الفصل الأول (أ)
فصل في المتقدم والمتأخر وفي الحدوث.
لما تكلمنا عن الأمور التي تقع من الوجود والوحدة موقع الأنواع، فبالحري أن نتكلم في الأشياء التي تقع منهما موقع الخواص والعوارض اللازمة، ونبدأ أولاً بالتي تكون للوجود ومنها بالتقدم والتأخر. فنقول: إن التقدم والتأخر وإن كان مقولاً على وجوه كثيرة فإنها تكاد أن تجتمع على سبيل التشكيك في شيء، وهو أن يكون للمتقدم، من حيث هو متقدم، شيء ليس للمتأخر، ويكون لا شيء للمتأخر إلاّ وهو موجود للمتقدم. والمشهور عند الجمهور هو المتقدم في المكان والزمان. وكان التقدم والقبل في أشياء لها ترتيب، فما هو في المكان فهو الذي أقرب من ابتداء محدود، فيكون له أن يلي ذلك المبدأ حيث ليس يلي ما هو بعده، والذي بعده يلي ذلك المبدأ وقد وَليه هو. وفي الزمان كذلك أيضاً بالنسبة إلى الآن الحاضر أو أن يفرض مبدأ وإن كان مبدأ مختلفاً في الماضي والمستقبل ما تعلم. ثم نقل اسم القبل والبعد من ذلك إلى كل ما هو أقرب من مبدأ محدود. وقد يكون هذا التقدم المرتبي في أمور بالطبع، كما أن الجسم قبل الحيوان بالقياس إلى الجواهر ووضع الجوهر مبدأ، ثم إن جعل المبدأ الشخص اختلف، وكذلك الأقرب من المحرك الأول، كالصبي يكون قبل الرجل. وقد يكون في أمور لا من الطبع، بل إما بصناعة كنغم الموسيقى، فإنك إن أخذت من الحدة كان المتقدم غير الذي يكون إذا أخذت من الثقل؛ وإما ببحث واتفاق كيف كان.
الصفحة : 82
ثم نقل إلى أشياء أخرى فجعل الفائق والفاضل والسابق أيضاً ولو في غير الفضل متقدماً، فجعل نفس المعنى كالمبدأ المحدود. فما كان له منه ما ليس للآخر، وأما الاخر فليس له إلاّ ما لذلك الأول فإنه جعل متقدماً. فإن السابق في باب ما له ما ليس للثاني، وما للثاني منه فهو للسابق وزيادة. ومن هذا القبيل ما جعلوا المخدوم والرئيس قبل، فإن الإختيار يقع للرئيس وليس للمرؤوس، وإنما يقع للمرؤوس حين وقع للرئيس فيتحرك باختيار الرئيس. ثم نقلوا ذلك إلى ما يكون هذا الاعتبار له بالقياس إلى الوجود، فجعلوا الشيء الذي يكون له الوجود أولاً وإن لم يكن للثاني والثاني لا يكون له إلاّ وقد كان للأول وجوداً متقدماً على الآخر مثل: الواحد، فإنه ليس من شرط الوجود للواحد أن تكون الكثرة موجودة، ومن شرط الوجود للكثرة أن يكون الواحد موجوداً. وليس في هذا أن الواحد يفيد الوجود للكثرة أو لا يفيد، بل إنه يحتاج إليه حتى يفاد للكثرة وجود بالتركيب منه. ثم نقل بعد ذلك إلى حصول الوجود من جهة أخرى، فإنه إذا كان شيئان وليس وجود أحدهما من الآخر، بل وجوده له من نفسه أو من شيء ثالث، لكن وجود الثاني من هذا الأول، فله من الأول وجوب الوجود الذي ليس له لذاته من ذاته، بل له من ذاته الإمكان على تجويز من أن يكون ذلك الأول مهما وجد لزم وجوده أن يكون علة لوجوب وجود هذا الثاني، فإن الأول يكون متقدماً بالوجود لهذا الثاني. ولذلك لا يستنكر العقل البتة أن نقول: لما حرك زيد يده تحرك المفتاح، أو نقول: حرك زيد يده ثم تحرك المفتاح. ويستنكر أن نقول: لما تحرك المفتاح حرك زيد يده، وإن كان يقول: لما تحرك المفتاح علمنا أنه قد حرك زيد يده. فالعقل مع وجود الحركتين معاً في الزمان يفرض لأحدهما تقدماً والآخر تأخراً إذ كانت الحركة الأولى ليس سبب وجودها الحركة الثانية، والحركة الثانية سبب وجودها الحركة الأولى. ولا يبعد أن يكون الشيء مهما وجد وجب ضرورةً أن يكون علة لشيء. وبالحقيقة فإن الشيء لا يجوز أن يكون بحيث يصح أن يكون علة للشيء إلاّ ويكون معه الشيء. فإن كان من شرط كونه علة نفس ذاته، فما دام ذاته موجوداً يكون علة وسبباً لوجود الثاني؛ وإن لم يكن شرط كونه علة نفس ذاته، فذاته بذاته ممكن أن يكون عنه الشيء وممكن أن لا يكون وليس أحد الطرفين أولى من الآخر. وكذلك المتكون هو كذلك ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون. فلا من حيث هو ممكن أن يكون هو بموجود، ولا من حيث ذلك ممكن أن يكونه، فذلك معط للوجود. وذلك لأن كون الشيء عن الممكن أن يكونه ليس لذات أنه ممكن أن يكونه، فنفس كونه ممكناً ليس كافياً في أن يكون الشيء عنه. فإن كان
الصفحة : 83
نفس كونه ممكناً أن يكونه، وإن لم يكن كافياً، فقد يكون معه الشيء موجوداً مرة، ومرة لا يكون؛ ونسبته إلى الذي يكون والذي لا يكون، في الحالتين، نسبة واحدة. وليس في الحالة التي تتميز فيها أن يكون من أن لا يكون تميز أمر بسببه يوجد المعلول مع إمكان كونه عن العلة تميزاً يخالف به حال لا وجود المعلول عن العلة مع إمكان كونه عن العلة. فتكون نسبة كونه عن العلة إلى وجود الشيء عنه ولا وجود عنه واحدة، وما نسبته إلى وجود الشيء عنه ونسبته إلى لا وجوده عنه واحدة. فليس كونه علة أولى من لا كونه علة، بل العقل الصحيح يوجب أن يكون هناك حال يتميز بها وجوده عنه عن لا وجوده. فإن كانت تلك الحال أيضاً توجب هذا التمييز، فهذه الحال إذا حصلت للعلة ووجدت تكون جملة الذات وما اقترن إليها هو العلة، وقبل ذلك فإن الذات كانت موضوع العلية. وكان الشيء الذي يصح أن يصير علة ولم يكن ذلك الوجود وجود العلة، بل وجوداً إذا انضاف إليه وجود آخر كان مجموعهما العلة، وكان حينئذ يجب عنه المعلول سواء كان ذلك الشيء إرادة أو شهوة أو غضباً أو طبعاً حادثاً أو غير ذلك، أو أمراً خارجاً منتظراً لوجود العلة. فإنه إذا صار بحيث يصلح أن يصدر عنه المعلول من غير نقصان شرط باق وجب وجود المعلول. فإذن وجود كل معلول واجب مع وجود علته، ووجود علته واجب عنه وجود المعلول. وهما معاً في الزمان أو الدهر أو غير ذلك، ولكن ليسا معاً في القياس إلى حصول الوجود. وذلك لأن وجود ذلك لك يحصل من وجود هذا، فذلك له حصول وجود ليس من حصول وجود هذا، ولهذا حصول وجود هو من حصول وجود ذلك، فذلك أقدم بالقياس إلى حصول الوجود. ولقائل أن يقول: إنه إذا كان كل واحد منهما إذا وجد وجد الآخر، وإذا ارتفع ارتفع الآخر، فليس أحدهما علة والآخر معلولاً، إذ ليس أحدهما أولى أن يكون علة في الوجود دون الآخر. ونحن نجيب عن ذلك دون أن ننظر فيما يتضمنه مفهوم هذه القضية، وذلك لأنه ليس إذا وجد كل واحد منهما فقد وجد الآخر بلا تفصيل واختلاف. وذلك لأن معنى "إذا" لا يخلو إما أن يعنى به أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود نفسه أن يحصل الآخر، أو أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود أن يكون قد حصل وجود الآخر، أو أن وجود كل منهما إذا حصل في العقل يجب عنه أن يحصل الآخر في العقل، أو أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في العقل أن يكون قد حصل الآخر في الوجود أو حصل في العقل، فإن لفظة "إذا" في مثل هذه المواضع مشتركة مغلطة.
الصفحة : 84
فنقول: إن الأول كاذب غير مسلم، فإن أحدهما هو الذي إذا حصل يجب عنه حصول الآخر بعد إمكانه وهو العلة. وأما المعلول فليس حصوله يجب عنه حصول العلة، بل العلة تكون قد حصلت حتى حصل المعلول. وأما القسم الثاني فلا يصدق في جانب العلة، فإنه ليس إذا وجدت العلة وجب في الوجود إن كان المعلول قد حصل من تلقاء نفسه أو بغير علة، وذلك لأنه إن كان قد حصل فلم يجب في الوجود من حصول العلة إذا وجدت العلة وكانت تلك قد حصلت مستغنية الوجود، إلاّ أن لا يعني "بحصلت" ما مضى. ولكن تغني المقارنة ولا تصدق من جانب المعلول من وجهين: وذلك لأن العلة وإن كانت حاصلة الذات فليس ذلك واجب من حصول المعلول. والوجه الثاني أن الشيء الذي قد حصل يستحيل أن يجب وجوده بحصول شيء يفرض حاصلاً إلاّ أن لا يعني بلفظ "حصل" مفهومه. وأما القسمان الآخران فالأول منهما صحيح، فإنه يجوز أن يقال: إذا وجدت العلة في العقل وجب عند العقل أن يحصل المعلول الذي تلك العلة علته بالذات في العقل؛ وأيضاً إذا وجد المعلول في العقل وجب أن يحصل أيضاً وجود العلة في العقل. وأما الثاني منهما وهو القسم الرابع فيصدق منه قولك: إنه إذا وجد المعلول شهد العقل بأن العلة قد حصل لها وجود لا محالة مفروغ عنه حتى يحصل المعلول، وربما كانت في العقل بعد المعلول لا في الزمان فقط، ولا يلزم أن يصدق القسم الآخر من هذين القسمين الداخلين في الرابع لما قد عرفت. وكذلك في جانب الرفع، فإنه إذا رفعنا العلة رفعنا المعلول بالحقيقة، وإذا رفعنا المعلول لم نرفع العلة، بل عرفنا أن العلة تكون قد ارتفعت في ذاتها أولاً حتى أمكن رفع المعلول. فإنا لما فرضنا المعلول مرفوعاً فقد فرضنا ما لا بد من فرضه معه بالقوة، وهو أنه كان ممكناً رفعه. وإذا كان ممكناً رفعه فإنما أمكن بأن رفع العلة أولاً، فرفع العلة وإثباته سبب رفع المعلول وإثباته، ورفع المعلول دليل رفع ذلك، وإثباته دليل إثباته. فنرجع إلى حيث فارقناه، فنقول في حل الشبهة: إنه ليست المعية هي التي أوجبت لأحدهما العلية، حتى يكون ليس أحدهما أولى بالعلية من الآخر لأنهما في المعية سواء، بل إنما اختلفا لأن أحدهما فرضناه أنه لم يجب وجوده بالآخر، بل مع الآخر؛ والثاني فرضناه أنه كما أن وجوده مع الآخر فكذلك هو بالآخر. فهكذا يجب أن تتحقق هذه المسألة. ومما يشكل ههنا أمر القوة والفعل، وأنه أيهما أقدم وأيهما أشد
الصفحة : 85
تأخراً، فإن معرفة ذلك من المهمات في أمر معرفة التقدم والتأخر، وعلى أن القوة والفعل نفسه من عوارض الوجود ولواحقه، والأشياء التي يجب أن تعلم حيث تعلم أحوال الموجود المطلق.
الفصل الثاني (ب)
فصل في القوة والفعل والقدرة والعجز وإثبات المادة لكل متكون.
إن لفظة القوة وما يرادفها قد وضعت أول شيء للمعنى الموجود في الحيوان، الذي يمكنه بها أن تصدر عنه أفعال شاقة من باب الحركات ليست بأكثرية الوجود عن الناس في كميتها وكيفيتها، ويسمى ضدها الضعف، وكأنها زيادة وشدة من المعنى الذي هو القدرة، وهو أن يكون الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل إذا شاء، ولا يصدر عنه إذا لم يشأ، التي ضدها العجز. ثم نقلت عنه فجعلت للمعنى الذي لا ينفعل له وبسببه الشيء بسهولة، وذلك لأنه كان يعرض لمن يزاول الأفعال والتحريكات الشاقة أن ينفعل أيضاً منها، وكان انفعاله والألم الذي يعرض له منه يصده عن إتمام فعله. فكان إن انفعل انفعالاً محسوساً قيل له: ضعف وليست له قوة، وإن لم ينفعل قيل: إن له قوة. فكان أن "ينفعل" دليلاً على المعنى الذي سميناه أولاً قوة. ثم جعلوه اسم هذا المعنى حتى صار كونه بحيث لا ينفعل إلاّ يسيراً يسمى قوة، وإن لم يفعل شيئاً. ثم جعلوا الشيء الذي لا ينفعل البتة أولى بهذا الاسم، فسموا حالته من حيث هو كذلك قوة. ثم صيروا القدرة نفسها - وهي الحال التي للحيوان، وبها يكون له أن يفعل، وأن لا يفعل، بحسب المشيئة، وعدم المشيئة، وزوال العوائق - قوة، إذ هو مبدأ الفعل. ثم أن الفلاسفة نقلوا اسم القوة، فأطلقوا لفظ القوة على كل حال تكون في شيء هو مبدأ تغيير يكون منه في آخر من حيث ذلك آخر، وإن لم يكن هناك إرادة، حتى سموا الحرارة قوة لأنها مبدأ التغيير من آخر في آخر بأنه آخر. حتى أن الطبيب إذا حرك نفسه أو عالج نفسه وكان مبدأ التغيير منه فيه، فليس ذلك فيه من حيث هو قابل للعلاج أو الحركة، بل من حيث هو آخر، بل كأنه شيئان: شيء له قوة أن يفعل، وشيء له قوة أن ينفعل، ويشبه أن يكون الأمران منه مفترقين في جزءين. فيكون مثلاً المحرك في نفسه، والمتحرك في بدنه، وهو المحرك بصورته والمتحرك في مادته. فهو من حيث يقبل العلاج غيرٌ لذاته من حيث يعالج.
الصفحة : 86
ثم بعد ذلك لما وجدوا الشيء الذي له قوة بالمعنى المشهور - قدرة كانت أو شدة قوة - ليس من شرط تلك القوة أن يكون بها فاعلاً بالفعل، بل له من حيث القوة إمكان "أن يفعل" وإمكان أن "لا يفعل" نقلوا اسم القوة إلى الإمكان. فسموا الشيء الذي وجوده في حد الإمكان موجوداً بالقوة، وسموا إمكان قبول الشيء وانفعاله قوة انفعالية، ثم سموا تمام هذه القوة فعلاً وإن لم يكن فعلاً، بل انفعالاً، مثل تحريك أو تشكل أو غير ذلك. فإنه لما كان هناك المبدأ الذي يسمى قوة، وكان الأصل الأول في المسمى بهذا الاسم إنما هو على ما هو بالحقيقة فعل، سموا هذا الذي قياسه إلى ما سموه الآن قوة، كقياس الفعل إلى المسمى قديماً باسم الفعل، ويعنون بالفعل حصول الوجود. وإن كان ذلك الأمر انفعالاً، أو شيئاً ليس هو فعلاً ولا انفعالاً، فهذه هي القوة الانفعالية، وربما قالوا قوة لجودة هذه وشدتها. والمهندسون لما وجدوا بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلع مربع، وبعضها ليس ممكناً له أن يكون ضلع ذلك مربع، جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط كأنه أمر ممكن فيه. وخصوصاً إذا تخيل بعضهم أن حدوث هذا المربع هو بحركة ذلك الضلع على مثل نفسه. وإذ قد عرفت القوة، فقد عرفت القوي، وعرفت أن غير القوي إما الضعيف وإما العاجز وإما السهل الانفعال وإما الضروري، وإما أن لا يكون المقدار الخطي ضلعاً لمقدار سطحي مفروض. وقد يشكل من هذه الجملة أمر القوة التي بمعنى القدرة، فإنها يظن أنها لا تكون موجودة إلاّ لما من شأنه أن يفعل، ومن شأنه أن لا يفعل. فإن كان لما من شأنه أن يفعل فقط فلا يرون أن له قدرة، وهذا ليس بصادق. فإنه إن كان هذا الشيء الذي يفعل فقط يفعل من غير أن يشأ ويريد، فذلك ليس له قدرة ولا قوة بهذا المعنى؛ وإن كان يفعل بإرادة واختيار إلاّ أنه دائم الإرادة ولا يتغير، وإرادته وجوداً اتفاقياً أو يستحيل تغيرها استحالة ذاتية، فإنه يفعل بقدرة. وذلك لأن حد القدرة التي يؤثرون هؤلاء أن يحدوها به موجود ههنا، وذلك لأن هذا يصح عنه أن يفعل إذا شاء وأن لا يفعل إذا لم يشأ، وكلا هذين شرطيان، أي أنه إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل.وإنما هما داخلان في تحديد القدرة على ما هما شرطيان، وليس من صدق الشرطي أن يكون هناك استثناء بوحه من الوجوه، أو صدق حملي، فإنه ليس إذا صدق قولنا: إذا لم يشاء أن يفعل، يلزم أن يصدق: لكنه لم يشأ وقتاً ما؛ وإذا كذب: أنه لم يشأ البتة، يوجب ذلك كذب قولنا: وإذا لم يشأ لم يفعل. فإن هذا يقتضي أنه لو كان لا يشاء لما كان يفعل، كما أنه إذا يشاء فيفعل. وغذا صح أنه إذا شاء فعل، صح أنه إذا فعل فقد شاء أي إذا فعل فعل من حيث هو قادر. فيصح أنه إذا لم يشأ لم يفعل، وإذا لم يفعل لم يشأ، وليس في هذا أنه يلزم أن لا يشأ وقتاً ما. وهذا بيّن

الصفحة : 87
لمن عرف المنطق. وهذه القوى التي هي مبادئ للحركات والأفعال، بعضها قوى تقارن النطق والتخيل، وبعضها قوى لا تقارن ذلك. والتي تقارن النطق والتخيل تجانس النطق والتخيل، فإنه يكاد أن يعلم بقوة واحدة الإنسان واللا إنسان، ويكون لقوة واحدة أن تتوهم أمر اللذة والألم، وأن تتوهم بالجملة الشيء وضده. وكذلك هذه القوى أنفسها أو حادها تكون قوة على الشيء وعلى ضده، لكنها بالحقيقة لا تكون قوة تامة أي مبدأ تغير من أمر آخر في آخر بأنه آخر بالتمام وبالفعل إلاّ إذا اقترن بها الإرادة منبعثة عن اعتقاد وهمي تابع لتخيل شهواني أو غضبي، أو عن رأي عقلي تابع لفكرة عقلية أو تصور صورة عقلية. فتكون إذا اقترن بها تلك الإرادة ولم تكن إرادة مميلة بعد، بل إرادة جازمة، وهي التي هي الإجماع الموجب لتحريك الأعضاء، صارت لا محالة مبدأ للفعل بالوجوب، إذ قد بينا أن العلة ما لم تصر علة بالوجوب حتى يجب عنها الشيء لم يوجد عنها المعلول، وقبل هذه الحالة فإنما تكون الإرادة ضعيفة لم يقع إجماع. فهذه القوى المقارنة للنطق - بانفرادها - لا يجب من حضور منفعلها ووقوعه بالنسبة التي إذا فعلت فيه فعلاً، فعلت بها أن يكون يفعل بها وهي بعد قوة. وبالجملة لا يلزم من ملاقاتها للقوة المنفعلة أن تفعل ذلك، وذلك لأنه لو كان يجب عنها وحدها أن تفعل لكان يجب من ذلك أن تصدر عنها الفعلان المتضادان والمتوسطان بينهما، وهذه محال؛ بل إذا صارت كما قلنا فإنها تفعل بالضرورة. وأما القوى التي في غير ذوات النطق والتخيل فإنها إذا لاقت القوة المنفعلة وجب هناك الفعل، إذ ليس هناك إرادة واختيار تنتظر، فإن انتظر هناك فيكون طبع ينتظر. فإذا كان يحتاج إلى طبع فذلك هو إما المبدأ للأمر، وإما جزء من المبدأ. والمبدأ مجموع ما كان قبل وما حصل ويكون حينئذ نظيراً للإرادة المنتظرة. لكن الإرادة تفارق هذا من حيث تعلم، والقوة الإنفعالية أيضاً التي يجب إذا لاقت الفاعل أن يحدث الإنفعال في هذه الأشياء هي القوة الإنفعالية التامة، فإن القوة الإنفعالية قد تكون تامة وقد تكون ناقصة، لأنها قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة. فإن في المني قوة أن يصير رجلاً، وفي الصبي أيضاً قوة أن يصير رجلاً، لكن القوة التي في المني تحتاج إلى أن تلقاها أيضاً قوة محركة قبل المحرك إلى الرجلية، لأنها تحتاج إلى الفعل شيئاً ما غير الرجل، ثم بعد ذلك يهيأ أن تخرج إلى الفعل رجلاً، وبالحقيقة فإن القوة الإنفعالية الحقيقية هي هذه. وأما المني فبالحقيقة ليست فيه بعد قوة انفعالية، فإنه يستحيل أن يكون المني وهو مني أن ينفعل رجلاً، لكنه كما كان في قوته أن يصير شيئاً من قبل غير
الصفحة : 88
المني ثم ينتقل بعد ذلك إلى شيء آخر، كان هو بالقوة أيضاً ذلك الشيء، بل المادة الأولى هو بالقوة كل شيء. فبعض ما يحصل فيها يعوقها عن بعض، فيحتاج المعوق عنه إلى زواله، وبعض ما فيه لا يعوق عن بعض آخر ولكنه يحتاج إلى قرينة أخرى حتى يتم الاستعداد، وهذه القوة هي قوة بعيدة. وأما القوة القريبة فهي لا تحتاج إلى أن تقارنها قوة فاعلية قبل القوة الفاعلية التي تنفعل بها، فإن الشجرة ليست بالقوة مفتاحاً لأنها تحتاج إلى أن تلقاها أولاً قوة فاعلية قبل القوة الفاعلية للمفتاحية وهي القوة القالعة والناشرة والناحتة، ثم بعد ذلك تتهيأ لأن تفعل من ملاقاة القوة الفاعلية للمفتاحية. والقوى بعضها يحصل بالطباع وبعضها يحصل بالعادة وبعضها يحصل بالصناعة وبعضها يحصل بالاتفاق. والفرق بين الذي يحصل بالصناعة والذي يحصل بالعادة أن الذي يحصل بالصناعة هو الذي يقصد فيه استعمال مواد وآلات وحركات فتكتسب النفس بذلك ملكة كأنها صورة تلك الصناعة، وأما الذي بالعادة فهو ما يحصل من أفاعيل ليست مقصورة فيها ذلك فقط، بل إنما تصدر عن شهوة أو غضب أو رأي يتوجه فيها القصد إلى غير هذه الغاية. ثم قد تتبعها غاية هي العادة، ولم تقصد، ولا تكون العادة نفس ثبوت تلك الأفاعيل في النفس، وربما لم يكن للعادة آلات ومواد معينة، فإنه لا سواء أن يعتاد إنسان المشي وأن يعتاد التجارة من الجهة التي قلنا وبينهما تفاوت شديد. ومع ذلك فإنك إذا دققت النظر عاد حصول العادة والصناعة إلى جهة واحدة. والقوى التي تكون بالطبع منها ما يكون في الأجسام الغير الحيوانية ومنها ما يكون في الأجسام الحيوانية وقد قال بعض الأوائل، وغاريقوا منهم: إن القوة تكون مع الفعل ولا تتقدمه، وقال بهذا أيضاً قوم من الواردين بعده بحين كثير. فالقائل بهذا القول كأنه يقول: إن القاعد ليس يقوى على القيام أي لا يمكن في جبلته أن يقوم ما لم يقم فكيف يقوم؟ وأن الخشب ليس في جبلته أن ينحت منه باب، فكيف ينحت؟ وهذا القائل لا محالة غير قوي على أن يرى وعلى أن يبصر في اليوم الواحد مراراً، فيكون بالحقيقة أعمى، بل كل ما ليس موجوداً ولا قوة على أن يوجد فإنه مستحيل الوجود. والشيء الذي هو ممكن أن يكون فهو ممكن أن لا يكون وإلاّ كان واجباً أن يكون، والممكن أن يكون لا يخلو إما أن يكون ممكناً أن يكون شيئاً آخر، وأن لا يكون، وهذا هو الموضوع للشيء الذي من شأنه أن تحله صورته. وإما أن يكون كذلك باعتبار نفسه، كالبياض إذ كان يمكن أن يكون وممكن أن لا يكون في نفسه، فهذا لا يخلو إما أن يكون شيئاً إذا وجد كان قائماً بنفسه، حتى يكون إمكان وجوده هو أنه يمكن أن يكون قائماً مجرداً
الصفحة : 89
أو يكون إذا كان موجوداً وجد في غيره. فإن كان الممكن، بمعنى أنه يمكن أن يكون شيئاً في غيره، فإن إمكان وجوده أيضاً في ذلك الغير. فيجب أن يكون ذلك الغير مووداً مع إمكان وجوده وهو موضوعه. وإن كان إذا كان قائماً بنفسه لا في غيره ولا من غيره بوجه من الوجوه، ولا علاقة له مع مادة من المواد علاقة ما يقوم فيها أو يحتاج في أمر ما إليها، فيكون إمكان وجوده سابقاً عليه غير متعلق بمادة دون مادة ولا جوهر دون جوهر. غذ ذلك الشيء لا علاقة له مع شيء، فيكون إمكان وجوده جوهراً لأنه شيء موجود بذاته. وبالجملة إن لم يكن إمكان وجوده حاصلاً كان غير ممكن الوجود ممتنعاً، وإذ هو حاصل موجود قائم بذاته - كما فرض - فهو موجود جوهراً، وإذ له جوهر فله ماهية ليس لها من المضاف إذ كان الجوهر ليس بمضاف الذات، بل يعرض له المضاف فيكون لهذا القائم بذاته وجود أكثر من إمكان وجوده الذي هو به مضاف. وكلامنا في نفس إمكان وجوده، وعليه حكمنا أنه ليس في موضوع، والآن فقد صار أيضاً في موضوع، هذا خلف. فإذ لا يجوز أن يكون لما يبقى قائماً بنفسه لا في موضوع ولا من موضوع بوجه من الوجوه وجود بعد ما لم يكن، بل يجب أن يكون له علاقة ما مع الموضوع حتى يكون. وأما إذا كان الشيء الذي يوجد قائماً بنفسه لكنه يوجد من شيء غيره أو مع وجود شيء غيره، أما الأول فكالجسم من هيولي وصورة، وأما الثاني فكالأنفس الناطقة مع تكون الأبدان، فإن إمكان وجوده يكون متعلقاً بذلك الشيء لا على أن ذلك الشيء بالقوة هو كون الجسم أبيض بالقوة ولا أن فيه قوة أن يوجد هو منطبعاً فيه كون إمكان البياض في الموضوع الذي ينطبع فيه البياض، بل على أن يوجد معه أو عند حال له. فالجسم الذي يحدث كنار حادثة إنما إمكان وجوده هو أن يحدث من المادة والصورة، فلا يكون لإمكان وجوده محل بوجه ما وهو مادته، فيكون الشيء الذي يحدث منه أولاً وهو الصورة يحدث في المادة ويحدث الجسم لاجتماعهما من المادة بوجه ومن الصورة بوجه. وأما النفس فإنها لا تحدث أيضاً إلاّ بوجود موضوع بدني. وحينئذ يكون إمكان وجوده في ذلك قائماً به لاختصاص تلك المادة به، فإن النفس إنما يمكن وجودها بعد ما لم تكن، وهو إمكان حدوثها عند وجود أجسام على نحو من الإمتزاج تصلح أن تكون آلة لها ويتميز بها استحقاق حدوثها من الأوائل من لا استحقاقه عنها. فإذا كان فيها إمكان هذا الإمتزاج فهو إمكان لوجود النفس. وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر من جسم آخر فإنه يفعل بقوة ما فيه، أما
الصفحة : 90
الذي بالإرادة والاختيار فلأن ذلك ظاهر وأما الذي ليس بالإرادة والاختيار فلأن ذلك الفعل إما أن يصدر عن ذاته أو يصدر عن شيء مباين له جسماني أو عن شيء مباين له غير جسماني. فإن صدر عن ذاته وذاته تشارك الأجسام الأخرى في الجسمية وتخالفها في صدور ذلك الفعل عنها فإن في ذاته معنى زائد على الجسمية هو مبدأ صدور ذلك الفعل عنه، وهذا هو الذي يسمى قوة؛ وإن كان ذلك عن جسم آخر فيكون هذا الفعل عن هذا الجسم بقسر أو عرض، وقد فرض لا بقسر من جسم آخر ولا عرض. وإن كان عن شيء مفارق فلا يخلو إما أن يكون اختصاص هذا الجسم بهذا التوسط عن ذلك المفارق هو بما هو جسم، أو لقوة فيه، أو لقوة في ذلك المفارق. فإن كان بما هو جسم، فكل جسم يشاركه فيه، لكن ليس يشاركه فيه. وإن كان لقوة فيه فتلك القوة مبدأ صدور ذلك الفعل عنه، وأيضاً إن كان قد يفيض من المفارق وبمعاونته، أو لكونه المبدأ الأول فيه. وأما إن كان لقوة في ذلك المفارق فإما أن تكون نفس تلك القوة توجب ذلك، أو اختصاص إرادة. فإن كان نفس القوة توجب ذلك فلا يخلو أن يكون إيجاب ذلك عن هذا الجسم بعينه لأحد الأمور المذكورة، ويرجع الكلام من رأس. وإما أن يكون على سبيل الإرادة، فلا يخلو إما أن تكون تلك الإرادة ميزت هذا الجسم بخاصية يختص بها من سائر الأجسام، أو جزافاً وكيف اتفق. فإن كان جزافاً كيف اتفق لم يستمر على هذا النظام الأبدي والأكثري، فإن الأمور الاتفاقية هي التي ليست دائمة ولا أكثرية، لكن الأمور طبيعية دائمة وأكثرية فليست باتفاقية. فيبقى أن يكون بخاصية بها يختص من سائر الأجسام، وتكون تلك الخاصية مراداً منها صدور ذلك الفعل، ثم لا يخلو إما أن يراد ذلك لأن تلك الخاصية توجب ذلك الفعل، أو تكون منه في الأكثر، أو لا توجب ولا تكون منه في الأكثر. فإن كان يوجب فهو مبدأ ذلك. وإن كان في الأكثر، والذي في الأكثر - كما علمت في الطبيعيات - هو بعينه الذي يوجب لكن له عائق لأن اختصاصه بأن يكون الأمر أكثر يكون بميل من طبيعته إلى جهة ما يكون منه، فإن لم يكن فيكون لعائق، فيكون الأكثري أيضاً في نفسه موجباً إن لم يكن عائق، ويكون الموجب هو الذي يسلم له الأمر بلا عائق وإن كانت تلك الخاصية لا توجبه ولا تكون منه في الأكثر، فكونه عنه وعن غيره واحد، فاختصاصه به جزاف، وقيل إنه ليس بجزاف. وكذلك إذا قيل: إن كونه صاحب تلك الخاصية أولى، فمعناه أن صدوره عنها أوفق. فهو إذن موجب له أو ميسّر لوجوبه، والميسّر إما علة بالذات وإما بالعرض، فإذا لم تكن أخرى بالذات غيره فليس هو
الصفحة : 91
بالعرض، لأن الذي بالعرض هو على أحد النحوين المذكورين، فبقي أن تلك الخاصية بنفسها موجبة. فالخاصية الموجبة تسمى قوة، وهذه القوة عنها تصدر الأفاعيل الجسمانية وإن كان بمعونة من مبدأ أبعد. ولنؤكد بيان أن لكل حادث مبدأ مادياً، فنقول بالجملة: إن كل حادث بعد ما لم يكن فله لا محالة مادة، لأن كل كائن يحتاج إلى أن يكون - قبل كونه - ممكن الوجود في نفسه، فإنه إن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكن البتة. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً. ألا ترى أنا نقول: إن المحال لا قدرة عليه، ولكن القدرة هي على ما يمكن أن يكون فلو كان إمكان كون الشيء هو نفس القدرة عليه، كان هذا القول كأنا نقول: إن القدرة إنما تكون على ما عليه القدرة، وكأنا نقول: إن المحال ليس عليه قدرة لأنه ليس عليه قدرة، وما كنا نعرف أن هذا الشيء مقدور عليه أو غير مقدور عليه بنظرنا في نفس الشيء، بل نظرنا في حال قدرة القادر هل عليه قدرة أم لا. فإن أشكل علينا أنه مقدور عليه أو غير مقدور عليه لم يمكننا أن نعرف ذلك البتة، لأنا إن عرفنا ذلك من جهة أن الشيء محال أو ممكن وكان معنى المحال هو أنه غير مقدور عليه ومعنى الممكن أنه مقدور عليه، كنا عرفنا المجهول بالمجهول. فبين واضح أن معنى كون الشيء ممكناً في نفسه هو غير معنى كونه مقدوراً عليه وإن كانا بالموضوع واحداً، وكونه مقدوراً عليه لازم لكونه ممكناً في نفسه، وكونه ممكناً في نفسه هو باعتبار ذاته وكونه مقدوراً عليه هو باعتبار إضافته إلى موجده. وإذا قد تقرر هذا، فإنا نقول: إن كل حادث فإنه قبل حدوثه إما أن يكون في نفسه ممكناً أن يوجد أو محالاً أن يوجد. والمحال أن يوجد لا يوجد. والممكن أن يوجد قد سبقه إمكان وجوده، وأنه ممكن الوجود، فلا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى معدوماً أو معنى موجوداً، ومحال أن يكون معنى معدوماً وإلاّ فلم يسبقه إمكان وجوده، فهو إذن معنى موجود. وكل معنى موجود فإما قائم في موضوع أو قائم لا في موضوع، وكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافاً. وإمكان الوجود إنما هو بالإضافة إلى ما هو إمكان وجود له، فليس إمكان الوجود جوهراً لا في موضوع، فهو إذن معنى في موضوع وعارض لموضوع. ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود؛ ونسمي حامل قوة الوجود الذي فيه وجود الشيء موضوعاً وهيولي ومادة وغير ذلك بحسب اعتبارات مختلفة، فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة، فنقول: إن هذه الفصول التي أوردناها توهم أن القوة - على الاطلاق - قبل الفعل ومتقدمة عليه لا في الزمان وحده،
الصفحة : 92
وهذا شيء قد مال إليه عامة من القدماء، فبعضهم جعل للهيولي وجوداً قبل الصورة، وأن الفاعل ألبسها الصورة بعد ذلك إما ابتداء من نفسه وإما لداع دعاه إليه، كما ظنه بعض الشارعين فيما لا يعنيه ولا له درجة الخوض في مثله. فقال: إن شيئاً كالنفس وقع له فلتةً أن اشتغل بتدبير الهيولي وتصويرها فلم يحسن التدبير ولا كمل لحسن التصوير، فتداركها الباري تعالى وأحسن تقويمها. ومنهم من قال: إن هذه الأشياء كانت في الأزل تتحرك بطباعها حركات غير منتظمة، فأعان الباري تعالى طبيعتها ونظمها. ومنهم من قال: إن القديم هو الظلمة أو الهاوية أو شيء لا يتناهى لم يزل ساكناً، ثم حرك، أو الخليط الذي يقول به أنكساغورس. وذلك لأنهم قالوا: إن القوة تكون قبل الفعل، كما في البذور والمني وفي جميع ما يصنع، فبالحري أن نتأمل هذا ونتكلم فيه. فنقول: أما الأمر في الأشياء الجزئية الكائنة الفاسدة فهو على ما قالوا، فإن القوة فيها قبل الفعل قبلية في الزمان؛ وأما الأمور الكلية أو المؤبدة التي لا تفسد وإن كانت جزئية فإنها لا تتقدمها التي بالقوة البتة. ثم القوة متأخرة بعد هذه الشرائط من كل وجه، وذلك لأن القوة إذ ليست تقوم بذاتها فلابد لها من أن تقوم بجوهر يحتاج أن يكون بالفعل، فإنه إن لم يكن صار بالفعل فلا يكون مستعداً لقبول شيء، فإن ما هو ليس مطابقاً فليس ممكناً أن يقبل شيئاً. ثم قد يكون الشيء بالفعل ولا يحتاج إلى أن يكون بالقوة شيئاً كالأبديات فإنها دائماً بالفعل. فمن هذه الجهة حقيقة ما بالفعل قبل حقيقة القوة بالذات، ومن وجه آخر أيضاً فإن القوة تحتاج أن تخرج إلى الفعل بشيء موجود بالفعل وقت كون الشيء بالقوة، ليس إنما يحدث ذلك الشيء حدوثاً مع الفعل فإن ذلك أيضاً يحتاج إلى مخرج آخر وينتهي إلى شيء موجود بالفعل لم يحدث. وفي أكثر الأمر فإنما يخرج القوة إلى الفعل شيء مجانس لذلك الفعل موجود قبل الفعل بالفعل كالحار يسخن والبارد يبرد. وأيضاً فكثيراً ما يوجد ما هو بالقوة من هو حامل القوة للشيء الذي هو بالفعل، حتى يكون الفعل بالزمان قبل القوة لا مع القوة، فإن المني كان عن الإنسان والبذر عن الشجرة حتى كان عن ذلك إنسان وعن هذا شجرة. فليس أن يفرض الفعل في هذه الأشياء قبل القوة أولى من أن تفرض القوة قبل الفعل. وأيضاً فإن الفعل في التصور والتحديد قبل القوة، لأنك لا يمكنك أن تحد القوة إلاّ أنها للفعل وأما الفعل فإنك لا تحتاج في تحديده وتصويره أنه للقوة. فإنك تحد المربع وتعقله من غير أن يخطر ببالك قوة مقبولة، ولا يمكنك أن تحد القوة على التربيع إلاّ أن تذكر المربع لفظاً أو عقلاً وتجعله جزء حده.
الصفحة : 93
وأيضاً فإن العقل قبل القوة بالكمال والغاية، فإن القوة نقصان والفعل كمال، والخير في كل شيء إنما هو مع الكون بالفعل؛ وحيث الشر فهناك ما بالقوة بوجه ما، فإن الشيء إذا كان شراً فإما أن يكون لذاته شراً ومن كل وجه، وهذه محال. فإنه إن كان موجوداً فمن حيث هو موجود ليس بشر، وإنما يكون شراً من حيث هو فيه عدم كمال مثل الجهل للجاهل، أو لأنه يوجب في غيره ذلك مثل الظلم للظالم. فالظلم إنما هو شر لأنه ينتقص من الذي فيه الظلم طبيعة الخير، ومن الذي عليه الظلم السلامة أو الغنى، أو غير ذلك. فيكون من حيث هو شر مشوباً بعدم وبشيء بالقوة، ولو أنه لم يكن معه ولا منه ما بالقوة لكانت الكمالات التي تجب للأشياء حاضرة فما كان شراً بوجه من الوجوه. فبين أن الذي بالفعل هو الخير من حيث هو كذلك، والذي بالقوة هو الشر أو منه الشر. واعلم أن القوة على الشر خير من الفعل، والكون بالفعل خيراً خير من القوة على الخير، ولا يكون الشرير شريراً بقوة الشر، بل بملكة الشر. ونرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: قد علمت حال تقدم القوة مطلقاً، وأما القوة الجزئية فيتقدم الفعل الذي هو قوة عليه، وقد يتقدمها فعل مثل فعلها حتى تكون القوة منه، ولا يجب لكن يكون معها شيء آخر به تخرج القوة إلى الفعل وإلاّ لم يكن الفعل البتة بموجود. إذ القوة وحدها لا تكفي في أن تكون فعل، بل تحتاج إلى مخرج للقوة إلى الفعل. فقد علمت أن الفعل بالحقيقة أقدم من القوة، وأنه هو المتقدم بالشرف والتمام.