المقالة السادسة في النفس
وقد يتكون من هذه العناصر أكوان أيضاً بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجاً أكثر اعتدالاً أي أقرب إلى الاعتدال من هذه المذكورة وأولها النبات فمنه ما يكون مبزراً يفرز جسماً حاملاً للقوة المولدة ومنه كائن من تلقاء نفسه من غير بزر ولأن النبات يغتذي بذاته فله قوة غاذية ولأن النبات ينمى بذاته فله قوة منمية ولأن من النبات ما يولد المثل ويتولد عن المثل بذاته فله قوة مولدة والقوة المولدة غير الغاذية فإن الفج من الثمار له القوة الغاذية دون المولدة وكذلك القوة المنمية دون المولدة والغذية غير المنمية ألا ترى الهرم من الحيوان فإن له الغاذية وليس له المنمية والغاذية تفعل الغذاء وتورده بدل ما يتحلل والمنمية تزيد في جوهر الأعضاء الأصلية طولاً وعرضاً وعمقاً لا كيف اتفق بل على جهة تبلغ غاية النشو: والمولدة تعطي المادة صورة الشيء وتبين منه جزأ وتحله قوة من سنخه وإذا وجدت المادة - والموضع المتهيء لقبول فعله فعل مثله ومعلوم مما سلف أن جميع الأفعال النباتية والحيوانية والانسانية تكون من قوى زائدة على الجسمية بل وعلى طبيعة المزاج ويلي النبات الحيوان وإنما يحدث عن تركيب في العناصر مزاجه أقرب إلى الاعتدال جداً من الأولين يستعد مزاجه لقبول النفس الحيوانية بعد أن يستوفي درجة النفس النباتية وكلما أمعن في الاعتدال ازداد قبولاً لقوة نفسانية أخرى ألطف من الأولى والنفس كجنس واحد ينقسم بضرب من القسمة إلى ثلاثة أقسام " أحدها " النباتية وهي " كمال أول لجسم آلي " من جهة ما يتولد ويربو ويغتذي والغذاء جسم من شأنه أن يتشبه بطبيعة الجسم الذي قيل إنه غذاؤه ويزيد فيه بمقدار ما يتحلل أو أكثر أو أقل " والثاني " النفس الحيوانية وهي كمال أول الجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالارادة " والثالث " النفس الانسانية وهي كمال أولي لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الأمور الكلية وللنفس النباتية قوى ثلاث القوة الغاذية وهي القوة التي تحيل جسماً آخر إلى مشاكلة الجسم الذي هي فيه فتلصقه به بدل ما يتحلل عنه والقوة المنمية وهي قوة تزيد في الجسم الذي هي فيه بالجسم المتشبه في أقطاره طولاً وعرضاً وعمقاً متناسبة للقدر الواجب لتبلغ به كماله في النشو والقوة المولدة وهي القوة التي تأخذ من الجسم الذي هي فيه جزأ هو شبيه له بالقوة فتنفعل فيه باستمداد أجسام أخرى تتشبه به من التخليق والتمزيج ما يصير شبيهاً به بالفعل.
الصفحة : 132
فصل في النفس الحيوانية
وللنفس الحيوانية بالقسمة الأولى قوتان محركة ومدركة والمحركة قسمين إما محركة بأنها باعثة - وإما محركة بأنها فاعلة والمحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية والشوقية وهي القوة التي إذا ارتسم في التخيل الذي سنذكره بعد صورة مطلوبة أو مهروب عنها حملت القوة التي نذكرها على التحريك ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية أو نافعة طلباً للذة وشعبة تسمى قوة غضبية وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضاراً أو مفسداً طلباً للغلبة وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات إلى جهة المبدأ أو ترخيها أو تمددها طولاً فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ وأما القوة المدركة فتنقسم قسمين فإن منها قوة تدرك من خارج ومنها قوة تدرك من داخل والمدركة من خارج هو الحواس الخمسة أو الثمانية " فمنها البصر " وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقيلة " ومنها السمع " وهي قوة مرتبة في العصب المفروق في سطح الصماخ تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاط العنف يحدث منه تموج فاعل للصوت يتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموجه بشكل نفسه ويماس أمواجه بتلك الحركة تلك العصبة فيسمع " ومنها الشم " وهي قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي يدرك ما يؤدي إليه الهواء المستنشق من الرائحة المخالطة لبخار الريح أو المنطبع فيه بالاستحالة من جرم ذي رائحة " ومنها الذوق " وهي قوة مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك الطعوم المتحللة من الاجرام المماسة له المخالطة للرطوبة اللعابية التي فيه فتستحيل إليه " ومنها اللمس " وهي قوة منبثقة في جلد البدن كله ولحمه فاشية فيه والأعصاب تدرك ما تماسه ويؤثر فيها بالمضادة ويغيره في المزاج أو الهيئة ويشبه أن تكون هذه القوة لا نوعاً واحداً بل جنساً لأربع قوى منبثة معاً في الجلد كله " الواحدة " حاكمة في التضاد الذي بين الحار والبارد " والثانية " حاكمة من التضاد الذي بين اليابس والرطب " والثالثة " حاكة من التضاد الذي بين الصلب واللين " والرابعة " حاكمة في التضاد الذي بين الخشن والأملس إلا أن اجتماعها معاً في آلة واحدة يوهم تأحدها في
الصفحة : 133
الذات: والمحسوسات كلها تتأدى صورها إلى آلات الحس وتنطبع فيها فتدركها القوة الحاسة وهذا اللمس والذوق والشم كالظاهر وأما البصر فقد ظن به خلاف هذا فإن قوماً ظنوا أن البصر قد يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون ذلك أبصاراً وفي أكثر الأمر يسمون ذلك الخارج شعاعاً وأما المحققون فيقولون أن البصر إذا كان بينه وبين المبصر شفاف بالفعل وهو جسم لا لون له متوسط بينه وبين البصر تأدى شبح ذلك الجسم ذى اللون الواقع عليه الضوء إلى الحدقة فأدركه البصر - وهذا التأدي شبيه بتأدي الألوان بتوسط الضوء إذا انعكس الضوء من شيء ذى لون فيصبغ بلونه جسماً آخر وإن كان بينهما فرق بل هو أشبه بما يتخيل في المرآة ومما يدل على بطلان الرأي الأول أن ذلك الخارج إما أن يكون جسماً أو لا يكون جسماً فإن لم يكن جسماً فالحكم بالحركة والانتقال عليه باطل إلا على المجاز بأن يكون في البصر قوة تحيل ما يلاقيه من الهواء وغيره إلى كيفية ما فيقال أن تلك الكيفية خرجت من البصر ومحال أن يكون جسماً وذلك لأنه إما أن يخرج واتصاله ثابت فيلاقي كرة الثوابت فيكون قد خرج من البصر في صغره جسم مخروط وعظمه هذا العظم ويكون مع ذلك قد ضغط الهواء ودفعه والأفلاك كلها ودفعها أو نفذ في خلاء وكلا الوجهين ظاهر البطلان أو يكون قد انفصل وتشظى وتفرق فيجب من ذلك أن يكون الحيوان يحس بشيء منفصل عنه متشظي متفرق وأن يحس بالمواضع التي يقع عليها ذاك الشعاع دون ما لا يقع فيحس من الجسم بتفاريق نقطية ويفوته الغالب منه وإما أن يكون هذا الجسم يتصل ويحد بالهواء والفلك حتى تصير الجملة كعضو واحد للحيوان فتكون جملة ذلك حساساً وهذه الاحالة أيضاً عجيبة ويجب إذا تزاحمت الأبصار أن تكون هذه الاحالة أقوى فيكون الواحد إذا اجتمع مع الجماعة أشد ابصاراً منه إذا كان وحده فإن الكثير أشد إحالة من المنفرد بذاته ثم هذا الجسم الخارج لا محالة إما أن يكون بسيطاً وإما أن يكون مركباً وعلى مزاج خاص وحركته لا تخلو إما أن تكون بالإرادة أو تكون بالطبيعة ونحن نعلم أن ذلك ليس بحركة إرادية إختيارية وإن كان فتح الأجفان وغلقها إرادتين فبقي أن يكون طبيعياً والطبيعي البسيط يكون إلى جهة لا إلى جهات شتى والمركب يتحرك بحسب الغالب إلى جهة واحدة لا إلى جهات شتى وليس كذلك حال هذه الحركة عندهم ثم إن كان المحسوس يرى من جهة القاعدة المماسة من المخروط لا من جهة الزاوية فيجب أن يكون المحسوس البعيد يحس شكله وعظمه كما يحس لونه إذا كان الحاس يلاقيه ويشتمل عليه – وأما
الصفحة : 134
إذا أحس من جهة الزاوية أعني الفصل المشترك بين الجليدية وبين المخروط المتوهم كان كلما كان الشيء أبعد كانت أصغر وكان الفصل المشترك أصغر وكان الشبح المنطبع فيه أصغر فيرى أصغر وربما كانت الزوايا بحيث تفوت الحس فلا يرى - وأما القسم الثاني فهو أن يكون الخارج لا جسماً بل عارضاً أو كيفية فيجب أن يكون كلما كان الناس أكثر أن تكون هذه الاحالة والاستحالة أقوى ويعرض المحال الذي ذكرنا ثم يكون الهواء حينئذ إما مؤدياً وإما حساساً ثم فإن كان مؤدياً غير حساس فالاحساس كما نقوله هو عند الحدقة لا من خارج وإن كان الحساس هو الهواء عرض المحال الذي ذكرنا أيضاً ووجب إذا كان ريح أو اضطراب في الهواء أن تضطرب الأبصار بتجدد الاستحالة وتجدد الحاس شيئاً بعد شيء - كما إذا عدا الانسان في هواء ساكن فإنه حينئذ تضطرب عليه الأبصار للأشياء الدقيقة فإذاً ليس الأبصار بخروج شيء منا إلى المحسوس فهو إذاً بورود شيء من المحسوس علينا وإذ ليس ذلك جسمه فهو إذاً شبحه ولولا أن الحق هذا الرأي لكان خلقة العين على طبقاتها ورطوباتها وشكل كل واحدة منها وهيئته معطلة. وأما القوى المدركة من باطن فبعضها قوى تدرك صور المحسوسات وبعضها قوى تدرك معاني المحسوسات. ومن المدركات ما يدرك ويفعل معاً ومنها ما يدرك ولا يفعل ومنها ما يدرك إدراكاً أولياً ومنها ما يدرك إدراكاً ثانياً والفرق بين ادراك الصورة وإدراك المعنى أن الصورة هو الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معاً لكن الحس الظاهر يدركه أولاً ويؤديه إلى النفس إدراك الشاة لصورة الذئب أعني شكله وهيئته ولونه فإن نفس الشاة الباطنة تدركها ويدركها أولاً حسها الظاهر وأما المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس الظاهر أولاً مثل إدراك الشاة معنى المضاد في الذئب وهو المعنى الموجب لخوفها إياه وهربها عنه من غير أن يكون الحس يدرك ذلك البتة فالذي يدرك من الذئب أولاً بالحس ثم القوى الباطنة هو الصورة والذي تدركه القوى الباطنة دون الحس فهو المعنى والفرق بين الإدراك مع الفعل والإدراك لا مع الفعل أن من شأن أفعال بعض القوى الباطنة أن تركب بعض الصورة والمعاني المدركة مع بعض وتفصله عن بعض فيكون لها إدراك وفعل أيضاً فيما أدركت وأما الإدراك لا مع الفعل فأن يكون الصورة أو المعنى يرتسم في الشيء فقط من غير أن يفعل فيه تصرفاً البتة والفرق بين الإدراك الأول والإدراك الثاني - أن الإدراك الأول هو أن
الصفحة : 135
يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع للشيء من نفسه والإدراك الثاني هو أن يكون حصولها له من جهة شيء آخر أداها إليه فمن القوى المدركة الباطنة الحيوانية قوة فنطاسيا أي الحس المشترك وهي قوة مرتبة في أول التجويف المقدم من الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبقة في الحواس الخمس متأدية إليه منها ثم الخيال والمصورة وهي قوة مرتبة أيضاً في آخر التجويف المقدم من الدماغ حفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس الجزئية الخمس وتبقى فيه بعد غيبة المحسوسات واعلم أن القوة التي بها القبول غير القوة التي بها الحفظ فاعتبر ذلك في الماء فإن له قوة قبول النقش وليس له قوة حفظه ثم القوة التي تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية ومفكرة بالقياس إلى النفس الانسانية وهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض وتفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار ثم القوة الوهمية وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية كالقوة الحاكمة بأن الذئب مهروب منه وأن الولد معطوف عليه ثم القوة الحافظة الذاكرة وهي قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية ونسبة تلك القوة الحافظة إلى القوة الوهمية كنسبة القوة التي تسمى خيالاً إلى الحس ونسبة تلك القوة إلى المعاني كنسبة هذه القوة إلى الصور المحسوسة - فهذه هي قوى النفس الحيوانية ومن الحيوان ما يكون له الحواس الخمس كلها ومنه ما له بعضها دون بعض - أما الذوق واللمس فضروري أن يخلق كل حيوان ولكن من الحيوان ما لا يشم ومنه ما لا يسمع ومنه ما لا يبصر.
الصفحة : 136
فصل في النفس الناطقة
وأما النفس الناطقة الانسانسة فتنقسم قواها أيضاً إلى قوة عاملة وقوة عالمة وكل واحدة من القوتين تسمى عقلاً باشتراك الاسم فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الانسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها اصلاحية ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية واعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة واعتبار بالقياس إلى نفسها وقياسها إلى القوة الحيوانية النزوعية أن تحدث فيها هيئات تخص الانسان تتهيأ بها لسرعة فعل وانفعال مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ذلك وقياسها إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة واستنباط الصناعات الانسانية وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة المشهورة مثل أن الكذب قبيح والظلم قبيح وما أشبه ذلك من المقدمات المبينة الانفصال عن العقلية المحضة في كتب المنطق - وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة الأخرى التي نذكرها حتى لا تنفعل عنها البتة بل تنفعل هي عنها وتكون مقموعة دونها لئلا يحدس فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية وهي التي تسمى أخلاقاً رذيلية بل أن تكون غير منفعلة البتة وغير منقادة بل متسلطة فيكون لها أخلاق فضيلية وقد يجوز أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية أيضاً ولكن إن كانت هي الغالبة تكون لها هيئة فعلية ولهذه هيئة انفعالية فيكون شيء واحد يحدث منه خلق في هذا وخلق في ذلك وإن كانت هي المغلوبة يكون لها هيئة انفعالية ولهذه هيئة فعلية غير غريبة أو يكون الخلق واحداً وله نسبتان وإنما كانت الأخلاق عند التحقيق لهذه القوة لأن النفس الانسانية كما يظهر من بعد جوهر واحد وله نسبة وقياس إلى جنبتين جنبة هي تحته وجنبة هي فوقه وله بحسب كل جنبة قوة بها تنتظم العلاقة بينه وبين تلك الجنبة فهذه القوة العاملة هي القوة التي لها بالقياس إلى الجنبة التي دونها وهو البدن وسياسته وأما القوة النظرية فهي القوة التي له بالقياس إلى الجنبة التي فوقه لينفعل ويستفيد منه ويقبل عنه وكأن للنفس منا وجهين وجه إلى البدن ويجب أن يكون هذا الوجه غير قابل البتة أثراً من جنس مقتصى طبيعة البدن ووجه إلى المبادئ العالية ويجب أن يكون هذا الوجه دائم القبول عما هناك والتأثير منه هذا. وأما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة فإن كانت مجردة
الصفحة : 137
بذاتها فذاك وإن لم تكن فإنها تصيرها مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء وسنوضح هذا بعد وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور نسب وذلك لأن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئاً قد يكون بالقوة قابلاً له وقد يكون بالفعل والقوة تقال على ثلاث معان بالتقديم والتأخير فيقال قوة للاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه إلى الفعل شيء ولا أيضاً حصل ما به يخرج - وهذه كقوة الطفل على الكتابة ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل للشيء إلا ما يمكنه به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة كقوة الصبي الذي ترعرع وعرف القلم والدواة وبسائط الحروف على الكتابة ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة وحدت مع الآلة أيضاً كمال الاستعداد بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى الاكتساب بل بكيفية أن يقصد فقط كقوة الكاتب المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتب والقوة الأولى تسمى قوة مطلقة وهيولانية والقوة الثانية تسمة قوة ممكنة والقوة الثالثة تسمى ملكة وربما سميت الثانية ملكة والثالثة كمال قوة. فالقوة النظرية إذاً تارة تكون نسبتها إلى الصورة المجردة التي ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة حتى تكون هذه القوة للنفس التي لم تقبل بعد شيئاً من الكمال الذي يحسبها. وحينئذ تسمى عقلاً هيولانياً. وهذه القوة التي تسمى عقلاً هيولانياً موجودة لكل شخص من النوع. وإنما سميت هيولانية تشبيهاً بالهيولى الأولى التي ليست هي بذاتها ذات صورة من الصور وهي موضوعة لكل صورة: وتارة نسبة ما بالقوة الممكنة. وهي أن تكون القوة الهيولانية قد حصل فيها من الكمالات المعقولات الأولى التي يتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية. وأعني بالمعقولات الأولى المقدمات التي يقع بها التصديق لا باكتساب ولا بأن يشعر المصدق بها أنه كان يجوز له أن يخلو عن التصديق بها وقتاً البتة مثل إعتقادنا بأن الكل أعظم من الجزء وأن الأشياء المساوية شيء واحد متساوية فما دام إنما يحصل فيه من العقل هذا القدر بعد فإنه يسمى عقلاً بالملكة. ويجوز أن يسمى هذا عقلاً بالفعل بالقياس إلى الأولى لأن تلك ليس لها أن تعقل شيئاً بالفعل - وأما هذه فإنها تعقل إذا أخذت تقيس بالفعل. وتارة تكون له نسبة ما بالقوة الكمالية وهذا أن يكون حصل فيها أيضاً الصورة المعقولة الأولية إلا أنه ليس يطالعها ويرجع إليها بالفعل بل كأنها عنده مخزونة فمتى شاء طالع تلك الصورة بالفعل فعقلها وعقل أنه عقلها ويسمى عقلاً بالفعل لأنه عقل ويعقل متى شاء بلا تكلف واكتساب. وإن كان يجوز أن تسمى عقلاً بالقوة بالقياس إلى ما بعده. وتارة تكون لها نسبة ما بالفعل
الصفحة : 138
المطلق وهو أن تكون الصورة المعقولة حاضرة فيه وهو يطالعها ويعقلها بالفعل ويعقل أنه يعقلها بالفعل فيكون حينئذ عقلاً مستفاداً لأنه سيتضح لنا أن العقل بالقوة إنما يخرج إلى الفعل بسبب عقل هو دائماً بالفعل. وأنه إذا اتصل به العقل بالقوة نوعاً من الاتصال انطبع منه بالفعل فيه نوع من الصور تكون مستفادة من خارج - فهذه أيضاً مراتب القوى التي تسمى عقولاً نظرية وعند العقل المستفاد يتم الجنس الحيواني والنوع الانساني منه وهناك تكون القوة الانسانية تشبهت بالمبادئ الأولية للوجود كله. فصل في طرق اكتساب النفس الناطقة للعلوم واعلم أن التعلم سواء حصل من غير المتعلم أو حصل من نفس المتعلم متفاوت فإن من المتعلمين من يكون أقرب إلى التصور ولأن استعداده الذي قبل الاستعداد الذي ذكرناه أقوى فإن كان ذلك الانسان مستعداً للاستكمال فيما بينه وبين نفسه سمي هذا الاستعداد القوي حدساً - وهذا الاستعداد قد يشتد في بعض الناس حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كبير شيء وإلى تخريج وتعليم بل يكون شديد الاستعداد لذلك كأن الاستعداد الثاني حاصل له. بل كأنه يعرف كل شيء من نفسه - وهذه الدرجة أعلى درجات هذا الاستعداد. ويجب أن تسمى هذه الحال من العقل الهيولاني عقلاً قدسياً وهو من جنس العقل بالملكة إلا أنه رفيع جداً ليس مما يشترك فيه الناس كلهم ولا يبعد أن تفيض هذه الأفعال المنسوبة إلى الروح القدسي لقوتها واستعلائها فيضاناً على المتخيلة أيضاً فتحاكيها المتخيلة أيضاً بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام على النحو الذي سلفت الإشارة إليه. ومما يحقق هذه أن من المعلوم الظاهر أن الأمور المعقولة التي يتوصل إلى اكتسابها إنما تكتسب بحصول الحد الأوسط في القياس - وهذا الحد الأوسط قد يحصل ضربين من الحصول فتارة يحصل بالحدس والحدس فعل للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط والذكاء قوة الحدس وتارة يحصل بالتعليم ومبادئ التعليم الحدس فإن الأشياء تنتهي لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس ثم أدوها إلى المتعلمين - فجائز أن يقع للإنسان بنفسه الحدس وأن ينعقد في ذهنه القياس بلا معلم وهذا مما يتفاوت بالكم والكيف أما في الكم فلأن بعض الناس يكون أكثر عدد حدس للحدود الوسطى وأما في الكيف فلأن بعض الناس أسرع زمان حدس - ولأن هذا التفاوت ليس منحصراً في حد بل يقبل الزيادة والنقصان دائماً وينتهي في طرف النقصان إلى من لا حدس له البتة فيجب أن ينتهي أيضاً
الصفحة : 139
في طرف الزيادة إلى من له حدس في كل المطلوبات أو أكثرها أو إلى من له حدس في أسرع وقت وأقصره فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية إلى أن يشتعل حدساً أعني قبولاً لا لهام العقل الفعال في كل شيء فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعال من كل شيء إما دفعة وإما قريباً من دفعة إرتساماً لا تقليدياً بل بترتيب يشتمل على الحدود الوسطى فإن التقليديات في الأمور التي إنما تعرف بأسبابها ليست بيقينية عقلية - وهذا ضرب من النبوة بل أعلى قوى النبوة والأولى أن تسمى هذه القوة قوة قدسية وهي أعلى مراتب القوى الانسانية. فصل في ترتيب القوى من حيث الرئاسة والخدمة فاعتبر الآن وانظر إلى هذه القوى كيف يرأس بعضها بعضاً وكيف يخدم بعضها بعضاً فإنك تجد العقل المستفاد بل العقل القدسي رئيساً يخدمه الكل وهو الغاية القصوى ثم العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة والعقل الهيولاني بما فيه من الاستعداد يخدم العقل بالملكة ثم العقل العملي يخدم جميع هذه لأن العلاقة البدنية كما سيتضح لأجل تكميل العقل النظري وتزكيته والعقل العملي هو مدير تلك العلاقة ثم العقل العملي يخدمه الوهم والوهم يخدمه قوتان قوة قبله وقوة بعده فالقوة التي بعده هي القوة التي تحفظ ما أداه والقوة التي قبله هي حميع القوى الحيوانية ثم المتخيلة تخدمها قوتان مختلفتا المأخذ فالقوة النزوعية تخدمها بالأئتمار لأنها تبعثها على التحريك والقوة الخيالية تخدمها بقبول التركيب والتفصيل في صورها ثم أن هذين رئيسان لطائفتين - أما القوة الخيالية فيخدمها فنطاسيا وفنطاسيا تخدمها الحواس الخمس - وأما القوة النزوعية فيخدمها الشهوة والغضب والشهوة والغضب تخدمهما القوة المحركة المنبثة في العضل وإلى ههنا تنتهي القوى الحيوانية - ثم القوى الحيوانية بالجملة النباتية وأولها وأرأسها المولدة ثم الثانية تخدم المولدة ثم الغاذية تخدمهما جميعاً ثم تخدمهما جميعاً - ثم القوى الطبيعية الأربع تخدم هذه فالهاضمة تخدمها من جهة والماسكة من جهة والجاذبة من جهة والدافعة من جهة وتخدم جميعها الكيفيات الأربع لكن الحرارة تخدمها البرودة ويخدم كليهما اليبوسة والرطوبة وههنا آخر درجات القوى.
الصفحة : 140
فصل في الفرق بين إدراك الحس وإدراك التخيل وإدراك الوهم وإدراك العقل
ويشبه أن يكون كل إدراك إنما أخذ صورة المدرك فإن كان المادي فهو أخذ صورة مجردة عن المادة فقط تجريداً ما لأن أصناف التجريد مختلفة ومراتبها متفاوتة فإن الصورة المادية تعرض لها بسبب المادة أحوال وأمور ليست هي لها بذاتها من جهة ما هي تلك الصورة فتارة يكون النزع نزعاً للعلائق كلها أو بعضها وتارة يكون النزع نزعاً كاملاً بأن تجرد عن المادة وعن اللواحق التي لها من جهة المادة مثاله أن الصورة الانسانية والماهية الانسانية طبيعة لا محال يشترك فيها أشخاص النوع كلهم بالسوية وهي بحدها شيء واحد وقد عرض لها أن وجدت في هذا الشخص وذلك الشخص فتكثرت وليس لها ذلك من جهة طبيعتها الانسانية ولو كانت طبيعة الانسانية يجب فيها التكثر لما كان يوجد إنسان محمولاً على واحد بالعدد ولو كانت الانسانية يجب فيها التكثر لما كان يوجد إنسان محمولاً على واحد بالعدد ولو كانت الانسانية موجودة لزيد لأجل أنها إنسانيتة لما كانت لعمرو فإذاً إحدى العوارض التي تعرض للصورة الانسانية من جهة المادة هو التكثر والانقسام ويعرض لها أيضاً غير هذه العوارض وهي أنها إذا كانت في مادة ما حصلت بقدر من الكم والكيف والأين والوضع - وجميع هذه أمور غريبة عن طباعها وذلك لأنه لو كان لأجل الانسانية كونها على هذا الحد أو حد آخر من الكم والكيف والأين والوضع لكان يجب أن يكون كل إنسان مشاركاً للآخر في تلك المعاني ولو كان لأجل الانسانية كونها على حد آخر وجهة أخرى من الكم والكيف والأين والوضع لكان كل واحد من الناس يجب أن يشترك فيها فإذاً الصورة الانسانية بذاتها غير مستوجبة أن يلحقها شيء من هذه اللواحق. فهذه اللواحق عارضة لها من جهة المادة ضرورة لأن المادة التي تقارنها تكون قد لحقتها هذه اللواحق فالحس يأخذ الصورة عن المادة مع هذه اللواحق ومع وقوع نسبة بينهما وبين المادة وإذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الأخذ وذلك لأنه لا ينزع الصورة عن المادة مجردة من جميع لواحقها ولا يمكنه أن يستثبت تلك الصورة وإن غابت المادة فيكون كأنه لم ينزع الصورة عن المادة نزعاً محكماً بل يحتاج إلى وجود المادة أيضاً في أن تكون تلك الصورة موجودة له. وأما الخيال فإنه يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد وذلك بأخذها عن المادة بحيث لا يحتاج في وجودها فيه إلى وجود مادة لأن المادة وإن غابت أو بطلت فإن الصورة تكون ثابتة الوجود في الخيال إلا
الصفحة : 141
أنها لا تكون مجردة عن اللواحق المادية فالحس لم يجردها عن المادة تجريداً تاماً ولا جردها عن لواحق المادة - وأما الخيال فإنه قد جردها عن المادة تجريداً تاماً ولكنه لم يجردها البتة عن لواحق المادة لأن الصورة في الخيال هي على حسب الصور المحسوسة وعلى تقدير ما وتكييف ما ووضع ما. وليس يمكن في الخيال البتة أن يتخيل صورة هي بحال يمكن أن يشترك فيه جميع أشخاص ذلك النوع فإن الانسان المتخيل يكون كواحد من الناس ويجوز أن يكون أناس موجودين ومتخيلين ليسوا على نحو ما تخيل الخيال ذلك الانسان. وأما الوهم فإنه قد تعدى قليلاً عن هذه المرتبة في التجريد لأنه ينال المعاني التي ليست هي في ذواتها بمادية. وإن عرض لها أن تكون في مادة وذلك لأن الشكل واللون والوضع وما أشبه ذلك أمور لا يمكن أن تكون إلا لمواد جسمانية وأما الخير والشر والموافق والمخالف وما أشبه ذلك فهي أمور في أنفسها غير مادية وقد يعرض لها أن تكون في مادة والدليل على أن هذه الأمور غير مادية أن هذه الأمور لو كانت بالذات مادية لما كان يعقل خير أو شر أو موافق أو مخالف إلا عارضاً لجسم ولكن قد يعقل ذلك فبين أن هذه الأمور هي في أنفسها غير مادية - وقد عرض لها إن كانت مادية - والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه الأمور فإذاً هي تدرك أموراً غير مادية وتأخذها عن المادة فهذا النزع أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين إلا أنه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة مادة وبالقياس إليها ومتعلقة بصور محسوسة مكيفة بلواحق المادة ولأنه يأخذها بمشاركة الخيال فيها - وأما القوة التي تكون الصور المستثبتة فيها إما صور موجودات ليست بمادية البتة لا يعرض لها أن تكون مادية أو صور موجودات ليست بمادية ولكن قد ويعرض لها أن تكون مادية أو صور موجودات مادية ولكن مبرأة عن علائق المادة من كل وجه - فبين أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذاً مجرداً عن المادة من كل وجه - أما ما هو متجرد بذاته عن المادة فالأمر فيه ظاهر - وأما ما هو موجود للمادة إما لأن وجوده مادي وإما عارض له ذلك فنزعها عن المادة من كل وجه وعن لواحق المادة معها في أخذها أخذاً مجرداً حتى يكون الانسان الذي يقال على كثيرين فتأخذ الكثيرة طبيعة واحدة وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ووضع مادي - ثم تجرده عن ذلك بما يصلح أن يقال على الجميع فبهذا يفتقرق إدراك الحاكم الحسي وإدراك الحاكم الخيالي وإدراك الحاكم
الصفحة : 142
فصل في أنه لا شيء من المدرك للجزئي بمجرد ولا من المدرك للكلي بمادي
وكل إدراك جزئي فهو آلة جسمانية أما المدرك من الصور الجزئية كما تدركه الحواس الظاهرة وهو المدرك على هيئة غير تامة التجريد والتفريق عن المادة ولا مجردة أصلاً عن علائق المادة فالأمر فيه واضح سهل - وذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة والجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضراً موجوداً عند جسم وليس يكون حاضراً عند ما ليس بجسم فإنه لا نسبة له إلى قوة مجردة من جهة الحضور والغيبة فإن الشيء الذي ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنده بل الحضور لا يقع إلا على وضع وقرب وبعد للحاضر عند المحضور - وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسماً إلا أن يكون المحضور جسماً أو في جسم وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة وعدم تجريد البتة من العلائق كالخيال فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية منه في جسم ارتساماً مشتركاً بينه وبين الجسم ولنفرض الصورة المرتسمة في الخيال صورة زيد على شكله وتخطيطه ووضع أعضائه بعضها عن بعض فنقول إن تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك الجسم وأجزاؤها في أجزائه ولننقل صورة زيد إلى صورة مربع " ا ب ج د " المحدود المقدار والجهة والكيفية واختلاف الزوايا بالعدد وليكن متصلاً بزاويتي " ا ب " منه مربعان كل واحد منهما مثل الآخر ولكل واحد جهة معينة لكنهما متشابها الصور ويرتسم من الجملة صورة شكل جزئية واحدة بالعدد في الخيال فنقول إن مربع " ا ه ر و " وقع غيرا بالعدد لمربع " ب ح ط ي " ووقع في الخيال منه بجانب اليمين ومتميزاً عنه بالوضع في الخيال فلا يخلو إما أن تكون لصورة المربعية أو تكون لعارض خاص له في المربعية غير صورته أو يكون للمادة التي تنطبع فيها ولا يجوز أن يكون مغايرته له من جهة الصورة المربعية وذلك أنا فرضناهما متشاكلين متشابهين متساويين ولا يجوز أن يكون ذلك لعارض يخصه - أما أولا فلأنا لا نحتاج في تخيله يميناً إلى اعتبار إيقاع عارض فيه ليس في ذلك وأما ثانياً فلأن ذلك العارض إما أن يكون شيئاً فيه نفسه لذاته أو يكون شيئاً له بالقياس إلى ما هو شكله في الموجودات حتى يكون كأنه شكل منزوع عن موجود هو بهذه الحال أو يكون شيئاً له بالقياس إلى القوة القابلة أو يكون شيئاً له بالقياس إلى المادة الحاملة - ولا يجوز أن يكون شيئاً له في نفسه من العوارض التي
الصفحة : 143
تخصه لأنه إما أن يكون لازماً أو زائلاً ولا يجوز أن يكون لازماً له بالذات إلا وهو لازم لمشاركه في النوع فإن المربعين وضعا متساويين في النوع فلا يكون لهذا عارض لازم ليس لذلك - وأيضاً فإنه لا يجوز إن كان هو في قوة غير متجزئة أن يعرض له شيء دون الآخر الذي هو مثله ومحلهما واحد غير متجز وهو القوة القابلة ولا يجوز أن يكون زائلاً لأنه يجب إذا زال ذلك الأمر أن يتغير صورته في الخيال والخيال إنما يتخيله هكذا لا بسبب شيء يقرنه به بل يتخيله كذلك كيف كان ولهذا لا يجوز أن يقال إن فرض الفارض جعله بهذا الحال كما يجوز أن يقال في مثله المعقول منه وذلك لأنه لا تبقى المسألة بحالها فيقال كيف أمكن الفارض أن يفرضه بهذا الحال فتميز عن الثاني وما الشيء الذي يعمله به حتى يفرض هذا هكذا وذلك كذلك - وأما في الكلي فهناك حصل ذلك بأمر يقرنه به العقل وهو حد التيامن مع حد القياس وذلك الحد لأمر معقول كلي يصح - وأما لهذا الجزئي فليس يوجد له هذا الحد دون صاحبه إلا لأمر به يستحق زيادة هذا الحد دون صاحبه ولا الخيال يفرضه هكذا بشرط يقرنه به بل يتخيله كذلك دفعة على أنه في نفسه كذلك لا يفرضه فيتخيل هذا يميناً وذاك يساراً إلا بسبب شرط يقترن بذلك أو بهذا - وحد التيامن والتياسر يلحق هناك المربع وهو مربع لم يعرض له شيء آخر لحوق الكلي بالكلي وأما ههنا فما لم يقع له أولاً وضع محدود جزئي فلا يقع تحت الحد ليس الفرض ههنا يجعله بذلك الوضع في الخيال بل وقوع ذلك الوضع الخيالي يجعله بحيث يصدق عليه الفرض والخيال ليس عنده حد البتة لأن الحد كلي فكيف يلحق هو به الحد فقد بطل أن يكون هذا التمييز بسبب تمارض لازم: وغير لازم في ذاته أو مفروض تتقول ولا يجوز أن يكون ذلك بالقياس إلى الشيء الموجود الذي هو خياله وذلك لأنه كثيراً ما يتخيل ما ليس - ولا يكون نسبة البتة إلى ما ليس - وأيضاً فإن وقع لأحد المربعين نسبة إلى جسم وللمربع الآخر نسبة أخرى فليس يجوز أن يقع ومحلهما غير منقسم فليس أحد المربعين الخياليين أولى بأن ينسب لأحد المربعين نسبته إلى جسم وللمربع الآخر نسبة أخرى فليس يجوز أن يقع محملهما غير منقسم فليس أحد المربعين الخياليين أولى بأن ينسب إلى أحد المربعين الموجودين دون الآخر إلا أنه يكون قد وقع هذا في نسبة للحامل إلى الجسم لا يقع الآخر فيها فيها فيكون إذاً محل ذلك غير محل هذا - وتكون القوة منقسمة ولا تنقسم بذاتها بل بانقسام ما هي فيه فتكون جسمانية والصورة مرتسمة في جسم فإذاً ليس يصح أن يفترق المربعان في الخيال لافتراق المربعين الموجودين وبالقياس إليهما فبقي أن يكون ذلك إما بسبب
الصفحة : 144
افتراق الجزء من القوة القابلة أو الجزء من الآلة التي بها تفعل القوة وكيف كان فإن الحاصل يبقى أن الإدراك بمادة جسمانية - أما القوة القابلة فلأنها لا تنقسم إلا بانقسام مادتها - وأما الآلة الجسمانية فهي التي إياها نعني فقد اتضح أن الإدراك الخيالي هو أيضاً بجسم ومما يبين ذلك أنا إنما نتخيل الصورة الخيالية كصورة الانسان مثلاً أكبر وأصغر ولا محالة أنها ترتسم وهي أكبر وترتسم وهي أصغر في شيء لا في مثل ذلك الشيء بعينه لأنها إن ارتسمت في مثل ذلك الشيء فالتفاوت في الصغر والكبر إما أن يكون بالقياس إلى المأخوذ عنه الصورة - إما بالقياس إلى الآخذ - وإما بالقياس إلى الصورتين وليس يجوز أن يكون بالقياس إلى المأخوذ عنه - فكثير من الصور الخيالية غير مأخوذ عن شيء البتة ولا يجوز أن يكون بسبب الصورتين في أنفسهما فإنهما لما اتفقا في الحد والماهية واختلفا في الصغر والكبر فليس ذلك لنفسيهما فإذاً ذلك بالقياس إلى الشيء القابل لأن الصورة تارة ترتسم في جزء منه أكبر وتارة في جزء منه أصغر - وأيضاً فإنه ليس يمكننا أن نتخيل السواد والبياض في شبح خيالي واحد معاً - ويمكننا ذلك في جزئين منه ولو كان الجزآن لا يتميزان في الوضع بل كان كلا الخيالين يرتسمان في شيء غير منقسم لكان لا يفترق الأمر بين المعتذر منهما وبين الممكن فإذاً الجزآن متميزان في الوضع - ولما علمت في الخيال فقد علمت في الوهم الذي ما يدركه إنما يدركه متعلقاً بصور جزئية خيالية على ما أوضحنا قبل.
الصفحة : 145
فصل في تفصيل الكلام على تجرد الجوهر الذي هو محل المعقولات
ثم نقول إن الجوهر الذي هو محل المعقولات ليس بجسم ولا قائم بجسم على أنه فوق فيه أو صورة له بوجه فإنه إن كان محل المعقولات جسماً أو مقداراً من المقادير فإما أن يكون محل الصور فيه طرفاً منه لا ينقسم أو يكون إنما يحل منه شيئاً منقسماً ولنمتحن أولاً أنه هل يمكن أن يكون طرفاً غير منقسم فأقول أن هذا محال وذلك أن النقطة هي نهاية ما لا تميز لها في الوضع عن الخط والمقدار الذي هو منته إليها حتى ينتقش فيها شيء من غير أن يكون ذلك النقش في جزء من ذلك الخط بل كما أن النقطة لا تنفرد بذاتها وإنما هي طرف ذاتي لما هو بالذات مقدار كذلك إنما يجوز أن يقال بوجه ما أنه يحل فيها شيء إذا كان ذلك الشيء حالاً في المقدار الذي هي طرفه فيتقدر بها بالعرض فكما أنه يتقدر بها بالعرض كذلك يتناهى بالعرض مع النقطة ولو كانت النقطة منفردة تقبل شيئاً من الأشياء لكان يتميز لها ذات فكانت النقطة حينئذ ذات جهتين جهة منها تلي الخط الذي تميزت عنه وجهه منها مخالفة لها مقابلة فتكون حينئذ منفصلة عن الخط وللخط نهاية غيرها يلاقيها فتكون تلك النقطة نهاية الخط لا هذه والكلام فيها وفي هذه النقطة واحد ويؤدي هذا إلى أن تكون النقط متشافعة في الخط إما متناهية وإما غير متناهية وهذا أمر قد بان لنا في مواضع أخرى استحالته فقد بان أن النقط لا تتركب بتشافعها وبان أيضاً أن النقطة لا يتم لها وضع خاص ونشير إلى طرف منها فنقول إن النقطتين حينئذ اللتين يطيفان بنقطة واحدة من جنبتيها إما أن تكون النقطة المتوسطة تحجز بينهما فلا يتماسان فيلزم حينئذ في البديهة العقلية الأولية أن يكون كل واحد منهما يختص بشيء من الوسطى تماسه فتنقسم حينئذ الواسطة وهذا محال وإما أن تكون الوسطى لا تحجز المكتنفتين عن التماس فحينئذ تكون الصورة المعقولة حالة في جميع النقط وجميع النقط كنقطة واحدة وقد وضعنا هذه النقطة الواحدة منفصلة عن الخط فللخط من جهة ما ينفصل عنها طرف غيرها به ينفصل عنها فتلك النقطة تكون مباينة لهذه في الوضع وقد وضعت النقط كلها مشتركة في الوضع هذا خلف فقد بطل أن يكون محل المعقولات من الجسم شيئاً غير منقسم فبقي أن يكون محلها من الجسم إلى كان محلها جسماً شيئاً منقسماً فلنفرض صورة معقولة في شيء منقسم فإذا فرضناها في الشيء المنقسم انقساماً ما عرض للصورة أن تنقسم - فحينئذ لا يخلو إما أن يكون الجزآن
الصفحة : 146
متشابهين أو غير متشابهين فإن كانا متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس إياهما - اللهم إلا أن يكون ذلك الشيء شيئاً يحصل فيهما من جهة الزيادة في المقدار أو الزيادة في العدد لا من جهة الصورة فيكون حينئذ للصورة المعقولة شكل ما أو عدد ما وليس صورة معقولة بمشكلة وتصير حينئذ الصورة خيالية لا عقلية وأظهر من ذلك أنه ليس يمكن أن يقال أن كل واحد من الجزأين هو بعينه الكل في المعنى لأن الثاني إن كان غير داخل في معنى الكل فيجب أن نضع في الابتدا معنى الكل لهذا الواحد لا لكليهما وإن كان داخلاً في معناه فمن البين الواضح أن الواحد منهما وحده ليس يدل عليه على التمام وإن كانا غير متشابهين فلننظر كيف يمكن أن يكون للصورة المعقولة أجزاء غير متشابهة فإنه ليس يمكن أن تكون الأجزاء الغير المتشابهة إلا أجزاء الحد التي هي الأجناس والفصول ويلزم من هذا محالات منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضاً في القوة قبولاً غير متناه فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالقوة غير متناهية وقد صح أن الأجناس والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير متناهية ولأنه ليس يمكن أن يكون توهم القسمة يفيد الجنس والفصل تميزاً بينهما بل ما لا يشك فيه أنه إذا كان هناك جنس وفصل يستحقان تمييزاً في المحل أن ذلك التمييز لا يتوقف على توهم القسمة فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالفعل أيضاً غير متناهية - وقد صح أن الأجناس والفصول وأجزاء الحد للشيء الواحد متناهية من كل وجه - ولو كانت غير متناهية بالفعل لما كان يجوز أن يجتمع في الجسم اجتماعاً على هذه الصورة فإن ذلك يوجب أن يكون الجسم الواحد انفصل بأجزاء غير متناهية وأيضاً لتكن القسمة وقعت من جهة فأفرزت من جانب جنساً ومن جانب فصلاً فلو غيرنا القسمة لكان يقع منها في جانب نصف جنس ونصف فصل أو كان ينقلب الجنس إلى مكان الفصل والفصل إلى مكان الجنس فكان فرضنا الوهمي يدور مقام الجنس والفصل فيه وكان يغير كل واحد منهما إلى جهة ما بحسب إرادة من بدن خارج على أن ذلك أيضاً لا يفنى فإنه يمكننا أن نوقع قسماً في قسم وأيضاً ليس كل معقول يمكن أن يقسم إلى معقولات أبسط منه فإن ههنا معقولات هي أبسط المعقولات ومباد للتركيب في سائر المعقولات وليس لها أجناس ولا فصول ولا هي منقسمة في الكم ولا هي منقسمة في المعنى فإذاً ليس يمكن أن تكون الأجزاء المتوهمة فيه غير متشابهة كل واحد منها هو في المعنى غير الكل وإنما يحصل الكل بالاجتماع فإذا كان ليس يمكن أن تنقسم الصورة المعقولة ولا أن تحل طرفاً من المقادير غير منقسم ولا بد
الصفحة : 147
لها من قابل فينا فبين أن محل المعقولات جوهر ليس بجسم ولا أيضاً قوة في جسم فيلحقه ما يلحق الجسم من الانقسام ثم يتبعه سائر المحالات. برهان آخر في المبحث المذكور ولنا أن نبرهن على هذا ببرهان آخر - فنقول إن القوة العقلية هي التي تجرد المعقولات عن الكم المحدود والأين والوضع وسائر ما قيل فيجب أن ننظر في ذات هذه الصورة المجردة عن الوضع كيف هي مجردة عنه هل ذلك التجرد بالقياس إلى الشيء المأخوذ منه أو بالقياس إلى الشيء الآخذ أعني أن هذه الذات المعقولة تتجرد عن الوضع في الوجود الخارجي أو في الوجود المتصور في الجوهر العاقل ومحال أن تكون كذلك في الوجود الخارجي فبقي أن تكون إنما هي مفارقة للوضع والأين عند وجودها في العقل فإذاً إذا وجدت في العقل لم تكن ذات وضع وبحيث تقع إليها إشارة تجزي أو انقسام أو شيء مما أشبه هذا المعنى فلا يمكن أن تكون في جسم - وأيضاً إذا انطبعت الصورة الأحدية الغير المنقسمة التي هي لأشياء غير منقسمة في المعنى في مادة منقسمة ذات جهات فلا يخلو إما أن يكون ولا لشيء من أجزائها " أجزاء المادة " التي تفرض فيها بحسب جهاتها نسبة إلى الشيء المعقول الواحد الذات الغير المنقسم المتجرد عن المادة أو يكون ذلك لكل واحد من أجزائها التي تفرض أو يكون لبعضها دون بعض فإن لم يكن ولا لشيء منها نسبة فليس ولا لكلها لا محالة نسبة وإن كان لبعضها نسبة إليه دون بعض فالبعض الذي لا نسبة له إليه ليس هو من معناه في شيء وإن كان لكل جزء يفرض نسبة ما فإما أن يكون لكل جزء يفرض نسبة إلى الذات بأسرها أو إلى جزء من الذات فإن كان لكل جزء يفرض نسبة إلى الذات بأسرها فليست الأجزاء إذاً أجزاء معنى المعقول بل كل واحد منها معقول في نفسه مفرد بل المعقول كما هو فيكون معقولاً مرات لا نهاية لها بالفعل في آن واحد وإن كان كل جزء له نسبة غير الأخرى إلى الذات فيلزم أن الذات مقسمة في العقل وقد وضعناها غير منقسمة هذا خلف وإن كان نسبة كل واحد إلى شيء من الذات غير ما إليه نسبة الآخر فانقسام الذات أظهر إلا أنه لا يعقل ومن هذا يتبين أن الصور المنطبعة في المادة لا تكون إلا أشباحاً لأمور جزئية منقسمة ولكل جزء منها بالفعل أو بالقوة إلى جزء منها وأيضاً فإن الشيء المتكثر أيضاً في أجزاء الحد له من جهة التمام وحده وهي مما لا ينقسم فتلك الوحدة بما هي وحدة كيف ترتسم في المنقسم وإلا فيعرض أيضاً ما قلنا في غير المتكثر أجزاء حده - وأيضاً فإنه قد يصح لنا أن المعقولات
الصفحة : 148
المفروضة التي من شأن القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحداً واحداً منها غير متناهية بالقوة ليس واحد أولى من الآخر - وقد صح لنا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن يكون محله جسماً ولا قوة في جسم قد برهن على هذا في السماع الطبيعي فلا يجوز إذاً أن تكون الذات القابلة للمعقولات قائمة في جسم البتة ولا عقلها بكائن في جسم ولا بجسم.
فصل في إن تعقل القوة العقلية ليس بالآلة الجسدية
ونقول إن القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية حتى يكون فعلها الخاص إنما يتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية لكان يجب أن لا تعقل ذاتها وأن لا تعقل الآلة ولا أن تعقل أنها عقلت فإنه ليس بينها وبين ذاتها آلة وليس بينهما وبين أنها عقلت آلة لكنها تعقل ذاتها وآلتها التي تدعى آلتها وأنها عقلت فإذاً إنما تعقل بذاتها لا بالآلة وأيضاً لا يخلو إما أن يكون تعقلها آلتها بوجود ذات صورة آلتها إما تلك وإما أخرى مخالفة لها وهي صورتها أيضاً فيها وفي آلتها أو لوجود صورة أخرى غير صورة آلتها تلك فيها وفي آلتها فإن كان لوجود صورة آلتها فصورة آلتها في آلتها وفيها بالشركة دائماً فيجب أن تعقل آلتها التي كانت تعقل لوصول الصورة إليها - وإن كان لوجود صورة غير تلك الصورة فإن المغايرة بين أشياء مشتركة في حد واحد إما لاختلاف المواد وإما لاختلاف ما بين الكلي والجزئي والمجرد عن المادة والموجود في المادة وليس ههنا اختلاف مواد فإن المادة واحدة وليس ههنا اختلاف التجريد والوجود في المادة فإن كليهما في المادة وليس ههنا اختلاف بالخصوص والعموم لأن أحدهما إنما يستفيد الجزئية بسبب المادة الجزئية واللواحق التي تلحقها من جهة المادة التي فيها وهذا المعنى لا يختص بأحدهما دون الآخر ولا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى معقولة غير صورة آلتها - فإن هذه أشد استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلت الجوهر القابل جعلته عاقلاً لما تلك الصورة صورته أو لما تلك الصورة مضافة إليه فتكون صورة المضاف داخلة في هذه الصورة وهذه الصورة المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضاً صورة شيء مضاف إليها بالذات - لأن ذات هذه الآلة جوهر ونحن إنما نأخذ ونعتبر صورة ذاته والجوهر في ذاته غير مضاف إليه فهذا برهان عظيم على أنه لا يجوز أن يدرك المدرك لآلة هي آلته في الادراك ولهذا كان الحس إنما يحس شيئاً خارجاً ولا يحس ذاته ولا آلته ولا إحساسه وكذلك الخيال لا يتخيل ذاته ولا فعله ولا آلته بل أن تخيل آلته تخيلها لا على نحو يخصها بأنه لا محالة لها دون غيرها إلا أن يكون الحس أورد عليه صورة آلته لو أمكن فيكون حينئذ إنما يحكي
الصفحة : 149
خيالاً مأخوذاً من الحس غير مضاف عنده إلى شيء حتى لو لم يكن هو آلته كذلك لم يتخيله. برهان آخر في هذا المبحث وأيضاً مما يشهد لنا بهذا ويقنع فيه أن القوى الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها من إدامة العمل أن تكل لأجل أن الآلات تكلها إدامة الحركة وتفسد مزاجها الذي هو جوهرها وطبيعتها والأمور القوية الشاقة الادراك توهنها وربما أفسدتها وحتى لا تدرك بعدها إلا ضعف منها لانغماسها في الانفعال عن الشاق كما في الحس فإن المحسوسات الشاقة المتكررة تضعفه وربما أفسدته كالضوء للبصر والرعد الشديد للسمع وعند إدراك القوى لا يقوى على إدراك الضعيف فإن المبصر ضوءً عظيماً لا يبصر معه ولا عقيبه نوراً ضعيفاً والسامع صوتاً عظيماً لا يسمع معه ولا عقيبه صوتاً ضعيفاً ومن ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعدها بالضعيفة والأمر في القوة العقلية بالعكس فإن أدامتها للتعقل وتصورها للأمور الأقوى يكسبها قوة وسهولة قبول لما بعدها مما هو أضعف منها - فإن عرض لها في بعض الأوقات ملال وكلال فذلك لاستعانة العقل بالخيال المستعمل للآلة التي تكل هي فلا تخدم العقل ولو كان لغير هذا لكان يقع دائماً وفي أكثر برهان ثالث وأيضاً فإن البدن تأخذ أجزاؤه كلها تضعف قواها بعد منتهى النشؤ والوقوف وذلك دون الأربعين أو عند الأربعين وهذه القوة إنما تقوى بعد ذلك في أكثر الأمر ولو كانت من القوى البدنية لكان يجب دائماً في كل حال أن تضعف حينئذ لكن ليس يجب ذلك إلا في أحوال وموافاة عوائق دون جميع الأحوال فليست إذاً من القوى البدنية.
الصفحة : 150
سؤال وشرح شاف للإجابة عنه وأما الذي يتوهم من أن النفس تنسى معقولاتها ولا تفعل فعلها مع مرض البدن عند الشيخوخة أن ذلك لها بسبب أن فعلها لا يتم إلا بالبدن - فظن غير ضروري ولاحق - وذلك أنه بعد ما صح لنا أن النفس تعقل بذاتها يجب أن نطلب العلة في هذا العارض المشكك فإن كان يمكن أن يجتمع أن للنفس فعلاً بذاتها وإنها أيضاً تترك فعلها مع مرض البدن ولا تفعل من غير تناقض فليس لهذا الاعتراض إعتبار - فنقول إن النفس لها فعل بالقياس إلى البدن وهو السياسة وفعل بالقياس إلى ذاتها إلى مبادئها وهو التعقل وهما متعاندان متمانعان فإنهما إذا اشتعلت بأحدهما إنصرفت عن الآخر - ويصعب عليها الجمع بين الأمرين - وشواغلها من جهة البدن الاحساس والتخييل والشهوة والغضب والخوف والغم والوجع - وأنت تعلم هذا بأنك إذا أخذت تفكر في المعقول تعطل عليك كل شيء من هذه إلا أن تغلب وتقسر النفس بالرجوع إلى جهتها وأنت تعلم أن الحس يمنع النفس عن التعقل فإن النفس إذا أكبت على المحسوس شغلت عن المعقول من غير أن يكون أصاب آلة العقل أو ذاتها آفة بوجه وتعلم أن السبب في ذلك هو اشتغال النفس بفعل دون فعل فلهذا السبب ما يتعطل أفعال العقل عند المرض ولو كانت الصورة المعقولة قد بطلت وفسدت لأجل الآلة لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج إلى اكتساب من الرأس وليس الأمر كذلك فإنه قد تعود النفس عاقلة لجميع ما عقلته بحاله فقد كان إذا ما كسبته موجوداً معها بنوع ما إلا أنها كانت مشغولة عنه - وليس اختلاف جهتي فعل النفس فقط يوجب في أفعالها التمانع بل تكثر أفعال جهة واحدة قد يوجب هذا بعينه فإن الخوف يشغل عن الجوع - والشهوة تصد عن الغضب والغضب يصرف عن الخوف والسبب في جميع ذلك واحد وهو انصراف النفس بالكلية إلى أمر واحد فإذاً ليس يجب إذا لم يفعل شيء فعله عند اشتغاله بشيء أن لا يكون فاعلاً فعله إلا عند وجود ذلك الشيء - ولنا أن نتوسع في بيان هذا الباب - إلا أن بلوغ الكفاية يسبب الانسياق إلى تكلف ما لا يحتاج إليه فقد ظهر من أصولنا التي قررناها أن النفس ليست منطبعة في البدن ولا قائمة به - فيجب أن يكون سبيل إختصاصها به سبيل مقتضى هيئة فيها جزئية
الصفحة : 151
فصل في إعانة القوى الحيوانية للنفس الناطقة
ثم نقول إن القوى الحيوانية تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن الحس يورد عليها الجزئيات فيحدث لها من الجزئيات أمور أربعة " أحدها " إنتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة وعن علائق المادة ولواحقها ومراعاة المشترك فيه والمتبين به والذاتي وجوده والعرضي وجوده فيحدث للنفس من ذلك مبادئ التصور وذلك بمعاونة إستعمالها للخيال والوهم " والثاني " إيقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثل سلب وإيجاب فما كان التأليف فيها بسلب أو إيجاب بينا بنفسه أخذته وما كان ليس كذلك تركته إلى مصادفة الواسطة " والثالث " تحصيل المقدمات التجريبية وهو أن يوجد بالحس محمولاً لازم الحكم لموضوع لزوم الايجاب أو السلب أو منافياً له أو تالياً موجب الاتصال أو مسلوبه أو موجب العناد أو مسلوبه غير مناف له وليس ذلك في بعض الأحايين دون بعض ولا على المساواة بل دائماً حتى تسكن النفس إلى أن يتبين أن من طبيعة هذا المحمول أن تكون فيه هذه النسبة إلى هذا الموضوع - والتالي أن يلزم هذا المقدم أو ينافيه لذاته لا بالاتفاق فيكون ذلك إعتقاداً حاصلاً من حس وقياس - أما الحس فلأجل مشاهدة ذلك - وأما القياس فلأنه لو كان إتفاقياً لما وجد دائماً أو في أكثر الأمر وهذا كالحكم منا أن السقمونيا مسهل للصفراء بطبيعته لاحساسنا ذلك كثيراً وبقياسنا أنه لو كان لا عن الطبع بل عن الاتفاق لوجد في بعض الأحايين " والرابع " الأخبار التي يقع التصديق بها لشدة التواتر - فالنفس الانسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادئ للتصور ثم إذا حصلتها رجعت إلى ذاتها فإن عرض لها شيء من القوى التي دونها بأن يشتغل به شغلتها عن فعلها أو أضرت بفعلها إذا لم تشغلها فلا تحتاج إليها بعد ذلك في خاص فعلها إلا في أمور تحتاج النفس فيها خاصة إلى أن تعاود القوى الخيالية مرة أخرى لاقتناص مبدأ غير الذي حصل أو معاونه بإحضار خيال - وهذا يقع في الابتداء كثيراً ولا يقع بعده إلا قليلاً وأما إذا استكملت النفس وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الاطلاق وتكون القوى الحسية والخيالية وسائر القوى البدنية صارفة لها عن فعلها - ومثال هذا أن الانسان قد يحتاج إلى ذاته وآلات يتوصل بها إلى مقصد ما فإذا وصل إليه ثم إن عرض من الأسباب ما يحمله على مفارقته صار السبب الموصل بعينه عائقاً - ثم إن البراهين التي أقمناها على أن محل المعقولات أعني النفس الناطقة ليس بجسم ولا هي قوة في جسم فقد كفتنا مؤونة الاستشهاد على صحة قيام
الصفحة : 152
النفس بذاتها مستغنية عن البدن إلا أنا نستشهد لذلك أيضاً من فعلها. ونقول إن الأنفس الانسانية متفقة في النوع والمعنى فإن وجدت قبل البدن فإما أن تكون متكثرة الذوات أو تكون ذاتاً واحدة - ومحال أن تكون ذوات متكثرة وأن تكون ذاتاً واحدة على ما يتبين فمحال أن تكون قد وجدت قبل البدن فنبدأ ببيان إستحالة تكثرها بالعدد - فنقول إن مغايرة الأنفس قبل الأبدان بعضها لبعض إما أن يكون من جهة الماهية والصورة وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر والمادة متكثرة بالأمكنة التي تشتمل كل مادة على جهة منها والأزمنة التي تختص كل نفس بواحد منها في حدوثها في مادتها - والعلل القاسمة لمادتها وليست متغايرة بالماهية والصورة لأن صورتها واحدة فإذاً إنما تتغاير من جهة قابل الماهية أو المنسوب إليه الماهية بالاختصاص - وهذا هو البدن - وأما قبل البدن فالنفس مجرد ماهية فقط فليس يمكن أن تغاير نفس نفساً بالعدد والماهية لا تقبل إختلافاً ذاتياً وهذا مطلق في كل شيء فإن الأشياء التي ذواتها معان فقط فتكثر نوعياتها إنما هو بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها أو بنسبة ما إليها وإلى أزمنتها فقط - وإذا كانت مجردة أصلاً لم تفترق بما قلنا فمحال أن يكون بينها مغايرة وتكاثر فقد بطل وأن تكون الأنفس قبل دخولها الأبدان متكثرة الذات بالعدد - فأقول ولا يجوز أن تكون واحدة الذات بالعدد لأنه إذا حصل بدنان حصل في البدنين نفسان - فأما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة فيكون الشيء الواحد الذي ليس له عظم وحجم منقسماً بالقوة - وهذا ظاهر البطلان بالأصول المتقررة في الطبيعيات - وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين وهذا لا يحتاج أيضاً إلى كثير تكلف في أبطاله فقد صح إذاً أن النفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما ذلك البدن الذي استحق حدوثها من المبادئ الأولية نزاع طبيعي إلى الاشتغال به واستعماله والاهتمام بأحوله والانجذاب إليه يخصها به ويصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع إلا بواسطته فلابد أنها إذا وجدت متشخصة فإن مبدأ تشخيصها يلحق بها من الهيئات ما تتعين به شخصاً وتلك الهيئات تكون مقتضية لاختصاصها بذلك البدن ومناسبة لصلوح أحدهما للآخر وإن خفي علينا تلك الحال وتلك المناسبة وتكون مبادئ الاستكمال متوقعة لها بواسطته وتزيد فيه بالطبع لا بواسطته وأما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتاً منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها واختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها
الصفحة : 153
المختلفة لا محالة بأحوالها.
فصل في أن النفس لا تموت بموت البدن ولا تقبل الفساد
ونقول أنها لا تموت بموت البدن ولا تقبل الفساد أصلاً أما أنها لا تموت بموت البدن فلأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعاً من التعلق وكل متعلق بشيء نوعاً من التعلق فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر عنه في الوجود - وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتقدم عليه في الوجود الذي هو قبله بالذات لا بالزمان - فإن كان تعلق النفس بالبدن تعلق المكافئ في الوجود وذلك أمر ذاتي له لا عارض فكل واحد منهما مضاف الذات إلى صاحبه فليس لا النفس ولا البدن بجوهر لكنهما جوهران - وإن كان ذلك الأمر عرضياً لا ذاتياً فإن فسد أحدهما بطل العارض الآخر من الاضافة ولم تفسد الذات بفساده وإن كان تعلقه به تعلق المتأخر عنه في الوجود فالبدن علة للنفس في الوجود حينئذ والعلل أربع فإما أن يكون البدن علة فاعلية للنفس معطية لها الوجود - وإما أن يكون علة قابلية لها بسبيل التركيب كالعناصر للأبدان أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم - وإما أن يكون علة صورية - وإما أن يكون علة كمالية ومحال أن يكون علة فاعلية فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئاً وإنما يفعل بقواه ولو كان يفعل بذاته لا بقواه لكان كل جسم يفعل ذلك الفعل ثم القوى الجسمانية كلها إما أعراض وأما صور مادية ومحال أن تفيد الأعراض أو الصور القائمة بالمواد وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة ووجود جوهر مطلق ومحال أيضاً أن يكون علة قابلية فقد بينا وبرهنا أن النفس ليست منطبعة في البدن بوجه من الوجوه فلا يكون إذاً البدن متصوراً بصورة النفس لا بحسب البساطة ولا على سبيل التركيب بأن يكون أجزاء من أجزاء البدن تتركب وتمتزج تركيباً ومزاجاً ما فتنطبع فيها النفس - ومحال أن يكون علة صورية للنفس أو كمالية فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس فإذاً ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية - نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس فإنه إذا حدثت مادة بدن يصلح أن يكون آلة النفس ومملكة لها أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية - وحدث عنها ذلك لأن أحداثها بلا سبب مخصص أحداث واحدة دون واحدة محال ومع ذلك يمتنع وقوع الكثرة فيها بالعدد لما قد بيناه ولأنه لابد لكل كائن بعد ما لم يكن من أن تتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ لنسبته إليه كما تبين في
الصفحة : 154
العلوم الأخرى ولأنه لو كان يجوز أيضاً أن تكون النفس الجزئية تحدث ولم يحدث لها آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شيء معطل في الطبيعة ولكن إذا حدث التهيؤ للنسبة والاستعداد للآلة يلزم حينئذ أن يحدث من العلل المفارقة شيء هو النفس وليس إذا وجب حدوث شيء مع حدوث شيء يجب أن يبطل مع بطلانه - إنما يكون ذلك إذا كانت ذات الشيء قائمة بذلك الشيء وفيه - وقد تحدث أمور عن أمور وتبطل هذه الأمور وتبقى تلك الأمور إذا كانت ذواتها غير قائمة فيها وخصوصاً إذا كان مفيد الوجود لها شيئاً آخر غير الذي إنما تهيأ أفادة وجودها مع وجوده ومفيد وجود النفس شيء غير جسم كما بينا ولا قوة في جسم بل هو لا محالة جوهر آخر غير جسم فإذا كان وجوده من ذلك الشيء ومن البدن يحصل وقت استحقاقه للوجود فقط فليس له تعلق في نفس الوجود بالبدن ولا البدن علة له إلا بالعرض فلا يجوز إذاً أن يقال إن التعلق بينهما على نحو يوجب أن يكون الجسم متقدماً تقدم العلية بالذات على النفس - وأما القسم الثالث مما كنا ذكرنا في الابتدا وهو أن يكون تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم في الوجود. فأما أن يكون التقدم مع ذلك زمانياً فيستحيل أن يتعلق وجوده به وقد تقدمه في الزمان. وأما أن يكون التقدم في الذات لا في الزمان لأنه في الزمان لا يفارقه وهذا النحو من التقدم هو أن تكون الذات المتقدمة كلما توجد يلزم أن يستفاد عنها ذات المتأخر في الوجود. وحينئذ لا يوجد هذا المتقدم في الوجود إذا فرض المتأخر قد عدم لا أن فرض عدم المتأخر أوجب عدم المتقدم ولكن لأن المتأخر لا يجوز أن يكون عدم إلا وقد عرض أولاً بالطبع للمتقدم ما أعدمه فحينئذ عدم المتأخر فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم ولكن فرض عدم المتقدم نفسه لأنه إنما افترض المتأخر معدوماً بعد أن عرض للمتقدم أن عدم في نفسه. وإذا كان كذلك فيجب أن يكون السبب المعدم يعرض في جوهر النفس فيفسد معه البدن وأن لا يكون البتة البدن يفسد بسبب يخصه لكن فساد البدن يكون بسبب يخصه من تغير المزاج أو التراكيب فباطل أن تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات ثم يفسد البدن البتة بسبب في نفسه فليس إذاً بينهما هذا التعلق. وإذا كان الأمر على هذا فقد بطل أنحاء التعلق كلها وبقي أن لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن بل تعلقه في الوجود بالمبادئ الأخر التي لا تستحيل ولا تبطل - وأما أنها لا تقبل الفساد أصلاً - فأقول أن سبباً آخر لا يعدم النفس البتة وذلك أن كل شيء من شأنه أن يفسد بسبب ما ففيه قوة أن يفسد وقبل الفساد فيه فعل أن
الصفحة : 155
يبقى ومحال أن يكون من جهة واحدة في شيء واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى بل تهيؤه للفساد ليس لعلة أن يبقى فإن معنى القوة مغاير لمعنى الفعل - وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل لأن إضافة ذلك إلى الفساد وإضافة هذا إلى البقاء فإذاً لأمرين مختلفين في الشيء يوجد هذان المعنيان - فنقول إن الأشياء المركبة والأشياء البسيطة التي هي قائمة في المركبة يجوز أن يجتمع فيها فعل أن يبقى وقوة أن يفسد - وأما في الأشياء البسيطة المفارقة الذات فلا يجوز أن يجتمع هذان الأمران - وأقول بوجه آخر مطلق أنه لا يجوز أن يجتمع في شيء أحدي الذات هذان المعنيان - وذلك لأن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد فله قوة أيضاً أن يبقى لأن بقاءه ليس بواجب ضروري - وإذا لم يكن واجباً كان ممكناً والإمكان هو طبيعة القوة فإذاً يكون له في جوهره قوة أن يبقى وفعل أن يبقى لا محالة ليس هو قوة أن يبقى منه وهذا بين - فيكون إذاً فعل أن يبقى منه أمر يعرض للشيء الذي له قوة أن يبقى منه فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل بل للشيء الذي يعرض لذاته أن يبقى بالفعل لا أنه حقيقة ذاته فيلزم من هذا أن تكون ذاته مركبة من شيء إذا وجد له كان به ذاته موجوداً بالفعل وهو الصورة في كل شيء ومن شيء حصل له هذا الفعل وفي طباعه قوته وهو مادته. فإن كانت النفس بسيطة مطلقة لم تنقسم إلى مادة وصورة - فلم تقبل الفساد وإن كانت مركبة فلنترك المركب ولننظر في الجوهر الذي هو مادته ولنصرف القول إلى نفس مادته ولنتكلم فيها ونقول إن تلك المادة إما أن تنقسم هكذا دائماً ويثبت الكلام دائماً وهذا محال وإما أن لا يبطل الشيء الذي هو الجوهر والسنخ وكلامنا في هذا الشيء الذي هو السنخ والأصل لا في شيء مجتمع منه ومن شيء آخر - فبين أن كل شيء هو بسيط غير مركب أو هو أصل مركب وسنخه فهو غير مجتمع فيه فعل أن يبقى وقوة أن يعدم بالقياس إلى ذاته فإن كانت فيه قوة أن يعدم فمحال أن يكون فيه فعل أن يبقى وإذا كان فيه فعل أن يبقى وأن يوجد فليس فيه قوة أن يعدم - فبين إذا أن جوهر النفس ليس فيه قوة أن يفسد - وأما الكائنات التي تفسد فإن الفاسد منها هو المركب المجتمع وقوة أن تفسد وأن تبقى ليس في المعنى الذي به المركب واحد بل في المادة التي هي بالقوة قابلة كلا الضدين فليس إذاً في الفاسد المركب لا قوة أن يبقى ولا قوة أن يفسد فلم يجتمعا فيه وأما المادة فإما أن تكون باقية لا بقوة تستعد بها للبقاء كما يظن قوم. وإما أن تكون باقية بقوة بها تبقى وليس لها قوة أن تفسد بل قوة أن تفسد لشيء آخر فيها يحدث والبسائط التي في المادة فإن قوة فسادها هو للمادة لا في
الصفحة : 156
جوهرها والبرهان الذي يوجب أن كل كائن فاسد من جهة تناهي قوتي البقاء والبطلان إنما يوجب فيما كونه من مادة وصورة ويكون في المادة قوة أن تبقى فيه هذه الصورة وقوة أن تفسد هي فيه مما فقد بان إذاً أن النفس البتة لا تفسد - وإلى هذا سقنا كلامنا - وهذا ما أردناه.
فصل في بطلان القول بالتناسخ
وقد أوضحنا أن الأنفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيؤ الأبدان على أن تهيؤ الأبدان يوجب أن يقتضي وجود النفس لها من العلل المفارقة وظهر من ذلك أن هذا لا يكون على سبيل الاتفاق والبخت حتى يكون ليس وجود النفس الحادثة لاستحقاق هذا المزاج نفساً تدبره حادثة ولكن كان يوجد نفس واتفق أن وجد معه بدن فحينئذ لا يكون للتكثر علة ذاتية البتة بل عرضية: وقد عرفنا أن العلل الذاتية هي أولاً ثم العرضية فإذا كان كذلك فكل بدن يستحق مع حدوث مزاجه حدوث نفس له وليس بدن يستحقه وبدن لا يستحقه إذ أشخاص الأنواع لا تختلف في الأمور التي بها تتقوم - فإذا فرضنا نفساً تناسختها أبدان وكل بدن فإنه ذاته يستحق نفساً تحدث له وتتعلق به فيكون البدن الواحد فيه نفسان معاً - ثم العلاقة بين النفس والبدن ليس هي على سبيل الانطباع فيه كما قلنا بل علاقة الاشتغال به حتى تشعر النفس بذلك البدن وينفعل البدن عن تلك النفس وكل حيوان فإنه يستشعر نفسه نفساً واحدة هي المصرفة والمدبرة فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هي بنفسها ولا تشتغل بالبدن فلس لها علاقة مع البدن لأن العلاقة لم تكن إلا بهذا النحو فلا يكون تناسخ بوجه من الوجوه - وبهذا المقدار لمن أراد الاختصار كفاية بعدان فيه كلاماً طويلاً.
الصفحة : 157
فصل في وحدة النفس
ونقول إن النفس ذات واحدة ولها قوى كثيرة ولو كان قوي النفس لا تجتمع عند ذات واحدة بل يكون للحس مبدأ على حدة وللغضب مبدأ على حدة ولكل واحدة من الأخرى مبدأ على حدة لكان الحس إذا ورد عليه شيء فإما أن نرد ذلك المعنى على الغضب أو الشهوة فتكون القوة التي بها تغضب عن بعضها بحس وتتخيل - فتكون القوة الواحدة تصدر عنها أفعال مختلفة الأجناس - أو يكون قد اجتمع الإحساس والغضب في قوة واحدة فلا يكون إذا تفرقا في قوتين لا مجمع لهما بل لما كانت هذه تشغل بعضها بعضاً ويرد تأثير بعضها على بعض فإما أن يكون كل واحد منها من شأنه أن يستحيل باستحالة الآخر أو يكون شيء واحد هو يجمع هذه القوى - وكلها تؤدي إليه فتقبل عن كلها ما يورده والقسم الأول محال لأن كل قوة فعلها خاص بالشيء الذي قيل إنه قوة له وليس يصلح كل قوة لكل فعل فقوة الغضب بما هي قوة الغضب لا تحس وقوة الحس بما هي قوة الحس لا تغضب فبقي القسم الثاني وهو أنها كلها تؤدي إلى مبدء واحد - فإن قال قائل إن قوة الغضب ليس تنفعل عن الصورة المحسوسة لكن الحس إذا أحس بالمحسوس لزمه إنفعال قوة الغضب بالغضب وإن لم يكن ينفعل بصورة المحسوس - فالجواب عن هذا أن لا محال وذلك أن قوة الغضب إذا انفعلت عن قوة الحس فإما أن ينفعل عنه لأن تأثيرا وصل إليه منه وذلك التأثير هو تأثير ذلك المحسوس فيكون انفعل عن ذلك المحسوس - وكلما انفعل عن المحسوس بما هو محسوس فهو حاس - وأما أن يكون ينفعل عنه لا من جهة ذلك المحسوس فلا يكون الغضب من ذلك المحسوس وقد فرض من ذلك المحسوس هذا خلف وأيضاً فإنا نقول إنا لما أحسسنا بكذا غضبنا ويكون هذا كلاماً حقاً فيكون شيء واحد هو الذي أحس فغضب - وهذا الشيء الواحد إما أن يكون جسم الانسان أو نفسه. فإن كان جسم الانسان فإما أن يكون جملة أعضائه وإما أن يكون بعض أعضائه ولا يصح أن يكون جملة أعضائه فإنه لا يدخل في هذه اليد والرجل ولا يجوز أيضاً أن يكون عضوان من أعضائه هذا أحس وهذا غضب فإنه لا يكون حينئذ شيء واحد أحس فغضب - ولا أيضاً عضو واحد هو عند أصحاب هذا القول موضوع للأمرين جميعاً فعسى أن الحق هو أن قولنا إننا أحسسنا فغضبنا معناه أن شيئاً منا أحس وشيئاً منا غضب لكن مراد القائل إنا أحسسنا فغضبنا ليس أن هذا منا في شيئين بل أن الشيء الذي أدى إليه الحس هذا المعنى عرض له إن غضب - فإما أن يكون
الصفحة : 158
هذا القول بهذا المعنى كاذباً. وإما أن يكون الحق هو أن الحاس والذي يغضب شيء واحد لكن هذا القول بين الصدق - فإذا الذي يؤدي إليه الحس محسوسة هو الذي يغضب وكونه بهذه المنزلة وإن كان جسماً فليس له بما هو جسم فهو إذاً له بما هو قوة بها يصلح لاجتماع هذين الأمرين فيه وهذه القوة ليست طبيعية فهي إذاً نفس فإذا ليس موضوع إجتماع هذين الأمرين جملة جسمنا ولا عضوين منا ولا عضواً واحداً بما هو طبيعي فبقي أن يكون المجتمع نفساً بذاتها أو جسماً من جهة ما هو ذو نفس بالحقيقة - فالمجتمع هو النفس ويكون ذلك النفس هو المبدأ لهذه القوى كلها ويجب أن يكون تعلقه بأي عضو يتولد فيه الحياة فمحال أن يحيا عضو بلا تعلق قوة نفسانية به وأن يكون أولى ما يتعلق بالبدن لا هذا المبدأ بل قوة تحدث بعده وإذا كان كذلك فيجب بتعلق هذا المبدأ هو القلب لا محالة وهذا الرأي مخالفة من الفيلسوف لرأي الآلهي " أفلاطون " وفيه موضع شك وهو إنا نجد القوى النباتية تكون في النبات ولا نفس حساسة ولا نفس ناطقة ويكونان معاً في الحيوان ولا نفس ناطقة فإذاً كل واحد منهما قوة أخرى غير متعلقة بالآخر والذي يجب أن يعرف حتى ينحل به هذا الشك أن الأجسام العنصرية يمنعها صرفية التضاد عن قبول الحياة - وكلما أمعنت في هدم صرفية التضاد وردته إلى التوسط الذي لا ضد له جعلت تقرب إلى شبه بالأجسام السماوية فتستحق بذلك القدر لقبول قوة محيية من المبدأ المفارق المدبر ثم إذا ازدادت قرباً من التوسط إزدادت قبولاً للحياة حتى تبلغ الغاية التي لا يمكن أن يكون أقرب منها إلى التوسط وأهدم للطرفين المتضادين فتقبل جوهراً مقارب الشبه من وجه ما للجوهر المفارق كما قبلته الجواهر السماوية واتصلت به فيكون حينئذ ما كان يحدث فيه قبل وجوده يحدث فيه منه ومن هذا الجوهر - ومثال هذا في الطبيعيات أن تتوهم مكان الجوهر المفارق ناراً بل شمساً - ومكان البدن جرماً يتأثر عن النار وليكن كوماً ما وليكن مكان النفس النباتية تسخينها إياه ومكان النفس الحيوانية إنارتها له ومكان النفس الانسانية إشتعالها فيه ناراً - فنقول إن ذلك الجسم المتأثر كالكوم إن كان ليس وضعه من ذلك المؤثر فيه وضعاً يقبل إضاءته وإنارته ويشتعل شيء منه عنه ولكنه يكون وضعاً يقبل تسخينه ولم يقبل غير ذلك فإن كان وضعه وضعاً يقبل تسخينه ومع ذلك فهو مكشوف له أو مستشف أو على نسبة إليه يستنير عنه إستنارة قوية فإنه يسخن عنه ويستضيء معاً فيكون الضوء الواقع فيه منه هو مبدأ أيضاً مع ذلك المفارق لتسخينه فإن الشمس تسخن بالشعاع ثم إن كان الاستعداد أشد وهناك ما من
الصفحة : 159
شأنه أن يشتعل عن المؤثر الذي من شأنه أن يحرق بقوته أو شعاعه إشتعل فحدثت الشعلة جرماً شبيهاً بالمفارق من وجه ثم تلك الشعلة أيضاً تكون مع المفارق علة للتنوير والتسخين معاً ولو بقيت وحدها لاستمر التنوير والتسخين ومع هذا فقد كان يمكن أن يوجد التسخين وحده أو التسخين والتنوير وحدهما وليس المتأخر عنهما مبدأ يفيض عنه المتقدم وكان إذا اجتمعت الجملة تصير حينئذ كل ما فرض متأخراً مبدأ أيضاً للمتقدم وفايضاً عنه المتقدم فهكذا فليتصور في القوى النفسانية وقد وضح لنا من ذلك أيضاً أن وجود النفس مع البدن - وليس حدوثها عن جسم بل عن جوهر هو صورة غير جسمية.
فصل في الاستدلال بأحوال النفس الناطقة على وجود العقل الفعال وشرحه بوجه ما
فنقول إن القوة النظرية في الانسان أيضاً تخرج من القوة إلى الفعل بإنارة جوهر هذا شأنه عليه وذلك لأن الشيء لا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بشيء يفيده الفعل لا بذاته وهذا الفعل الذي يفيده إياه هو صورة معقولاته - فإذاً ههنا شيء يفيد النفس ويطبع فيها من جوهر صور المعقولات فذات هذا الشيء لا محالة عنده صور المعقولات وهذا الشيء إذاً بذاته عقل ولو كان بالقوة عقلاً لامتد الأمر إلى غير نهاية وهذا محال أو وقف عند شيء هو بجوهره عقل وكان هو السبب لكل ما هو بالقوة عقل في أن يصير بالفعل عقلاً وكان يكفي وحده سبباً لإخراج العقول من القوة إلى الفعل وهذا الشيء يسمى بالقياس إلى العقول التي بالقوة وتخرج منها إلى الفعل عقلاً فعالاً كما يسمى العقل الهيولاني بالقياس إليه عقلاً منفعلاً أو يسمى الخيال بالقياس إليه عقلاً منفعلاً آخر - ويسمى العقل الكائن فيما بينهما عقلاً مستفاداً ونسبة هذا الشيء إلى أنفسنا التي هي بالقوة عقل وإلى المعقولات التي هي بالقوة معقولات نسبة الشمس إلى أبصارنا التي هي بالقوة رائية وإلى الألوان التي هي بالقوة مرئية فإنها إذا اتصل بالمرئيات بالقوة منها ذلك الأثر وهو الشعاع عادت مرئيات بالفعل وعاد البصر رائياً بالفعل فكذلك هذا العقل الفعال يفيض منه قوة تسيح إلى الأشياء المتخيلة التي هي بالقوة معقولة لتجعلها معقولة بالفعل وتجعل العقل بالقوة عقلاً بالفعل وكما أن الشمس بذاتها مبصرة وسبب لأن تجعل المبصر بالقوة مبصراً بالفعل فكذلك هذا الجوهر هو بذاته معقول وسبب لأن يجعل سائر المعقولات التي هي بالقوة معقولة بالفعل لكن الشيء الذي هو بذاته معقول هو بذاته عقل فإن الشيء الذي هو بذاته معقول هو الصورة
الصفحة : 160
المجردة عن المادة وخصوصاً إذا كانت مجردة بذاتها لا بغيرها - وهذا الشيء هو العقل بالفعل تم قسم الطبيعيات ويليه " فهرس الطبيعيات " ثم قسم الآلهيات. القسم الثالث في الإلهيات بسم الله الرحمن الرحيم المقالة الأولى من آلهيات كتاب النجاة نريد أن نحصر جوامع العلم الآلهي فنقول إن كل واحد من علوم الطبيعيات وعلوم الرياضيات فإنما يفحص عن حال بعض الموجودات وكذلك سائر العلوم الجزئية وليس لشيء منها النظر في أحوال الموجود المطلق ولواحقه ومباديه فظاهر أن ههنا علماً باحثاً من أمر الموجود المطلق التي له بذاته ومباديه ولأن الآله تعالى على ما اتفقت عليه الآراء كلها ليس مبدأ لموجود معلول دون وجود معلول آخر بل هو مبدأ للوجود المعلول على الاطلاق فلا محالة أن العلم الآلهي هو هذا العلم فهذا العلم يبحث عن الموجود المطلق وينتهي في التفصيل إلى حيث تبتدئ منه سائر العلوم فيكون في هذا العلم بيان مبادئ سائر العلوم الجزئية.
الصفحة : 161
فصل في مساوقة الواحد للموجود
ولما كان كل ما يصح عليه قولنا إنه موجود فيصح أن يقال له واحد حتى أن الكثرة مع بعدها عن طباع الواحد قد يقال لها كثرة واحدة فبين أن لهذا العلم النظر في الواحد ولواحقه بما هو واحد - ولهذا العلم النظر في الكثرة أيضاً ولواحقها.
فصل في بيان الأعراض الذاتية والغريبة ولواحق الشيء من جهة ما هو هو ما ليس يحتاج الشيء في لحوقها له إلى أن تلحق شيئاً آخر قبله أو إلى أن يصير شيئاً آخر فتلحقه بعده فإن الذكورة والأنوثة والمصير من موضع إلى موضع بالاختيار هو للحيوان بذاته - وأما التحيز والتمكن والحركة والسكون فذلك له لا بأنه حيوان بل ذلك له بما هو جسم - وأما الحس والتغذي والنطق فهي له بتوسط أنه حيوان ونام وإنسان ومن هذه اللواحق التي تلحق الشيء من جهة ما هو هو ما هو أخص منه ومنها ما ليس أخص منه والتي هي أخص منه فمنها فصول ومنها أعراض - وبالفصول ينقسم الشيء إلى أنواعه وبالأعراض ينقسم إلى اختلاف حالاته " أي إلى أحواله المختلفة ".
فصل في بيان أقسام الموجود
وأقسام الواحد وانقسام الموجود إلى المقولات يشبه الانقسام بالفصول وإن لم يكن كذلك وانقسامه إلى القوة - والفعل - والواحد - والكثير والقديم - والمحدث - والتام - والناقص - والعلة - والمعلول - وما يجري مجراها يشبه الانقسام بالعوارض فتكون المقولات كأنها أنواع وتلك الأخر كأنها فصول عرضية أو أصناف - وكذلك أيضاً للواحد أشياء تقوم مقام الأنواع وأشياء تقوم مقام الأصناف واللواحق وأنواع الواحد وجه التوسع - الواحد بالجنس - والواحد بالنوع - والواحد بالعرض والواحد بالمشاركة في النسبة والواحد بالعدد - ولواحقه المساواة والمشابهة - والمطابقة - والمجانسة - والمشاكلة - والهوهو - وأنواع الكثير مقابلات لتلك ولواحقه الغيرية والمقابلة واللامشابهة - واللامساواة - واللامجانسة - واللامشاكلة - فينبغي أن نحقق أحوال هذه وحدودها ومباديها وما الذي يعرض لها بالذات - فنقول إن الموجود لا يمكن أن يشرح بغير الاسم لأنه مبدأ أول لكل شرح فلا شرح له بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شيء - وهو ينقسم نحواً من القسمة إلى جوهر وعرض - وإذا أردنا تحقيق الجوهر احتجنا أن نقدم أمامه مقدمات - فنقول إذا اجتمع ذاتان ثم لم تكن ذات كل واحد منهما مجامعة للأخرى بأسرها كالحال في الوتد والحائط فإنهما
الصفحة : 162
وإن اجتمعا فداخل الوتد غير مجامع لشيء من الحائط بل إنما يجامعه ببسيطه فقط وإذا لم يكونا كالوتد والحائط بل كان كل واحد منهما يوجد شائعاً بجميع ذاته في الآخر ثم إن كان أحدهما ثابتاً بحاله مع مفارقة الآخر وكان أحدهما مفيداً لمعنى به يصير الجميع موصوفاً بصفة والآخر مستفيداً له فإن الثابت والمستفيد لذلك يسمى محلاً - والآخر يسمى حالاً فيه ثم إذا كان المحل مستغنياً عنه من قوامه عن الحال منه فإنما نسميه موضوعاً له وإن لم يكن مستغنياً عنه لم نسمه موضوعاً بل ربما سميناه هيولى وكل ذات لم يكن في موضوع فهو جوهر وكل ذات قوامها في موضوع فهو عرض. وقد يكون الشيء في المحل ويكون مع ذلك جوهراً أعني لا في موضوع إذا كان المحل القريب الذي هو فيه متقوماً به ليس متقوماً بذاته ثم يكون مع هذا مقوماً له ونسميه صورة. وأما إثباته فقد يأتينا من بعد وكل جوهر ليس في موضوع فلا يخلو إما أن لا يكون في محل أصلاً أو يكون في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل فإن كان في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل فإنا نسميه صورة مادية وإن لم يكن في محل أصلاً فإما أن يكون محلاً بنفسه لا تركيب فيه أو لا يكون فإن كان محلاً بنفسه لا تركيب فيه فإنا نسميه الهيولى المطلقة. وإن لم يكن فإما أن يكون مركباً مثل أجسامنا المركبة من مادة ومن صورة جسمية وإما أن لا يكون ونحن نسميه صورة مفارقة كالعقل والنفس وأما إذا كان الشيء في محل هو موضوع فإنا نسميه عرضاً ومادة الصورة الجسمية لا تخلو عن الصورة الجسمية ولو كانت خلواً عن الأقطار لكانت حينئذ غير ذات كم البتة وكانت غير متجزئة الذات بل متأبية عليه أي ولم يكن في قوتها أن تتجزئ ذاتها حتى تكون جوهراً مفارقاً فما كان يمكن أن يحلها مقدار لأن غير المتجزئ لا
الصفحة : 163
فصل في إثبات المادة وبيان ماهية الصورة الجسمية
ونزيد هذا المعنى شرحاً فنقول إن الجسم ليس هو جسماً بان فيه بالفعل أبعاداً ثلاثة فإنه ليس يجب أن يكون في كل جسم نقط أو خطوط بالفعل لأنه يمكن أن يكون الجسم جسماً وهو كرة لا قطع فيه بالفعل البتة والخطوط والنقط قطوع وليس يجب أن تكون أبعاد ثلاثة فيه متعينة من أطراف متعينة دون غيرها اللهم إلا أن تعرض مع شرط زائد على الجسم مثل تحرك أو مماسة - وأما السطح فليس هو داخلاً في حد الجسم من حيث هو جسم بل من حيث هو متناه. وليس التناهي داخلاً في ماهية الجسم بل هو من اللواحق التي تلزمه ويصح أن يعقل ماهية الجسم وحقيقته ويستثبت في النفس دون أن يعقل متناهياً بل إنما يعرف بالبرهان والنظر بل الجسم إنما هو جسم لأنه بحيث يصح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة كل واحد منها قائم على الآخر ولا يمكن أن تكون فوق ثلاثة فالذي يفرض أولاً هو الطول والقائم عليه هو العرض والقائم عليهما في الحد المشترك هو العمق وليس يمكن غيره فالجسم من حيث هو هكذا هو جسم وهذا المعنى منه هو صورة الجسمية وأما الأبعاد المتجددة التي تقع فيه فليست صورة له بل هي من باب الكم. وهي لواحق لا مقومات وله صورة جسمانية لا تزول عنه. وله مع ذلك أبعاد يتحدد بها نهاياته وشكله ولا يجب أن يثبت شيء منها له بل مع كل شكل يتجدد عليه يبطل كل بعد متحدد كان فيه وكل مقدار ممتد مفروض كان فيه فإذاً هذا غير الأول لكنه ربما اتفق في بعض الأجسام أن تكون هذه الأبعاد المتجددة لازمة لا تفارق ملازمة أشكالها وكما أن الشكل لاحق فكذلك ما يتجدد به الشكل وكما أن ملازمة الشكل لا يدل على أنه داخل في تحديد جسميته كذلك ملازمة هذه الأبعاد المتحددة والمعنى الأول هو الصورة الجسمية وهو موضوع لصناعة الطبيعيين أو داخل في موضوعها والمعنى الثاني هو الجسم الذي هو من مقولة الكم وهو موضوع لصناعة التعالميين أو داخل في موضوعها وهو عارض للجواهر الجسمانية وليس هو مما يقوم بذاته ولا المعنى الأول أيضاً. فإن ذاك يقوم في مادة وهذا في موضوع أي إن ذلك صورة وهذا عارض. فنقول إن الأبعاد والصورة الجسمية لا بد لها من موضوع أو هيولي تقوم فيه " أما الأبعاد " التي هي من مقولة الكم فأمرها ظاهر فإنها قد توجد وتعدم. والموضوع الموصوف بها ثابت فإنه لا يثبت شيء موجود منها مع تغير الشكل والموضوع واحد. وأما الصورة الجسمية فلأنها إما أن
الصفحة : 164
تكون نفس الاتصال أو تكون طبيعة يلزمها الاتصال حتى لا توجد هي إلا والاتصال لازم لها. فإن كانت نفس الاتصال فقد يكون الجسم متصلاً. ثم ينفصل فيكون هناك لا محالة شيء هو بالقوة كلاهما فليس ذات الاتصال بما هو اتصال قابل للانفصال لأن قابل الاتصال لا يعدم عند الانفصال والاتصال يعدم عند الانفصال فإذاً شيء غير الاتصال هو قابل للانفصال وهو بعينه قابل الاتصال فليس الاتصال هو بالقوة قابلاً للانفصال. ولا أيضاً طبيعة يلزمها الاتصال لذاتها. فظاهر أن ههنا جوهراً غير الصورة الجسمية هو الذي يعرض له الانفصال والاتصال معاً وهو مقارن للصورة الجسمية وهو الذي يقبل الاتحاد بصورة الجسمية فيصير جسماً واحداً بما يقومه أو يلزمه من الاتصال الجسماني.
فصل في أن الصورة الجسمية مقارنة للمادة في جميع الأجسام عموماً
فإذاً الصورة الجسمية بما هي الصورة الجسمية لا تختلف فلا يجوز أن يكون بعضها قائماً في المادة وبعضها غير قائم فيها فإنه من المحال أن تكون طبيعة لا اختلاف فيها من جهة ما هي تلك الطبيعة ويعرض لها اختلاف في نفس وجودها لأن كونها ذلك الواحد متفق وأيضاً فإن وجودها ذلك الواحد لا يخلو إما أن يكون قائماً في مادة أو غير قائم في مادة أو بعضه قائماً فيها وبعضه غير قائم ومحال أن يكون بعضه قائماً فيها وبعضه ليس لأن الاعتبار إنما تناول ذلك الوجود من حيث هو واحد غير مختلف فبقي أن يكون ذلك الواحد إما كله غير قائم فيها أو كله قائم فيها ولكن ليس كله غير قائم فيها فبقي أن يكون كله قائماً فيها.
الصفحة : 165
فصل في أن المادة لا تتجرد عن الصورة
ونقول أن تلك المادة أيضاً لا يجوز أن تفارق الصورة الجسمية وتقوم موجودة بالفعل لأنها إن فارقت الصورة الجسمية فلا يخلو إما أن يكون لها وضع وحيز في الوجود الذي لها حينئذ أو لا يكون فإن كان لها وضع وحيز وكان يمكن أن تنقسم فهي لا محالة ذات مقدار وقد فرضت لا مقدار لها هذا خلف وان لم يمكن أن تنقسم ولها وضع فيها لي لا محالة نقطة ويمكن أن ينتهي إليها خط ولا يمكن أن تكون منفردة الذات منحازتها لأن خطاً إذا انتهى إليها لاقاها بنقطة أخرى غيرها ثم إن لاقاها خط آخر لاقاها بنقطة أخرى غيرها ثم لا يخلو إما أن تباين النقطتان عن جنبتيها فتكون المتوسطة " التي تلاقيها إثنتان لا تتلاقيان " تنقسم بينهما وقد فرضت غير منقسمة وإما أن تكون النقطتان تتلاقيان وبتلاقيهما تكون ذاتها سارية في ذات كل واحد منهما وذاتها منحازة عن الخطين فذاتاهما منحازتان منقطعتان عن الخطين فللخطين نقطتان غير الأوليتين هما نهايتاهما وفرضناهما نهايتيهما هذا خلف. فيكون إذاً ذلك الجوهر غير منحاز منفرد بل طرفاً للخط فيكون نقطة لكن النقطة توجد قائمة في جسم وفي مادة لا مادة الجسم - وأما إذا كان هذا الجوهر لا وضع له ولا إشارة بل هو كالجواهر المعقولة لم يخل إما أن يحل فيه المقدار والمحصل دفعة أو يتحرك إليه على الاتصال. فإن حل فيه المقدار دفعة ففي آن انضياف المقدار إليه يكون قد صادفه المقدار حيث إنضاف إليه فيكون لا محالة صادفه وهو في الحيز الذي هو فيه فيكون ذلك الجوهر متحيزاً إلا أنه عساه أن لا يكون محسوساً وقد فرض غير متحيز البتة هذا خلف. ولا يجوز أن يكون التحيز قد حصل له دفعة مع قبول المقدار لأن المقدار لا يوافيه إلا وهو في حيز مخصوص - وأما إن كان قبوله للمقدار لأن المقدار لا دفعة بل على انبساط وكل ما من شأنه أن ينبسط فله جهات. وكل ما له جهات فهو ذو وضع وحيز فيكون ذلك الجوهر ذا وضع وقيل لا وضع له ولا حيز هذا خلف والذي أوجب هذا كله فرضنا أنه يفارق الصورة الجسمية فممتنع أن يوجد الفعل بالفعل تقبل الكم وتساويه فبين أن المادة لا تبقى مفارقة بل وجودها وجود قابل لا غير كما أن وجود العرض وجود مقبول لا غير. وأيضاً فإنها لا تخلو إما أن يكون وجودها وجود قابل فتكون دائماً قابلة للشيء وإما أن يكون لها وجود خاص متقوم - ثم تقبل فتكون بوجودها الخاص المتقوم غير ذات كم وقد قامت غير ذات كم فيكون المقدار الجسماني عرض لها وصير ذاتها بحيث لها بالقوة أجزاء: وقد تقومت جوهراً
الصفحة : 166
في نفسها غير ذي جزء باعتبار نفسها البتة لعدمها الامتداد في حد نفسها فيكون ما هو متقوم بأنه لا جزء له يعرض له أن يبطل عنه ما يتقوم به بالفعل لورود عارض عليه فتكون حينئذ للمادة منفردة صورة غير عارضة بها تكون واحدة بالقوة والفعل - وصورة أخرى عارضة بها تكون غير واحدة بالفعل فيكون بين الأمرين شيء مشترك هو قابل للأمرين من شأنه أن يصير مرة ليس في قوته أن ينقسم ومرة في قوته أن ينقسم أعني القوة القريبة التي لا واسطة لها فلنفرض الآن هذا الجوهر قد صار بالفعل اثنين وكل واحد منهما بالعدد غير الآخر وحكمه أن يفارق الصورة الجسمانية فليفارق كل واحد منهما الصورة الجسمانية فيبقى كل واحد منهما جوهراً واحداً بالقوة والفعل ولنفرضه بعينه لم يقسم إلا أنه أزيل عنه الصورة الجسمانية حتى بقي جوهراً واحداً بالقوة والفعل فلا يخلوا إما أن يكون هذا الذي بقي جوهراً وهو غير جسم بعينه مثل الجزء الذي بقي كذلك أو يخالفه. فإن خالفه فلا يخلو إما أن يكون لأن هذا بقي وذلك عدم أو بالعكس أو كلاهما بقيا - ولكن يختص بهذا كيفية أو صورة لا توجد لذلك أو يختلفان بالمقدار. فإن بقي أحدهما وعدم الآخر والطبيعة واحدة متشابهة وإنما أعدم أحدهما رفع الصورة الجسمانية فيجب أن يعدم ذلك بعينه الآخر وإن اختص بهذا كيفية واحدة والطبيعة واحدة ولم يحدث حالة إلا مفارقة الصورة الجسمانية لم يحدث مع هذه الحالة إلا ما يلزم هذه الحالة فيجب أن يكون حال الآخر كذلك. فإن قيل إن الأولين وهما إثنان يتحدان فيصيران واحداً: فنقول من المحال أن يتحد جوهران لأنهما إن اتحدا وكل واحد منهما موجود فهما إثنان لا واحد وإن اتحدوا أحدهما معدوم والآخر موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود وإن عدما جميعاً بالاتحاد وحدث شيء ثالث فهما غير متحدين بل فاسدين وبينهما وبين الثالث مادة مشتركة. وكلامنا في نفس المادة لا في شيء ذى مادة - وأما إن اختلفا في القدر فيجب أن يكونا وليس لهما صورة جسمانية ولهما صورة مقدارية هذا خلف - وأما إن لم يختلفا بوجه من الوجوه فيكون حينئذ حكم الشيء مع غيره وحكمه وحده من كل جهة واحداً هذا خلف. فبقي أن المادة لا تتعرى عن الصورة الجسمية.
الصفحة : 167