الفصل الثالث (ج)
الصفحة : 94
فصل في التام والناقص وما فوق التمام، وفي الكل، وفي الجميع التام.
أول ما عرف عرف في الأشياء ذوات العدد، إذ كان جميع ما ينبغي أن يكون حاصلاً للشيء قد حصل بالعدد، فلم يبقى شيء من ذلك غير موجود. ثم نقل ذلك إلى الأشياء ذوات الكم المتصل، فقيل: تام في القامة إذا كانت تلك أيضاً عند الجمهور معدودة لأنها إنما تعرف عند الجمهور من حيث تقدر، وإذا قدرت لم يكن بد من أن تعد. ثم نقلوا ذلك إلى الكيفيات والقوى، فقالوا: كذا تام القوة وتام البياض وتام الحسن وتام الخير، كأن جميع ما يجب أن يكون له الخير قد حصل له ولم يبق شيء من خارج. ثم إذا كان من جنس الشيء شيء، وكان لا يحتاج إليه في ضرورة أو منفعة أو نحو ذلك، رأوه زائداً ورأوا الشيء تاماً دونه، ثم إن كان ذلك الذي يحتاج إليه الشيء في نفسه قد حصل وحصل معه شيء آخر من جنسه ليس يحتاج إليه في أصل ذات الشيء إلاّ أنه وإن كان ليس يحتاج إليه في ذلك الشيء فهو نافع في بابه، قيل لجملة ذلك: إنه فوق التمام ووراء الغاية. فهو هو التام والتمام. فكأنه اسم للنهاية، وهو أولاً للعدد، ثم لغيره على الترتيب. وكان الجمهور لا يقولون لذي العدد إنه تام أيضاً إذا كان أقل من ثلاثة، وكذلك كأنهم لا يقولون له كل وجميع. وكأن الثلاثة إنما صارت تامة لأن لها مبدأ وواسطة ونهاية، وإنما كان كون الشيء له مبدأ وواسطة ونهاية تجعله تاماً لأن أصل التمام كان في العدد. ثم لم يكن هذا في طبيعة عدد من الأعداد من حيث هو عدد أن يكون تاماً على الاطلاق، فإن كل عدد فمن جنس وحدانياته ما ليس موجوداً فيه، بل إنما يكون تاماً في العشرية والتسعية، وأما من حيث هو عدد فليس يجوز أن يكون تامتً من حيث هو عدد، وأما من حيث له مبدأ ومنتهى وواسطة فهو تام، لأنه من حيث يكون له مبدأ ومنتهى يكون ناقصاً من جهة ما ليس فيما بينهما شيء من شأنه أن يكون بينهما وهو الواسطة. وقس عليه سائر الأقسام أي أن يكون واسطة وليس منتهى، أو واسطة ومنتهى وقد فقد مايجب أن يكون له مبدأ. ثم من المحال أن يكون مبدآن في الأعداد ليس أحدهما واسطة بوجه إلاّ لعددين ولا منتهيان ليس أحدهما واسطة بوجه إلاّ لعددين. وأما الوسائط فقد يجوز أن تكثر إلاّ أنها تكون جملتها في أنها واسطة كشيء واحد؛ ثم لا يكون للتكثر حد يوقف عليه. فإذن حصول المبدئية والنهاية والتوسط هو أتم ما يمكن أن يقع في ترتيب مثله، ولا يكون ذلك إلاّ للعدد ولا يكون منحصراً إلاّ في الثلاثية.
الصفحة : 95
وإذا اشرنا إلى هذا المبلغ فلنعرض عنه، فليس من عادتنا أن نتكلم في مثل هذه الأشياء التي تبنى على تخمينات إقناعية وليست من طرق القياسات العلمية. بل نقول: إن الحكماء ايضاً قد نقلوا التام إلى حقيقة الوجود، فقالوا من وجه: إن التام هو الذي ليس شيء من شأنه أن يكمل به وجوده بما ليس له بل كل ما هو كذلك فهو حاصل له وقالوا من وجه آخر: إن التام هو الذي بهذه الصفة مع شرط أن وجوده بنفسه على أكمل ما يكون له هو وحده حاصل له وليس منه إلا ما له، وليس ينسب إليه من جنس الوجود شيء فضل على ذلك الشيء نسبة أولية لا بسبب غيره. وفوق التمام ما له الوجود الذي ينبغي له، ويفضل عنه الوجود لسائر الأشياء كأن له وجوده الذي ينبغي له، وله الوجود الزائد الذي ليس ينبغي له، ولكن يفضل عنه للأشياء وذلك من ذاته. ثم جعلوا هذا مرتبة المبدأ الأول الذي هو فوق التمام، ومن وجوده في ذاته لا بسبب غير يفيض الوجود فاضلا عن وجوده على الأشياء كلها. وجعلوا مرتبة التمام لعقل من العقول المفارقة الذي هو في أول وجوده بالفعل لا يخالطه ما بالقوة، ولا ينتظر وجوداً آخر يوجد عنه، فإن كل شيء آخر، فذلك أيضاً من الوجود الفائض من الأول. وجعلوا دون التمام شيئين: المكتفي والناقص. والمكتفي هو الذي أعطى ما به يحصل كمال نفسه في ذاته، والناقص المطلق هو الذي يحتاج إلى آخر يمده الكمال بعد الكمال. مثل المكتفي: النفس النطقية التي للكل، أعني السموات، فإنها بذاتها تفعل الأفعال التي لها وتوجد الكمالات التي يجب أن يكون لها شيء بعد شيء لا تجتمع كلها دفعة واحدة، ولا تبقى أيضاً دائماً إلا ما كان من كمالاتها التي في جوهرها وصورتها، فهو لا يفارق ما بالقوة وإن كان فيه مبدأ يخرج قوته إلى الفعل، كما تعلم هذا بعد. وأما الناقص فهو مثل هذه الأشياء التي في الكون والفساد. ولفظ التمام ولفظ الكل ولفظ الجميع تكاد تكون متقاربة الدلالة. لكن التمام ليس من شرطه أن يحيط بكثرة بالقوة أو بالفعل. وأما الكل فيجب أن يكون لكثرة بالقوة أو بالفعل، بل الوحدة في كثير من الأشياء هو الوجود الذي ينبغي له. وأما التمام في الأشياء ذوات المقادير والأعداد فيشبه أن يكون هو بعينه الكل في الموضوع. فالشيء "تام" من حيث أنه لم يبق شيء خارجاً عنه وهو "كل" لأن ما يحتاج إليه حاصل فيه فه بالقياس إلى الكثرة الموجودة المحصورة فيه "كل" وبالقياس إلى ما لم يبق خارجاً عنه "تام". ثم قد اختلف في لفظي الكل والجميع على اعتباريهما، فتارة يقولون: إن الكل يقال للمتصل والمنفصل،
الصفحة : 96
والجميع لا يقال إلا للمنفصل، وتارة يقولون: إن الجميع يقال خاصة لما ليس لوضعه اختلاف والكل لما لوضعه اختلاف، ويقال: "كل" و"جميع" معاً لما يكون له الحالان جميعاً. وأنت تعلم هذه الألفاظ يجب أن تستعمل على ما يقع عليه الإصطلاح والأحرى من وجه أن يقال: "كل" لما كان فيه انفصال حتى يكون له جزء فإن الكل يقال بالقياس إلى الجزء، والجميع أيضاً يجب أن يكون كذلك. فإن الجميع من جمع، والجمع إنما يكون لآحاد بالفعل أو وحدات بالفعل، لكن الاستعمال قد اطلقه على ما كان أيضاً جزؤه وواحده بالقوة. فكأن الكل يعتبر فيه أن يكون في الأصل بإزاء الجزء، والجميع بإزاء الواحد، كأن الكل يعتبر فيه أن يكون له ما بعده، وإن لم يلتفت إلى وحدته، وكأن الجميع يعتبر فيه أن يكون فيه آحاد وإن لم يلتفت إلى عده. وكأن هذا القول كله من الفضل، فإن الإصطلاح أجراهما بعد ذلك مجرى واحداً حتى صار أيضاً يقال الكل والجميع في غير ذوات الكمية، إذ كان لها أن تتكمم بالعرض كالبياض كله والسواد كله، أو كان لها أن تشتد وتضعف كالحرارة كلها والقوة كلها. ويقال للمركب من أشياء تختلف كالحيوان "كل" إذ هو من نفس وبدن. وأما الجزء فإنه تارة يقال لما يُعد وتارة لما يكون شيئاً من الشيء و له غيره معه وإن كان لا يَعُدّه، وربما خُصّ هذا بإسم البعض. ومن الجزء ما ينقسم إليه الشيء لا في الكم، بل في الوجود، مثل النفس والبدن للحيوان، والهيولي والصورة للمركب؛ وبالجملة ما يتركب منه المركب لمختلف المبادئ.
الصفحة : 97
المقالة الخامسة
وفيها تسعة فصول

الفصل الأول (أ)
فصل في الأمور العامة وكيفية وجودها.
وبالحري أن نتكلم الآن في الكلي والجزئي، فأنه مناسب أيضاً لما فرغنا منه، وهو من الأعراض الخاصة بالوجود، فنقول: إن الكلي قد يقال على وجوه ثلاثة: فيقال كلي للمعنى من جهة أنه مقول بالفعل على كثيرين، مثل الإنسان. ويقال كلي للمعنى إذا كان جائزاً أن يحمل على كثيرين وإن لم يشترط أنهم موجودون بالفعل، مثل معنى البيت المسبع، فإنه كلي من حيث أن من طبيعته أن يقال على كثيرين، ولكن ليس يجب أن يكون أولئك الكثيرين لا محالة موجودين بل ولا الواحد منهم. ويقال كلي للمعنى الذي لا مانع من تصوره أن يقال على الكثيرين؛ إنما يمنع منه إن مَنعَ سبب ويدل عليه دليل، مثل الشمس والأرض، فإنها من حيث تعقل شمساً وأرضاً لا يمنع الذهن عن أن يجوز أن معناه يوجد في كثير، إلا أن يأتيه دليل أو حجة يعرف به أن هذا ممتنع. ويكون ذلك ممتنعاً بسبب من خارج لا لنفس تصوره. وقد يمكن ان يجمع هذا كله في أن هذا الكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره عن ان يقال على كثيرين. ويجب أن يكون الكلي المستعمل في المنطق وما أشبهه هو هذا. وأما الجزئي المفرد فهو الذي نفس تصوره يمنع أن يقال معناه على كثيرين كذات زيد هذا المشار إليه، فإنه يستحيل أن تتوهم إلا له وحده. فالكلي من حيث هو كلي شيء، ومن حيث هو شيء تلحقه الكلية شيء. فالكلي من حيث هو كلي هو ما يدل عليه أحد هذه الحدود، فإذا كان ذلك إنساناً أو فرساً فهناك معنى آخر غير معنى الكلية وهو الفرسية. فإن حد الفرسية ليس حد الكلية، ولا الكلية داخلة في حد الفرسية، فإن الفرسية لها حد لا يفتقر إلى حد الكلية لكن تعرض له الكلية. فإنه في نفسه ليس شيء من الأشياء البتة إلا الفرسية، فإنه في نفسه لا واحد ولا كثير ولا موجود في الأعيان ولا في النفس ولا في شيء من ذلك بالقوة ولا بالفعل على أن يكون داخلاً في الفرسية، بل من حيث هو فرسية فقط. بل الواحدية صفة تقترن إلى الفرسية؛ فتكون
الصفحة : 98
الفرسية مع تلك الصفة واحدة. كذلك للفرسية مع تلك الصفة صفات أخرى كثيرة داخلة عليها، فالفرسية - بشرط أنها تطابق بحدها أشياء كثيرة - تكون عامة، ولأنها مأخوذة بخواص وأعراض مشار إليها تكون خاصة. فالفرسية في نفسها فرسية فقط. فإن سألنا عن الفرسية لطرفي نقيض، مثلاً: هل الفرسية ألف أم ليس بألف؟ لم يكن الجواب إلا بالسلب لأي شيء كان. ليس على أن السلب بعد "من حيث"، بل على أنه قبل "من حيث". أي ليس يجب أن يقال: إن الفرسية من حيث هي فرسية ليست بألف، بل ليست من حيث هي فرسية بألف ولا شيء من الأشياء. فإن طرفا المسألة عن موجبتين لا يخلو منهما شيء، لم يلزم أن نجيب عنهما البتة. وبهذا يفترق حكم الموجبة والسالبة والموجبتين اللتين في قوة النقيضين. وذلك لأن الموجب منهما الذي هو لازم للسالب معناه أنه إذا لم يكن الشيء موصوفاً بذلك الموجب الآخر كان موصوفاً بهذا الموجب، وليس إذا كان موصوفاً به كان ماهيته هو، فإنه ليس إذا كان الإنسان واحداً أو أبيض كانت هوية الإنسانية هي هوية الوحدة أو البياض، أو كانت هوية الإنسانية هي هوية الواحد أو الأبيض. فإذا جعلنا الموضوع في المسألة هوية الإنسانية من حيث هي إنسانية كشيء واحد، وسئل عن طرفي نقيض، فقيل: أواحد هو أم كثير؟ لم يلزم أن يجاب لأنها من حيث هي هوية الإنسانية شيء غير كل واحد منهما، ولا يوجد في حد ذلك الشيء إلا الإنسانية فقط. وأما أنه هل يوصف بأنه واحد أو كثير على أنه وصف يلحقه من خارج، فلا محالة أنه يوصف بذلك، ولكن لا يكون هو ذلك الموصوف من حيث هو إنسانية فقط، فلا يكون من حيث هو إنسانية هو كثيراً بل إنما يكون كأن ذلك شيء يلحقه من خارج. فإذا كان نظرنا إليه من حيث هو إنسانية فقط، فلا يجب أن نشوبه بنظر إلى شيء من خارج يجعل النظر نظرين: نظر إليه بما هو هو، ونظر إلى لواحقه. ومن حيث النظر الواحد الأول لا يكون إلا الإنسانية فقط، فلهذا إن قال قائل: إن الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية هل هي غير التي في عمرو؟ فيلزم أن يقول: لا. وليس يلزم من تسليمه هذا أن يقول: فإذن تلك وهي واحدة بالعدد، لأن هذا كان سلباً مطلقاً، وعنينا بهذا السلب أن تلك الإنسانية من حيث هي إنسانية هي إنسانية فقط، وكونها غير التي في عمرو شيء من خارج. فإنه إن لم يكن ذلك خارجاً عن الإنسانية لزم أن تكون الإنسانية من
الصفحة : 99
حيث هي إنسانية ألفاً مثلاً أو ليست بألف، وقد أبطلنا ذلك، وإنما أخذنا الإنسانية من حيث هي إنسانية فقط. على أنه إذا قيل: الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية يكون قد جعلها اعتباراً من حيث هي إنسانية، ساقطاً عنها أنها في زيد وأنها التي في زيد، وإلاّ نكون قد أخذنا الإنسانية على أنها في زيد، فإنا قد جردناها وتكلمنا على أنا نلتفت إليها وهي إنسانية. ثم لا يخلو إما أن نرجع الكناية التي في أنها إلى الإنسانية التي في زيد، فيكون هذامحالاً من القول، فإنه لا تجتمع أن تكون إنسانية في زيد وهي باعتبار أنها إنسانية فقط. وإن رجعت إلى الإنسانية فقط فذكر زيد لغواً إلا أن تعني أن الإنسانية التي عرض لها من خارج أن كانت في زيد وقد أسقطنا عنها أنها في زيد، فهل هي هكذا؟ وهذا أيضاً فيه اعتبار غير الإنسانية. فإن سألنا سائل وقال: ألستم تجيبون وتقولون: إنها ليست كذا وكذا، وكونا ليست كذا وكذا غير كونها إنسانية بما هي إنسانية. فنقول: إنا لا نجيب بأنها من، حيث هي إنسانية، ليست كذا، بل نجيب أنها ليست من حيث إنسانية كذا، وقد علم الفرق بينهما في المنطق. وههنا شيء آخر وهو أن الموضوع في مثل هذه المسائل يكاد يرجع إلى الإهمال إذا لم تعلق بحصر ولا يكون عنها جواب، اللهم إلا أن تجعل تلك الإنسانية كأنها مشار إليها أو لا كثرة فيها. فحينئذ لا يكون قولنا: "من حيث هي إنسانية" جزءاً من الموضوع، لأنه لا يصلح أن يقال: إن الإنسانية التي هي من حيث هي إنسانية إلا وقد عادت مهملة. فإن قيل: تلك الإنسانية التي هي من حيث إنسانية، يكون قد وقع إليها الإشارة فزادت على الإنسانية. ثم إن سألنا في ذلك فيكون الطرفان من المسألة مسلوبين عنها، ولم يجب أن يكون واحداً أو كثيراً هو هو أو غيره إلا على معنى أنه لابد له أن يكون هو هو أو غير. فحينئذ نقول: لابد لها من أن تصير غيراً بالأعراض التي معها، إذ لا توجد البتة إلا مع الأعراض. وحينئذ لا تكون مأخوذة من حيث هي إنسانية فقط، فإذا ليست إنسانية عمرو فهي غير إنسانية بالأعراض، فيكون لهذه الأعراض تأثير في شخص زيد بأنه مجموع الإنسان أو الإنسانية فأعراض لازمة كأنها أجزاء منه، وتأثير الإنسان أو الإنسانية بأنها منسوبة إليه. ونعود من رأس ونجمع هذا ونخبر عنه بعبارة أخرى كالمذكر لما سلف من قولنا، فنقول: إن ههنا شيئاً محسوساً هو الحيوان أو الإنسان مع مادة وعوارض، وهذا هو الإنسان الطبيعي. وههنا شيء هو
الصفحة : 100
الحيوان أو الإنسان منظوراً إلى ذاته بما هو هو، غير مأخوذ معه ما خالطه، وغير مشترط فيه أنه عام أو خاص أو واحد أو كثير بالفعل ولا باعتبار القوة أيضاً من حيث هو بالقوة. إذ الحيوان بما هو حيوان، والإنسان بما هو إنسان أي باعتبار حده ومعناه، غير ملتفت إلى أمور أخرى تقارنه، ليس إلا حيواناً أو إنساناً. وأما الحيوان العام، والحيوان الشخصي، والحيوان من جهة اعتبار أنه بالقوة، عام أو خاص، والحيوان باعتبار أنه موجود في الأعيان، أو معقول في النفس، هو حيوان وشيء وليس هو حيواناً منظور إليه وحده. ومعلوم أنه إذا كان حيوان وشيء كان فيهما الحيوان كالجزء منهما. وكذلك في جانب الإنسان. ويكون اعتبار الحيوان بذاته جائزاً وإن كان مع غيره، لأن ذاته مع غيره ذاته. فذاته له بذاته؛ وكونه مع غيره أمر عارض له أو لازم ما لطبيعته كالحيوانية والإنسانية. فهذا الاعتبار متقدم في الوجود على الحيوان الذي هو شخصي بعوارضه أو كلي وجودي، أو عقلي، تقدم البسيط على المركب، والجزء على الكل. وبهذا الوجود لا هو جنس ولا نوع ولا شخص ولا واحد ولا كثير، بل هو بهذا الوجود حيوان فقط وإنسان فقط. لكنه يلزمه لا محالة أن يكون واحداً أو كثيراً، إذ لا يخلو عنهما شيء موجود، على أن ذلك لازم له من خارج. وهذا الحيوان بهذا الشرط وإن كان موجوداً في كل شخص فليس هو بهذا الشرط حيواناً ما، وإن كان يلزمه أن يصير حيواناً ما لأنه في حقيقته وماهيته بهذا الاعتبار حيوان ما. وليس يمنع كون الحيوان الموجود في الشخص حيواناً ما أن يكون الحيوان بما هو حيوان لا باعتبار أنه حيوان بحال ما موجود فيه، لأنه إذا كان هذا الشخص حيواناً ما، فحيوان ما موجود، فالحيوان الذي هو جزء من حيوان ما موجود، كالبياض فإنه وإن كان غير المفارق للمادة فهو ببياضيته موجود في المادة على أنه شيء آخر معتبر بذاته وذو حقيقة بذاته، وإن كان عرض تلك الحقيقة أن تقارن في الوجود أمراً آخر. ولقائل أن يقول: إن الحيوان بما هو حيوان غير موجود في الأشخاص، لأن الموجود في الأشخاص هو حيوان ما لا الحيوان بما هو حيوان. ثم الحيوان بما هو حيوان موجود، فهو إذن مفارق للأشخاص. ولو كان الحيوان بما هو حيوان موجوداً لهذا الشخص، لم يخل إما أن يكون خاصاً له أو غير خاص؛ فإذا كان خاصاً له لم يكن الحيوان بما هو حيوان هو الموجود فيه أو هو، بل حيوان ما؛ وإن كان غير خاص كان كل شيء واحد بعينه بالعدد موجوداً في الكثرة، وهذه محال.
الصفحة : 101
وهذا الشك وإن كان ركيكاً سخيفاً فقد أوردناه بسبب أنه قد وقعت منه الشبهة في زماننا هذا لطائفة ممت تتشحط في التفلسف. فنقول: إن هذا الشك قد وقع فيه الغلط من وجوه عدة. أحدها الظن بأن الموجود من الحيوان إذا كان حيواناً ما فإن طبيعة الحيوانية معتبرة بذاتها لا بشرط آخر لا تكون موجودة فيه. وبيان غلط هذا الظن قد تقدم. والثاني، الظن بأن الحيوان بما هو حيوان يجب أن يكون خاصاً أو غير خاص بمعنى العدول، وليس كذلك، بل الحيوان إذا نظر إليه بما هو حيوان ومن جهة حيوانيته لم يكن خاصاً ولا غير خاص الذي هو العام، بل كلاهما يسلبان عنه. لأنه من جهة حيوانيته فقط، ومعنى الحيوان في أنه حيوان غير معنى الخاص والعام، وليسا داخلين أيضاً في ماهيته. وإذا كان كذلك لم يكن الحيوان بما هو حيوان خاصاً ولا عاماً في حيوانيته، بل هو لا غيره من الأمور والأحوال، لكنه يلزمه أن يكون خاصاً أو عاماً. فقوله لم يخلو إما أن يكون خاصاً أو يكون عاماً: إن عنى بقوله إنه لا يخلو عنهما في حيوانيته فهو خال عنهما في حيوانيته، وإن عنى أنه لا يخلو عنهما في الوجود أي لا يخلو عن لزوم أحدهما فهو صادق. فإن الحيوان يلزمه ضرورة أن يكون خاصاً أو عاماً وأيهما عرض له لم يبطل عنه الحيوانية التي باعتبار ما ليس بخاص ولا عام، بل يصير خاصاً أو عاماً بعدها بما يعرض لها من الأحوال. وههنا شيء يجب أن نفهمه وهو أنه حق أن يقال: إن الحيوان بما هو حيوان لا يجب أن يقال عليه خصوص أو عموم، وليس بحق أن يقال: الحيوان بما هو حيوان يجب أن يقال عليه خصوص أو عموم، وذلك أنه لو كانت الحيوانية توجب أن لا يقال عليها خصوص أو عموم لم يكن حيوان خاص أو حيوان عام. ولهذا المعنى يجب أن يكون فرق قائم بين أن نقول: إن الحيوان بما هو حيوان مجرد بلا شرط شيء آخر، وبين أن نقول: إن الحيوان بما هو حيوان مجرد بشرط لا شيء آخر. ولو كان يجوز أن يكون الحيوان بما هو حيوان مجرداً بشرط أن لا يكون شيء آخر موجود في الأعيان، لكان يجوز أن يكون للمثل الأفلاطونية وجود في الأعيان؛ بل الحيوان بشرط لاشيء آخر وجوده في الذهن فقط. وأما الحيوان مجرداً لا بشرط شيء آخر فله وجود في الأعيان، فإنه في نفسه وفي حقيقته بلا شرط شيء آخر، وإن كان مع ألف شرط يقارنه من خارج. فالحيوان بمجرد الحيوانية موجوداً في الأعيان، وليس يوجب ذلك عليه أن يكون مفارقاً بل هو الذي هو في نفسه خال عن الشرائط اللاحقة موجودٌ في الأعيان. وقد اكتنفه من خارج شرائط وأحوال، فهو في حد وحدته التي بها هو واحد من تلك الجملة حيوان مجرد بلا شرط شيء آخر، وإن كانت تلك الوحدة زائدة على حيوانيته ولكن غير اللواحق
الصفحة : 102
الأخرى، ولو كان ههنا حيوان مفارق كما يظنون، لم يكن هو الحيوان الذي نتطلبه ونتكلم عليه، لأنا نطلب حيواناً مقولاً على كثيرين بأن يكون كل واحد من الكثيرين هو هو. وأما المباين الذي ليس محمولاً على هؤلاء إذ ليس شيء منها هو هو، فلا حاجة بنا إليه فيما نحن بسبيله. فالحيوان مأخوذاً بعوارضه هو الشيء الطبيعي، والمأخوذ بذاته هو الطبيعة التي يقال إن وجودها أقدم من الوجود الطبيعي بقدم البسيط على المركب، وهو الذي يخص وجوده بأنه الوجود الإلهي لأن سبب وجوده بما هو حيوان عناية الله تعالى. وأما كونه مع مادة وعوارض وهذا الشخص وإن كان بعناية الله تعالى فهو بسبب الطبيعة الجزئية، فكما أن للحيوان في الوجود أنحاء فوق واحد، كذلك له في العقل. فإن في العقل صورة الحيوان المجرد على النحو الذي ذكرناه من التجريد، وهو بهذا الوجه يسمى صورة عقلية؛ وفي العقل أيضاً صورة الحيوان من جهة ما يطابق في العقل بحد واحد بعينه أعياناً كثيرة، فتكون الصورة الواحدة مضافة عند العقل إلى الكثرة، وهو بهذا الاعتبار كلي، وهو معنى واحد في العقل لا تختلف نسبته إلى أي واحد أخذته من الحيوانات، أي أي واحد منها أحضرت صورته في الخيال بحال، ثم انتزع العقل مجرد معناه عن العوارض حصل في العقل هذه الصورة بعينها، وكانت هذه الصورة هي ما يحصل عن تجريد الحيوانية عن أي خيال شخصي مأخوذ عن موجود من خارج أو جار مجرى الموجود من خارج وإن لم يوجد هو بعينه من خارج، بل اخترعه الخيال. وهذه الصورة وإن كانت بالقياس إلى الشخاص كلية، فهي بالقياس إلى النفس الجزئية التي انطبعت فيها شخصية، وهي واحدة من الصور التي في العقل. ولأن الأنفس الشخصية كثيرة بالعدد، فيجوز إذن أن تكون هذه الصورة الكلية كثيرة بالعدد من الجهة التي هي بها شخصية، ويكون لها معقول كلي آخر هو بالقياس إليها مثلها بالقياس إلى خارج، ويتميز في النفس عن هذه الصورة التي هي كلية بالقياس إلى خارج بأن تكون مقولة عليها وعلى غيرها. وسنعيد الكلام في هذا عن قريب بعبارة أخرى. فالأمور العامة من جهة موجودة من خارج، ومن جهة ليست، وأما شيء واحد بعينه بالعدد محمول على كثير، يكون هو محمولاً على هذا الشخص بأن ذلك الشخص هو، وعلى شخص آخر كذلك، فامتناعه بيّن، وسيزداد بياناً. بل الأمور العامة، من جهة ما هي عامة بالفعل، موجودة في العقل فقط.
الفصل الثاني (ب)
الصفحة : 103
فصل في كيفية كون الكلية للطبائع الكلية وإتمام القول في ذلك، وفي الفرق بي الكل والجزء، والكلي والجزئي.
فقد تحققت إذن أن الكلي من الموجودات ما هو، وهو هذه الطبيعة عارضاً لها أحد المعاني التي سميناها كلية. وذلك المعنى ليس له وجود مفرد في الأعيان البتة، فإنه ليس الكلي بما هو موجوداً مفرداً بنفسه، إنما يتشكك من أمره أنه هل وجود على أنه عارض لشيء من الأشياء، حتى يكون في الأعيان مثلاً شيء هو إنسان وهو ذاته بعينه موجوداً لزيد وعمرو وخالد. فنقول: أما طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان فيلحقها أن تكون موجودة وإن لم يكن أنها موجودة هو إنها إنسان ولا داخلا فيه، وقد لحقها مع الوجود هذه الكلية ولا وجود لهذه الكلية إلا في النفس. وأما الكلية خارج فعلى اعتبار آخر شرحناه في الفنون السابقة. بل هذه الطبائع ما كان منها غير محتاج إلى المادة في أن يبقى، ولا في أن يبتدئ لها وجود فيكون من المستحيل أن يتكثر، بل إنما يكون النوع منه قائماً واحداً بالعدد. لأن مثل هذه الطبيعة ليست تتكثر بالفصول ولا بالمواد ولا بالأعراض. أما بالفصول فلنوعيته وأما بالمواد فلتجرده، وأما بالأعراض فلأن الأعراض إما أن تكون لازمة للطبيعة فلا تختلف فيها الكثرة بحسب النوع وإما أن تكون عارضة غير لازمة للطبيعة فيكون عروضها بسبب ما يتعلق بالمادة، فيكون حق مثل هذا إذا كان نوعاً موجوداً، أن يكون واحداً بالعدد. وما كان منها محتاجاً إلى المادة فإنما يوجد مع أن توجد المادة مهيأة فيكون وجوده مستلحقاً به أعراضاً وأحوالاً خارجة يتشخص بها، وليس يجوز أن تكون طبيعة واحدة مادية وغير مادية، وقد عرفت هذا في خلال ما علمت. وأما إن كانت هذه الطبيعة جنسية فسنبين أن طبيعة الجنس محال أن تقوم إلا في الأنواع ثم يقوم قوام الأنواع. فهذه حال وجود الكليات. وليس يمكن أن يكون معنى هو بعينه موجوداً في كثيرين، فإن الإنسانية التي في عمرو إن كانت بذاتها لا بمعنى الحد موجودة في زيد، كان ما يعرض لهذه الإنسانية في زيد لامحالة يعرض لها وهي في عمرو، إلا ما كان من العوارض ماهيته معقولة بالقياس إلى زيد. وأما ما كان يستقر في ذات الإنسان ليس استقراره فيه محوجاً إلى أن يصير مضافاً مثل أن يبيض أو يسود أو يعلم، فإنه إذا علم لم يكن به مضافاً إلا إلى المعلوم. ويلزم من هذا أن تكون ذات واحدة قد اجتمع فيها الأضداد وخصوصاً إن كان حال الجنس عند الأنواع حال النوع عند الأشخاص، فتكون ذات واحدة هي موصوفة بأنها ناطقة وغير ناطقة، وليس يمكن أن يعقل من له جبلة سليمة أن إنسانية واحدة اكتنفتها أعراض عمرو وإياها بعينها
الصفحة : 104
اكتنفت أعراض زيد. فإن نظرت إلى الإنسانية بلا شرط آخر فلا تنظرن إلى هذه الإضافات، فهي على ما علمناك. فقد بان أنه ليس بمكن أن تكون الطبيعة توجد في الأعيان وتكون بالفعل كلية، أي هي وحدها مشتركة للجميع. وإنما تعرض الكلية لطبيعة ما إذا وقعت في التصور الذهني، وأما كيفية وقوع ذلك فيجب أن نتأمل ما قلناه في كتاب النفس. فالمعقول في النفس من الإنسان هو الذي هو كلي، وكليته لا لأجل أنه في النفس، بل لأجل أنه مقيس إلى أعيان كثيرة موجودة أو متوهمة حكمها عنده حكم واحد. وأما من حيث أن هذه الصورة هيئة في نفس جزئية فهي أحد أشخاص العلوم أو التصورات، وكما أن الشيء باعتبارات مختلفة يكون جنساً ونوعاً، فكذلك بحسب اعتبارات مختلفة يكون كلياً وجزئياً. فمن حيث أن هذه الصورة صورة ما في النفس ما من صور النفس فهي جزئية، ومن حيث أنها يشترك فيها كثيرون على أحد الوجوه الثلاثة التي بينا فيما مضى فهي كلية، ولا تتناقض بين هذين الأمرين. لأنه ليس بممتنع اجتماع أن تكون الذات الواحدة تعرض لها شركة بالإضافة إلى كثيرين. فإن الشركة في الكثرة لا تمكن إلا بالأضافة فقط، وإذا كانت الإضافة لذوات كثيرة لم تكن شركة، فيجب أن تكون إضافات كثيرة لذات واحدة بالعدد. والذات الواحدة بالعدد من حيث هي كذلك فهي شخصية لا محالة، والنفس نفسها تتصور أيضاً كلياً آخر يجمع هذه الصورة، وأخرى في تلك النفس أو في نفس غيرها، فإنها كلها من حيث هي في النفس تحد بحد واحد. وكذلك قد توجد اشتراكات أخرى، فيكون الكلي الآخر يُمايز هذه الصورة بحكم له خاص وهو نسبته إلى أمور في النفس، وهذه إنما كانت نسبتها الجاعلة إياها كلية هي إلى أمور من خارج على وجه أن أي تلك الخارجات سبقت إلى الذهن فجائز أن يقع عنها هذه الصورة بعينها. وإذا سبق واحد فتأثرت النفس منه بهذه الصفة لم يكن لما خلاه تأثير جديد إلا بحكم هذا الجواز المعتبر، فإن هذا الأثر هو مثل صورة السابق قد جرد عن العوارض وهذا هو المطابقة. ولو كان بدل أحد هذه المؤثرات أو المؤثر بها شيء غير تلك الأمور المعروفة وغير مجانس لها لكان الأثر غير هذا الأثر، فلا يكون مطابقة. وأما الكلي الذي في النفس بالقياس إلى هذه الصورة التي في النفس، فهذا الاعتبار له بحسب القياس إلى أي صورة سبقت من هذه الصور التي في النفس إلى النفس. ثم هذه أيضاً تكون صورة شخصية من حيث هي على ما قلناه، ولأن في قوة النفس أن تعقل، وتعقل لأنها عقلت، وتعقل أنها عقلت أنها عقلت، وأن تركب إضافات في إضافات، وتجعل للشيء الواحد أحوالاً مختلفة من المناسبات إلى غير النهاية
الصفحة : 105
بالقوة. فيجب أن لا تكون لهذه الصور العقلية المترتب بعضها على بعض وقوف، ويلزم أن تذهب إلى غير النهاية، لكن تكون بالقوة لا بالفعل.لأنه يلزم النفس إذا عقلت شيئاً أن تكون بالفعل تعقل معه الأمور التي تلزمه لزوماً قريباً، وأن تخطرها بالبال فضلاً عما يمعن في البعد. فإن ههنا مناسبات في الجذور الصم وفي إضافات الأعداد كلها قريبة المنال من النفس، وليس يلزم أن تكون النفس في حال واحدة تعقل تلك كلها أو أن تكون مشتغلة على الدوام بذلك، بل في قوتها القريبة أن تعقل ذلك مثل إخطار المضلعات التي لا نهاية لها بالبال، ومزاوجة عدد بأعداد لا نهاية لها بالبال، بل بوقوع مناسبة عدد مع مثله مراراً لا نهاية لها بالتضعيف. فإن هذا أشبه شيء بما نحن في ذكره. فإما أنه هل يجوز أن تقوم المعاني العامة للكثرة مجردة عن الكثرة وعن التصورات العقلية، فأمر سنتكلم فيه من بعد. فإذا قلنا: إن الطبيعة الكلية موجودة في الأعيان فلسنا نعني، من حيث هي كلية بهذه، الجهة من الكلية، بل نعني أن الطبيعة التي تعرض لها الكلية موجود في الأعيان. فهي من حيث هي طبيعة شيء، ومن حيث هي محتملة لأن تعقل عنها صورة كلية شيء؛ وأيضاً من حيث عقلت بالفعل كذلك شيء، ومن حيث هي صادق عليها أنها لو قارنت بعينها لا هذه المادة والأعراض، بل تلك المادة والأعراض، لكان ذلك الشخص الآخر شيء. وهذه الطبيعة موجودة في الأعيان بالاعتبار الأول، وليست فيه كلية موجودة بالاعتبار الثاني والثالث والرابع أيضاً في الأعيان. فإن جعل هذا الاعتبار بمعنى الكلية كانت هذه الطبيعة مع الكلية في الأعيان، وأما الكلية التي نحن في ذكرها فليست إلا في النفس. وإذ قد عرفنا هذه الأشياء فقد، سهل لنا الفرق بين الكل والجزء وبين الكلي والجزئي، وذلك أن الكل من حيث هو كل يكون موجوداً في الأشياء، وأما الكلي من حيث هو كلي فليس موجوداً إلا في التصور. وأيضاً الكل يُعد بأجزائه ويكون كل جزء داخلاً في قوامه، وأما الكلي فإنه لا يعد بأجزائه، ولا أيضاً الجزئيات داخلة في قوامه. وأيضاً فإن طبيعة الكل لا تقوم الأجزاء التي فيه، بل يتقوم منها، وأما طبيعة الكلي فإنها تقوم الأجزاء التي فيه. وكذلك فإن طبيعة الكل لا تصير جزءاً من أجزائه البتة، وأما طبيعة الكلي فإنها جزء من طبيعة الجزئيات لأنها إما الأنواع فتقوم من طبائع الكليين أعني الجنس والفصل، وإما الأشخاص فتتقوم من طبيعة الكليات كلها ومن طبيعة الأعراض التي تكتنفها مع المادة. وأيضاً فإن الكل لا يكون كلاً لكل جزء وحده ولو انفرد، والكلي يكون كلياً محمولاً على كل جزئي. وأيضاً فإن أجزاء كل كل متناهية، وليس أجزاء كل كلي متناهية. وأيضاً الكل يحتاج، إلى أن تحضره أجزاؤه معاً، والكلي لا يحتاج إلى أن تحضره أجزاؤه معاً. وقد يمكنك أن تجد فروقاً أيضاً غير هذه فتعلم أن الكل غير الكلي.
الصفحة : 106

الفصل الثالث (ج)
فصل في الفصل بين الجنس والمادة.
والذي يلزمنا الآن هو أن نعرف طبيعة الجنس والنوع. فأما أن الجنس على كم شيء يدل فقد كان يدل في زمان اليونانيين على معان كثيرة، وقد ذهب استعمالها في زماننا. فالجنس في صناعتنا لا يدل إلا على المعنى المنطقي المعلوم، وعلى الموضوع، وربما استعملنا لفظ الجنس مكان النوع فقلنا: ليس كذا من جنس كذا أي من نوعه أو من جملة ما يشاركه في حده. والنوع أيضاً ليس يدل عندنا الآن في زماننا وعادتنا في الكتب العلمية إلا على النوع المنطقي، وعلى صور الأشياء. وغرضنا الآن فيما يستعمله المنطقيون من ذلك فنقول: إن المعنى الذي يدل عليه بلفظة الجنس ليس يكون جنساً إلا على نحو من التصور، إذا تغير عنه ولو بأدنى اعتبار لم يكن جنساً، وكذلك كل واحد من الكليات المشهورة. ولنجعل بياننا في الجنس وفي مثال إشكاله على المتوسطين في النظر فنقول: إن الجسم قد يقال له إنه جنس الإنسان وقد يقال له إنه مادة الإنسان، فإن كان مادة الإنسان كان لا محالة جزء من وجوده واستحال أن يحمل ذلك الجزء على الكل. فلننظر كيف يكون الفرق بين الجسم وقد اعتبر مادة، وبينه وقد اعتبر جنساً، فهنالك يصير لنا سبيل إلى معرفة ما نريد بيانه. فإذا أخذنا الجسم جوهراً ذا طول وعرض وعمق من جهة ما له هذا، وبشرط انه ليس داخلاً فيه معنى غير هذا، وبحيث لو انضم إليه معنى غير هذا، مثل حس أو تغذّ أو غير ذلك، كان معنى خارجاً عن الجسمية، محمولاً في الجسمية، مضافاً إليها. فالجسم مادة وإن أخذنا الجسم جوهراً ذا طول وعرض وعمق بشرط ألا يتعرض بشرط آخر البتة ولا يوجب أن تكون جسميته لجوهرية متصورة بهذه الأقطار فقط، بل جوهرية كيف كانت ولو مع ألف معنى مقوم لخاصية تلك الجوهرية وصوره، ولكن معها أو فيها الأقطار. فللجملة أقطار ثلاثة على ما هي للجسم، وبالجملة أي مجتمعات تكون بعد أن تكون جملتها جوهراً ذا أقطار ثلاثة، وتكون تلك المجتمعات - إن كانت هناك مجتمعات - داخلة في هوية ذلك الجوهر، لا أن تكون تلك الجوهرية تمت بالأقطار ثم لحقت تلك المعاني خارجة عن الشيء الذي قد تم، كان هذا المأخوذ هو الجسم الذي هو الجنس. فالجسم بالمعنى الأول إذ هو جزء من الجوهر المركب من الجسم والصورة التي بعد الجسمية بمعنى
الصفحة : 107
المادة فليس بمحمول، لأن تلك الجملة ليست بمجرد جوهر ذي طول وعرض وعمق فقط. وأما هذا الثاني فإنه محمول على كل مجتمع من مادة، وصورة واحدة كانت أو الفاً، وفيها الأقطار الثلاثة، فهو إذن محمول على المجتمع من الجسمية التي كانت كالمادة ومن النفس، لأن جملة ذلك جوهر وإن اجتمع من معان كثيرة. فإن تلك الجملة موجودة لا في موضوع، وتلك الجملة جسم لأنها جوهر، وهو جوهر له طول وعرض وعمق. وكذلك فإن الحيوان إذا أخذ حيواناً بشرط أن لا يكون في حيوانيته إلا جسمية وتغذ وحس، وأن يكون ما بعد ذلك خارجاً عنه، فربما كان لا يبعد أن يكون مادة للإنسان أو موضوعاً وصورته النفس الناطقة. وإن أخذ بشرط أن يكون جسماً بالمعنى الذي يكون به الجسم جنساً، وفي معاني ذلك الجسم على سبيل تجويز الحس لا غير ذلك من الصور، ولو كان النطق أو فصل يقابل النطق غير متعرض لرفع شيء منها أو وضعه، بل مجوزاً وجود أي ذلك كان في هويته، ولكن هناك معها بالضرورة قوة تغذية وحس وحركة ضرورة ولا ضرورة في أن لا يكون غيرها أو يكون، كان حيواناً بمعنى الجنس. وكذلك فافهم الحال في الحساس والناطق، فإن أخذ الحساس جسماً أو شيئاً له حس بشرط أن لا يكون زيادة أخرى لم يكن فصلاً وإن كان جزءاً من الإنسان. وكذلك فإن الحيوان غير محمول عليه وإن أخذ جسماً أو شيئاً مجوزاً له وفيه ومعه، أي الصور والشرائط كانت بعد ان يكون فيها حس، كان فصلاً وكان الحيوان محمولاً عليه. فإذن أي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته من هذه فوجدته قد يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أنها فيه ومنه، كان جنساً. وإن أخذته من جهة بعض الفصول وتممت به المعنى وختمته حتى لو دخل شيء آخر لم يكن من تلك الجملة، بل مضافاً من خارج، لم يكن جنساً، بل مادة. وإن أوجبت لها تمام المعنى حتى دخل فيه ما يمكن أن يدخل، صار نوعاً.‏ وإن كانت في الإشارة إلى ذلك المعنى لا تتعرض لذلك، كان جنساً. فإذن باشتراط أن لا تكون زيادة تكون مادة، وباشتراط أن تكون زيادة يكون نوعاً. وبأن لا تتعرض لذلك، بل يجوز أن يكون كل واحد من الزيادات على أنها داخلة في جملة معناه، يكون جنساً. وهذا إنما يشكل في ذاته مركبة، وأما فيما ذاته بسيطة فعسى أن العقل يفرض فيه هذه الاعتبارات في نفسه على النحو الذي ذكرنا قبل هذا الفصل. وأما في الوجود فلا يكون منه شيء متميز هو جنس وشيء هو مادة، فنقول: إنما يوجد للإنسان الجسمية قبل الحيوانية في بعض وجوه التصور إذا أخذت الجسمية بمعنى المادة لا بمعنى الجنس،
الصفحة : 108
وكذلك إنما يوجد له الجسم قبل الحيوانية إذا كان الجسم بمعنى لا يحمل عليه لا بمعنى يحمل عليه. وأما الجسمية التي تفرض مع جواز أن توضع متضمنة لكل معنى مقروناً بها وجوب أن يتضمن الأقطار الثلاثة، فإنها لم توجد للشيء الذي هو نوع الحيوان إلا وقد تضمن الحيوانية. فيكون معنى الحيوانية جزءاً ما من وجود ذلك الجسم بالفعل بعد أن كان مجوزاً في نفسها تضمنها إياه، فيكون معنى الحيوانية جزءاً ما من وجود ذلك الجسم بعكس حال الجسم إذا حصل. كما أن الجسم الذي هو بمعنى المادة جزء من وجود الحيوان ثم الجسم المطلق الذي ليس بمعنى المادة إنما وجوده واجتماعه من وجود أنواعه، وما توضع تحته فهي أسباب لوجوده، وليس هو سبباً لوجودها. ولو كان للجسمية التي بمعنى الجنس وجود محصل قبل وجود النوعية، وإن كانت قبليته قبلية لا بالزمان بل بالذات، لكان سبباً لوجود النوعية، مثل الجسم الذي بمعنى المادة، وإن كانت قبليته لا بالزمان بل وجود تلك الجسمية في هذا النوع هو وجود ذلك النوع لا غير. وفي العقل أيضاً فإن الحكم فيه كذلك. فإن العقل لا يمكنه أن يضع في شيء من الأشياء للجسمية التي لطبيعة الجنس وجوداً يحصل هو أولاً وينضم إليه شيء آخر حتى يحدث الحيوان النوعي في العقل. فإنه لو فعل ذلك لكان ذلك المعنى الذي للجنس في العقل غير محمول على طبيعة النوع، بل كان جزءاً منه في العقل أيضاً. بل إنما يحدث للشيء الذي هو النوع طبيعة الجنسية في الوجود وفي العقل معاً إذا حدث النوع بتمامه. ولا يكون الفصل خارجاً عن معنى ذلك الجنس ومضافاً إليه، بل متضمناً فيه وجزء منه من الجهة التي أومأنا إليها. وليس هذا حكم الجنس وحده من حيث هو كلي، بل حكم كل كلي من حيث هو كلي. فبيّن من هذا أن الجسم إذا أخذ على الجهة التي يكون جنساً يكون كالمجهول بعد، لا يدري أنه على أي صورة، وكم صورة يشتمل، وتطلب النفس تحصيل ذلك، لأنه لم يتقرر بعد بالفعل شيء هو جسم محصل. وكذلك إذا أخذنا اللون وأخطرناه ببال النفس، فإن النفس لا تقنع بتحصيل شيء متقرر لا بالفعل، بل تطلب في معنى اللون زيادة حتى يتقرر بالفعل لون. وأما طبيعة النوع فليس يطلب فيها تحصيل معناها، بل تحصيل الإشارة. وأما طبيعة الجنس فإنها وإن كانت النفس إذا طلبت فيها تحصيل الإشارة كانت قد فعلت الواجب وما يجب أن يقنع معه. فإن النفس قد تطلب أيضاً مع ذلك تحصيل معناه قبل هذا الطلب، حتى إنما يبقى له أن يستعد لهذا الطلب أكثر ويكون إلى النفس أن يفرضه اي مشار إليه شاء. فلا يمكن النفس أن تجعله بحيث يجوز أن يكون أي مشار إليه
الصفحة : 109
شاء إلا بعد أن تضيف إليه معاني أخرى بعد اللونية قبل الإشارة. فإنه ليس يمكنه أن يجعل اللون وهو لون بعد بلا زيادة شيء مشار إليه أنه لون في هذه المادة، وذلك الشيء ليس إلا لوناً فقط. وقد يخصص بأمور عرضية عرضت من خارج يجوز أن يتوهم هو بعينه باقياً مع زوال واحد واحد منها. كما يكون في مخصصات طبيعة النوعية. وكذلك في المقدار أو الكيفية أو غيرها، كذلك في الجسم الذي نحن بسبيله ليس يمكن أن يجعله الذهن مشاراً إليه مقتصراً على أنه جوهر يتضمن أي شيء اتفق بعد أن تكون الجملة طويلة عريضة عميقة على جملته لم يتحدد الأشياء التي يتضمنها أو لا يتضمنها فيصير نوعاً. فإن قال قائل: فيمكننا أن نجمع مثل هذا الجمع أي الأشياء شيئاً، فنقول: إن كلامنا في نحو من الاجتماع مخصوص، يكون اجتماع الأشياء فيه على نحو الاجتماع في طبيعة الجنس من حيث هو جنس، وذلك النحو هو أن تكون المجتمعات فصولاً تنضم إليه، إلا أنه ليس كلامنا ههنا في الدلالة على طبيعة الجنس أنه كيف تحوي الفصول وغير الفصول، وأي الأشياء يجتمع فيه على نحو الفصول، بل كلامنا فيها على النحو المؤدي إلى الفرق بين الجنس والمادة. وليس إذا أردنا أن نفرق بين شيئين يلزمنا أن نتعدى التفريق إلى بيانات أحوال أخرى، وإنما غرضنا أن نعرف أن طبيعة الجنس الذي هو الجسم هو أنه جوهر يجوز فيه اجتماع أشياء من شأنها أن تجتمع فيه. فتكون الجملة طويلة عريضة عميقة، وتكون وإن كانت لا تكون إلا أشياء معلومة الشروط مجهولة بعد. وإلى هذا الحد ما نتكلم في هذا الفصل.