرف الآخر قطعاً أو خطاً أو منحنياً، ولأن الميل إلى المركز
الصفحة : 76
إنما هو على المحاذاة، فمحال أن تنجز النقطة على السطح. لأن تلك الحركة إما أن تكون بالقسر أو بالطبع، وليست بالطبع وليست بالقسر، لأن ذلك القسر لا يتصور إلاّ عن الأجزاء التي هي أثقل، وتلك ليست تدفعها إلى تلك الجهة، بل إن دفعتها على حفظ الإتصال دفعتها على خلاف حركتها ونقلتها ليمكن أن تنزل هي، كأن العالية منها إذ هي أثقل تطلب حركة أسرع، والمتوسطة أبطأ. وهناك إتصال يمنع ميلاً من أن ينعطف فيضطر العالي إلى أن يشيل السافل حتى ينحدر، فيكون حينئذ الجسم منقسماً إلى جزئين: جزء يميل إلى العلو قسراً، وجزء يميل إلى السفل طبعاً، وبينهما حد هو مركز للحركتين، وقد خرج منه خط مستقيم ما فيفعل الدائرة. فبين أنه إن لزم عن انحدار الجسم زوال فهو إلى فوق، وإن لم يزل عنه فموجود الدائرة أصح. فإذا ثبتت الدائرة ثبت المنحني، لأنه إذا ثبتت الدائرة ثبتت المثلثات والقائم الزاوية أيضاً، وثبت جواز دور أحد ضلعي القائمة على الزاوية فصح مخروط، فإن فصل مخروط بسطح محارف صح قطع، فصح منحن.
الفصل العاشر (ي)
الصفحة : 77
فصل في المضاف
وأما القول في المضاف، وبيان أنه كيف يجب أن تتحقق ماهية المضاف والإضافة وحدهما، فالذي قدمناه في المنطق كاف لمن فهمه. وأما أنه إذا فرض للإضافة وجود كان عرضاً، فلذلك أمر لا شك فيه، إذ كان أمراً لا يعقل بذاته، إنما يعقل دائماً لشيء إلى شيء، فإنه لا إضافة إلاّ وهي عارضة. أول عروضها للجوهر مثل: الأب والابن، أو للكم فمنه ما هو مختلف في الطرفين، ومنه ما هو متفق بالمختلف مثل: الضعف والنصف، والمتفق مثل: المساوي والمساوي والموازي والموازي والموازي والمطابق والمطابق والمماس والمماس. ومن المختلف ما اختلافه محدود ومحقق كالنصف والضعف، ومنه ما هو غير محقق إلاّ أنه مبني على محقق كالكثير الأضعاف والكل والجزء، ومنه ما ليس بمحقق بوجه مثل الزائد والناقص والبعض والجملة. وكذلك إذا وقع مضاف في مضاف كالأزيد والأنقص فإن الأزيد إنما هو زائد بالقياس إلى زائد أيضاً مقيس إلى ناقص. ومن المضاف ما هو في الكيف فمنه متفق كالمشابهة، ومنه مختلف كالسريع والبطيء في الحركة، والثقيل والخفيف في الأوزان، والحاد والثقيل في الأصوات وكذلك قد تقع فيها كلها إضافة في إضافة، وفي الاين كالأعلى والأسفل، وفي المتى كالمتقدم والمتأخر، وعلى هذه الصفات، وتكاد تكون المضافات منحصرة في أقسام المعادلة، والتي بالزيادة والنقصان، والتي بالفعل والإنفعال ومصدرها من القوة، والتي بالمحاكاة. فإما التي بالزيادة فإما من الكم كما تعلم، وإما في القوة مثل الغالب والقاهر والمانع وغير ذلك. والتي بالفعل والإنفعال كالأب والابن والقاطع والمنقطع وما أشبه ذلك، والتي بالمحاكاة فكالعلم والمعلوم والحس والمحسوس، فإن بينهما محاكاة، فإن العلم يحاكي هيئة المعلوم، والحس يحاكي هيئة المحسوس، على أن هذا لا يضبط تقديره وتحديده. لكن المضافات قد تنحصر من جهة، فقد يكون المضافان شيئين لا يحتاجان إلى شيء آخر من الأشياء التي لها استقرار في المضاف حتى تعرض لأجله لهما إضافة، مثل المتيامن والمتياسر، فليس في المتيامن كيفية أو أمر من الأمور مستقر صار به مضافاً بالتيامن إلاّ نفس المتيامن. وربما احتيج إلى أن يكون في كل واحد من الأمرين شيء حتى يصير به منقاساً إلى الآخر، مثل العاشق والمعشوق. فإن العاشق هيئة أدراكية هي مبدأ الإضافة، وفي المعشوق هيئة مدركة هي التي جعلته معشوقاً لعاشقه.
الصفحة : 78
وربما كان هذا الشيء في إحدى الجهتين دون الأخرى مثل العالم والمعلوم. فإن العالم قد حصل في ذاته كيفية هي العلم، صار بها مضافاً إلى الآخر. والمعلوم لم يحصل في ذاته شيء آخر، إنما صار مضافاً لأنه قد حصل في ذلك الآخر شيء هو العلم. والذي بقي لنا ههنا من أمر المضاف أن نعرف هل الإضافة معنى واحداً بالعدد وبالموضوع، موجود بين شيئين وله اعتباران كما ظنه بعض الناس، بل أكثرهم؟ أو لكل واحد من المضافين خاصية في إضافته؟ فنقول: إن كل واحد من المضافين فإن له معنى في نفسه بالقياس إلى الآخر، ليس هو المعنى الذي للآخر في نفسه بالقياس إليه. وهذا بيّن في الأمور المختلفة الإضافة كالأب فإن إضافته للأبوة - وهي وصف وجوده - في الأب وحده، ولكن إنما هو للأب بالقياس إلى شيء آخر في الأب، وليس كونه بالقياس إلى الآخر هو كونه في الآخر، فإن الأبوة ليست في الابن وإلاّ لكانت وصفاً له يشتق له منه الإسم، بل الأبوة في الأب. وكذلك أيضاً حال الابن بالقياس إلى الأب فليس ههنا شيء واحد البتة هو في كليهما، فليس ههنا إلاّ أبوة أو بنوة. وأما حالة موضوعة للأبوة والبنوة فلسنا نعرفها ولا لها إسم. فإن كان ذلك كون كل واحد منهما بحال بالقياس إلى الآخر، فهذا ككون كل واحد من الققنس والثلج أبيض، فإنه ليس يجب أن يكون شيئاً واحداً، وليس كونه بالقياس إلى الآخر يجعله واحداً، لأن ما لكل واحد بالقياس إلى الآخر فهو لذلك الواحد لا الآخر، لكنه بالقياس إلى الآخر. فإذا فهمت ذلك فيما مثلناه لك، فاعرف الحال في سائر المضافات التي لا اختلاف فيها. وإنما يقع أكثر الإشكال في هذا الموضع، فإنه لما كان لأحد الأخوين حالة بالقياس إلى الآخر، وكان للآخر أيضاً حالة بالقياس إلى الأول، وكانت الحالتان من نوع واحد حُسبتا شخص واحداً وليس كذلك. فإن الأول أخوة الثاني أي له وصف أنه أخو الثاني، ذلك الوصف له ولكن بالقياس إلى الثاني. وليس ذلك وصف الثاني بالعدد، بل بالنوع، كما لو كان الثاني أبيض والأول أبيض، بل الثاني أيضاً أنه أخو هذا الأول لأن له حالة في ذاته مقولة بالقياس إلى الأول. وكذلك المماسة في المتماسين، فإن كل واحد منهما مماس لصاحبه بأن له مماسته التي لا تكون إلاّ بالقياس إلى الآخر إن كان الآخر مثله. فلا تظنن البتة أن عرضاً واحداً بالعدد يكون في محلين حتى يحتاج أن تعتذر من ذلك في جعلك العرض إسماً مشكّكاً كما فعله ضعفاء التمييز. لكن الأشد اهتماماً من هذا، معرفتنا هل الإضافة في نفسها موجودة في الأعيان أو أمر إنما يتصور في العقل، ويكون ككثير من الأحوال التي تلزم الأشياء إذا عقلت بعد أن تحصل في العقل، فإن الأشياء إذا
الصفحة : 79
عقلت تحدث لها في العقل أمور لم يكن لها من خارج، فتصير كلية وجزئية وذاتية وعرضية وتكون جنس وفصل وتكون محمول وموضوع وأشياء من هذا القبيل. فقوم ذهبوا إلى أن حقيقة الإضافات إنما تحدث أيضاً في النفس إذا عقلت الأشياء. وقوم قالوا: بل بالإضافة شيء موجود في الأعيان، واحتجوا وقالوا نحن نعلم أن هذا في الوجود أب ذلك، وأن ذلك في الوجود ابن هذا، عقل أو لم يعقل، ونحن نعلم أن النبات يطلب الغذاء، وأن الطلب مع إضافة ما، وليس للنبات عقل بوجه من الوجوه ولا إدراك؛ ونحن نعلم أن السماء في نفسها فوق الأرض، والأرض تحتها، أدركت أو لم تدرك، وليست الإضافة إلاّ أمثال هذه الأشياء التي أومأنا إليها وهي تكون للأشياء وإن لم تدرك. وقالت الفرقة الثانية: إنه لو كانت الإضافة موجودة في الأشياء لوجب من ذلك أن لا تنتهي الإضافات، فإنه كان يكون بين الأب والابن إضافة، وكانت تلك الإضافة موجودة لهما أو لأحدهما أو لكل واحد منهما. فمن حيث الأبوة للأب وهي عارضة له، والأب معروض لها، فهي مضافة، وكذلك البنوة. فههنا إذن علاقة للأبوة مع الأب والبنوة مع الابن خارجة عن العلاقة التي بين الأب والابن فيجب أن تكون للإضافة إضافة أخرى وأن تذهب إلى غير النهاية، وأن تكون أيضاً من الإضافات ما هي علاقة بين موجود ومعدوم؛ كما نحن متقدمون بالقياس إلى القرون التي تخلفنا وعالمون بالقيامة. والذي تنحل به الشبهة من الطرفين جميعاً أن نرجع إلى حد المضاف المطلق فنقول: إن المضاف هو الذي ماهيته إنما تقال بالقياس إلى غيره، فكل شيء في الأعيان يكون بحيث ماهيته إنما تقال بالقياس إلى غيره فذلك الشيء من المضاف. لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصفة، فالمضاف في الأعيان موجود، فإن كان للمضاف ماهية أخرى فينبغي أن يجرد ماله من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره وغيره، إنما هو معقول بالقياس إلى غيره بسبب هذا المعنى، وهذا المعنى ليس معقولاً بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه، بل هو مضاف لذاته على ما علمت. فليس هناك ذات وشيء هو الإضافة، بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة أخرى فتنتهي من هذا الطريق الإضافات. وأما كون هذا المعنى المضاف بذاته في هذا الموضوع، فهو من حيث أنه في هذا الموضوع ماهيته معقولة بالقياس إلى هذا الموضوع، وله وجود آخر مثلاً وهو: وجود الأبوة، وذلك الوجود أيضاً مضاف. ولكن ليس ذلك هذا، فليكن هذا عارضاً من المضاف لزم المضاف، وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة أخرى. فالكون محمولاً مضاف لذاته، والكون أبوة صارت
الصفحة : 80
مضافة لذاته. فإن نفس هذا الكون مضاف بذاته ليس يحتاج إلى إضافة أخرى يصير بها مضافاً، بل هو لذاته ماهية معقولة بالقياس إلى الموضوع، أي هو بحيث إذا عقلت ماهيته كانت محتاجة إلى أن يحضر في الذهن شيئاً آخر يعقل هذا بالقياس إليه. بل إذا أخذ هذا مضافاً في الأعيان فهو موجود مع شيء آخر لذاته لا لمعية أخرى تتبعه، بل نفسه نفس المع أو المعية المخصصة بنوع تلك الإضافة. فإذا عقل احتيج إلى أن يعقل مع احضار شيء آخر، كما كانت ماهية الأبوة من حيث هي أبوة، فذاتها مضافة بذاتها لا بإضافة أخرى رابطة، وللعقل أن يخترع أمراً بينها كأنه معية خارجة منهما لا يضطر إليه نفس التصور، بل اعتبار آخر من الاعتبارات اللاحقة التي يفصلها العقل. فإن العقل قد يقرن أشياء بأشياء لأنواع من الاعتبارات لا للضرورة، فأما في نفسها فهي إضافة، لا بإضافة لأنها ماهية لذاتها تعقل بالقياس إلى الغير. وههنا إضافات كثيرة تلحق بعض الذوات لذاتها لا لإضافة أخرى عارضة، بل مثل ما يجري عليه الأمر من لحوق هذه الإضافة للإضافة الأبوية. وذلك مثل لحوق الإضافة لهيئة العلم فإنها لا تكون لاحقة بإضافة أخرى في نفس الأمور، بل تلحقها لذاتها، وإن كان العقل ربما أخترع هناك إضافة أخرى. وإذ قد عرفت هذا فقد عرفت أن المضاف في الوجود موجود بمعنى أن له هذا الحد، وهذا الحد لا يوجب أن يكون المضاف في الوجود إلاّ عرضاً إذا عقل كان بالصفة المذكورة، ولا يوجب أن يكون أمراً قائم الذات واحداً واصلاً بين الشيئين. وأما القول بالقياس فإنما يحدث في العقل، فيكون ذلك هو بالإضافة العقلية والإضافة الوجودية ما بيناه، وهو بحيث إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس، وأما كونه في العقل فإن يكون عُقل بالقياس إلى غيره، فله في الوجود حكم، وفي العقل حكم، من حيث هو في العقل لا من حيث الإضافة. ويجوز في العقل إضافات مخترعة إنما يفعلها العقل بسبب الخاصية التي للعقل منها. فالمضاف إذن موجود في الأعيان وبان أن وجوده لا يوجب أن يكون هناك إضافة إلى إضافة بغير نهاية. وليس يلزم من هذا أن يكون كل ما يعقل مضافاً يكون له في الوجود إضافة. وأما المتقدم والمتأخر في الزمان، وأحدهما معدوم وما أشبه ذلك، فإن التقدم والتأخر متضايفان بين الوجود إذا عُقِل، وبين المعقول الذي ليس مأخوذاً عن الوجود الخاص؛ فاعلمه. فإن الشيء في نفسه ليس بمتقدم إلاّ بشيء موجود معه، وهذا النوع من المتقدم والمتأخر موجود
الصفحة : 81
للطرفين معاً في الذهن، فإنه إذا أحضرت في الذهن صورة المتقدم وصورة المتأخر عقلت في النفس هذه المقايسة واقعة بين موجودين فيه، إذ كانت هذه المقايسة بين موجودين في العقل. وأما قبل ذلك فلا يكون الشيء في نفسه متقدماً، فكيف يتقدم على لا شيء موجود؟ فما كان من المضافات على هذه السبل فإنما تضايفها في العقل وحده، وليس في الوجود لها معنى قائم من حيث هذا التقدم والتاخر، بل هذا التقدم والتأخر بالحقيقة معنى من المعاني العقلية ومن المناسبات التي يفرضها العقل والاعتبارات التي تحصل للأشياء إذا قايس بينها العقل وأشار إليها. المقالة الرابعة
وفيها ثلاثة فصول.
|
 |
|
المفضلات