 |
بتاريخ : 09-02-2012 الساعة : 09:28 AM
رقم
#1
كاتب الموضوع :
علي العذاري
|
شاملى مميز
|
فصل في إثبات التخلخل والتكاثف
ولأن هذا الجوهر إنما صار كما بمقدار حله فليس بكم بذاته فليس يجب أن يختص ذاته بقبول قطر بعينه دون قطر وقدر دون قدر ونسبة ما هو غير متجزى في ذاته بل إنما يتجزى بغيره إلى أي مقدار يجوز وجوده له نسبة واحدة " وإلا فله مقدار في ذاته يطابق ما يساويه دون ما يفضل عليه " وهو في الكل والجزء واحد لأنه محال أن يكون جزء منه يطابق جزأ من المقدار وليس له في ذاته جزء فبين من هذا أنه يمكن أن تصغر المادة بالتكاثف وتكبر بالتخلخل وهذا محسوس بل يجب أن يكون تعين المقدار عليها بسبب يقتضي في الوجود ذلك المقدار وإن لم يتعين لها مقدار لذاتها وذلك السبب لا يخلو إما أن يكون فيها فيكون الكم تابعاً لصورة أخرى في المادة أو يكون لسبب من خارج فإن كان لسبب من خارج فلا يخلو إما أن يوجب السبب ذلك التعين من غير أن يؤثر فيها أثراً آخر يتتبع الكم ذلك الأثر أو يكون ويفعل فيها أثراً آخر - ثم يتبعه الكم فإن كان تابعاً له أفاده بمقدار ما لذلك السبب لا لأن الجسم يختص به لنسبته إلى استعداد معين واحد فتتساوى الأجسام في الأحجام وهذا محال. فإذاً إنما يختلف بحسب إختلاف الاستعدادات وهي تابعة لمعان غير نفس المواد فالكم يتبع لا محالة أثراً ما يوجد في المادة فيرجع الحكم إلى القسم الأول وهذا أيضاً مبدأ للطبيعيات - وأيضاً فإنه يختص لا محالة بحيز من الأحياز. وليس له حيزه الخاص به بما هو جسم - وإلا لكان كل جسم كذلك فهو إذاً لا محالة مختص به لصورة ما في ذاته - وهذا بين فإنه إما أن يكون غير قابل للتشكيلات والتفصيلات كالفلك فيكون لصورة ما صار كذلك لأنه بما هو جسم قابل لها وإما أن يكون قابلهما بسهولة أو بعسر وأياماً كان فهو على إحدى الصور المذكورة في الطبيعيات. فإذاً المادة الجسمية لا توجد مفارقة للصور. فالمادة إذاً إنما تقوم بالفعل بالصورة فإذاً إذا أخذت في التوهم مفارقة لها عدمت والصورة إما صورة لا تفارق المادة وإما صورة تفارقها المادة ولا تخلو المادة عن مثلها: والصورة التي تفارقها المادة إلى عاقب فإن معقبها به يستبقيها بتعقيب تلك الصور فتكون الصورة من جهة واسطة بين المادة والمستبقي والواسطة في التقويم أولى بتقويم ذاته ثم يقوم به غيره - وهي العلة القريبة من المستبقي في البقاء فإن كانت تقوم بالعلة المبقية للمادة بوساطتها فالقوام لها من الأوائل أولاً. وإن كانت قائمة لا بتلك العلة بل بنفسها ثم تقوم المادة بها فذلك أظهر فيها - وأما الصورة التي لا تفارق فلا فضل للمادة عليها في الثبات. ثم المادة إذاً إنما خصصت بها لعلة أفادتها إياها ولو
الصفحة : 168
كان لها تلك الصورة لذاتها لكان لكل مادة جسمانية ذلك فإذاً تلك العلة إنما تقيمها بها - ولولا هذه الصورة لكانت إما أن تمسك موجودة بصور أخرى أو تعدم فإذا مفيدها هذه الصورة يقيمها بها كما في الأولى كانت فإذاً الصورة أقدم من الهيولى فلا يجوز أن يقال إن الصورة بنفسها موجودة بالقوة وإنما تصير بالفعل بالمادة لأن جوهر الصورة وهو الفعل وبالفعل وما بالقوة محله المادة فتكون المادة هي التي يصلح فيها أن يقال لها أنها في نفسها بالقوة تكون موجودة وأنها بالفعل بالصورة والصورة وإن كانت لا تفارق الهيولى لكن لا تتقوم بها بل بالعلة المفيدة إياها للهيولى. وكيف تتقوم الصورة بالهيولى. وقد بينا أنها علتها والعلة لا تتقوم بالمعلول ولا شيئان اثنان يتقوم أحدهما بالآخر فإن كل واحد منهما يفيد الآخر وجوده وقد بان استحالة هذا - ويبين ذلك الفرق بين الذي يتقوم به الشيء وبين الذي لا يفارقه - والصورة لا توجد إلا في هيولى لا أن علة وجودها الهيولى أو كونها في الهيولى كما أن العلة لا توجد إلا مع المعلول لا أن علة وجود العلة هي المعلول أو كونها مع المعلول - بل كما أن العلة إذا كانت علة بالفعل وجد عنها المعلول لأن المعلول يكون معها كذلك الصورة إذا كانت صورة موجودة يلزم عنها أن تقوم شيئاً ذلك الشيء مقارن لذاتها وكأن ما يقوم شيئاً بالفعل ويفيده الوجود منه ما يفيده وهو مباين ومنه ما يفيده وهو ملاق وإن لم يكن جزءاً منه مثل الجوهر للعرض " والمزاجات التي تلزمها " فبين بهذا أن كل صورة توجد في مادة مجسمة فبعلة ما توجد. أما الحادثة فذلك ظاهر فيها - وأما الملازمة للمادة فلأن الهيولى الجسمانية إنما خصصت بها لعلة - وسنبين هذا بأظهر في مواضع أخرى - وجملة هذه مباد للطبيعيات.
الصفحة : 169
فصل في ترتيب الموجودات
فأولى الأشياء بالوجود هي الجواهر ثم الأعراض والجواهر التي ليست بأجسام أولى الجواهر بالوجود إلا الهيولى لأن هذه الجواهر ثلاثة - هيولى. وصورة. ومفارق لا جسم ولا جزء جسم ولابد من وجوده لأن الجسم وأجزاءه معلولة وينتهي إلى جوهر هو علة غير مقارنة بل مفارقة ألبتة. فأول الموجودات في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم ثم الصورة. ثم الجسم - ثم الهيولى - وهي وإن كانت سبباً للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود بل هي محل لنيل الوجود - وللجسم وجودها وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها - ثم العرض وفي كل طبقة من هذه الطبقات جملة موجودات تتفاوت في الوجود - وأما أنواع المقولات فقد شرحنا حالها في المنطقيات بنوع لا يحتمل هذا الموضع زيادة عليه والكم منها ينقسم إلى المتصل وقد أثبتناه في الطبيعيات حيث بينا أن الجسم متصل وليس مركباً من أجزاء متماسة. وإذا صح وجود الجسم وصح تناهيه صح وجود السطح وقطع السطح خط. وقطع الخط نقطة - وإلى المنفصل وهو ظاهر الوجود خفي الحد. ومن حيز الكم المتصل تبتدئ الهندسة ويتشعب دونها التنجيم والمساحة والأثقال والحيل. ومن حيز المنفصل يبتدئ الحساب ثم يتشعب دونه الموسيقى وعلم الزيجات ولا نظر لهذه العلوم الرياضية في ذوات شيء من الجواهر ولا في هذه الكميات من حيث هي في الجواهر. وأما العلم الطبيعي فيبتدئ من حيز الجسم والصورة الغير المفارقة من الموجودات. ويبحث عن أحوالها وهي من باب الكيف - والكم - والأين - والوضع - والفعل - والانفعال وعلم الأخلاق يبتدئ من نوع من أنواع الحال والملكة التي هي من مقولة الكيف وما كان من الأعراض قاراً فهو قبل ما كان منها غير قار وما كان من غير القار وجوده بتوسط قار فهو قبل الذي يوجد منه بتوسط الغير القار والذي يوجد منه بتوسط الغير القار فهو الزمان ومتى فلذلك هو في أقصى مراتب الوجود وأخس أنحائه وليس هو سبباً لشيء البتة. ولا شك أن الاضافات والأوضاع - والفعل - والانفعال - والجدة - والنسبة إلى الزمان والكون في المكان هي أعراض إذ من شأنها أن تكون في موضوع. ويفارقها الموضوع مع امتناع وجودها دونه وإنما يقع الشك في مقولتي الكم والكيف: وقد بينا أن المقادير التي من مقولة الكم أعراض: والزمان قد بين أنه هيئة عارضة والمكان هو سطح لا محالة - وأما العدد فإنه تابع في الحكم للواحد فإن كان الواحد في نفسه جوهراً فالعدد المؤلف منه لا محالة مجموع جواهر فهو جوهر وإن كان الواحد
الصفحة : 170
عرضاً فالتثنية وما أشبهها أعراض. والعدد يقال للصورة القارة التي في النفس وحكمها حكم سائر المعقولات ولسنا نقصد قصدها في كونها عرضاً أو غير عرض ويقال للعدد الذي في الأشياء المجتمعة التي كل واحد منها واحد ولجملتها في الوجود لا محالة عدد.
فصل في أن الوحدة من لوازم الماهيات لا من مقوماتها لكن طبيعة الواحد من الأعراض اللازمة للأشياء وليس الواحد مقوماً لماهية شيء من الأشياء بل تكون الماهية شيئاً إما إنساناً وإما فرساً أو عقلاً أو نفساً: ثم يكون ذلك موصوفاً بأنه واحد وموجود ولذلك ليس فهمك ماهية شيء من الأشياء وفهمك الواحد يوجب أن يصح لك أنه واحد فالواحدية ليست ذات شيء منها ولا مقومة لذاته بل صفة لازمة لذاته - كما فهمت الفرق بين اللازم والذاتي في المنطق فتكون الواحدية من اللوازم وليست جوهراً لشيء من الجواهر ولذلك المادة يعرض لها الوحدة والتكثر فتكون الوحدة عارضة لها وكذلك الكثرة ولو كانت طبيعة الوحدة طبيعة الجوهر لكان لا يوصف بها إلا الجوهر وليس يجب إن كانت طبيعتها طبيعة العرض أن لا توصف بها الجواهر لأن الجواهر توصف بالأعراض - وأما الأعراض فلا تحمل عليها الجواهر حتى يشتق لها منها الاسم فقد بان بهذه الوجوه الثلاثة التي أحدها كون الوحدة غير ذاتية للجواهر بل لازمة لها - والثاني كون الوحدة معاقبة للكثرة في المادة - والثالث كون الوحدة مقولة على الأعراض أن طبيعة الوحدة طبيعة عرضية - وكذلك طبيعة العدد الذي يتبع الوحدة ويتركب منها.
فصل في أن الكيفيات المحسوسة أعراض لا جواهر
ويشكل أيضاً الحال من مقولة الكيف فيما كان من باب المحسوسات فيظن البياض والسواد والحرارة والبرودة وما أشبهها جواهر وأنها تخالط الأجسام بكمون وغير كمون أو تتركب منها الأجسام " فلنتكلم في فسخ هذا الرأي فنقول " إن هذه الكيفيات إن كانت جواهر إما أن تكون جواهر جسمانية أو غير جسمانية فإن كانت غير جسمانية فإما أن تكون بحيث يجتمع من تركيبها الأجسام أو لا يجتمع فإن كانت لا تجتمع وهي سارية في الأجسام فإما أن تكون بحيث يصح أن تفارق الجسم الذي هي فيه أولا يصح فإن كان يصح أن تفارق الجسم. فأما أن تنتقل من جسم إلى جسم آخر وتسري فيه ويكون هكذا دائماً أو يصح أن لا تبقى في جسم أصلاً –
الصفحة : 171
فأما إن كانت جواهر جسمانية فيكون طول وعرض وعمق ليس معنى أنه لون فقد يزول اللون - ويبقى ذلك الطول والعرض والعمق بعينه فإما أن يكون قد كان للون طول وعرض وعمق غير هذا أو يكون لم يكن إلا هذا فإن كان للون مقدار غير هذا فقد دخل بعد في بعد. وقد بينا فساد هذا. وإن كان اللون ليس له مقدار غير هذا فليس لذات اللون مقدار بل يتقدر بما يحله وهذا مما لا يخالفه - وأما إن فرضت غير جسمانية ويجتمع من تركيبها جسم فيكون مالاً قدر له يجتمع منه ماله قدر وقد بان بطلان هذا وإن كانت غير جسمانية وتسري في الأجسام ولا يصح لها قوام دونها فهي أعراض لا جواهر وإن كان يصح لها أن تخالط الجواهر الجسمانية وتسري فيها ثم تنتقل من بعضها إلى بعض ولا تقوم إلا في واحد منها فيجب إذا فسد البياض في جسم أن يوجد في الأجسام المماسة له وكذلك سائر الكيفيات وليس الأمر كذلك بل يفسد ولا يبقى منه أثر البتة فليس إذاً قوامه إنه في الانتقال. وإن كان إذاً فارق الجسم قام بنفسه. فإما أن يقوم وهو تلك الكيفية بعينها فيكون حينئذ بياض في الوجود وليس بمحسوس وكلامنا في البياض بما هو محسوس فإن اسم البياض يقع على اللون الذي من شأنه أن يفعل في البصر تفرقاً فما ليس كذلك ليس ببياض. وإما أن يقوم بنفسه وليس هو تلك الكيفية. فيكون ههنا مشترك من شأنه أن يقارن الأجسام فيصير بياضاً ويفارقها فيصير لا بياضاً - فيكون أولاً البياض بما هو بياض قد فسد لكنه يكون له موضوع تارة يصير بصفة اللون الذي هو البياض وتارة يصير بصفة أخرى فتكون البياضية عارضة لذلك الموضوع. ويكون الموضوع للبياضية هو المفارق لكنا قد بينا أن المفارق المعقول ليس من شأنه أن يقارن الكم ولا أن يحصل في الوضع والتحيز فقد بان واتضح أن هذه الكيفيات ليست جواهر فهي إذاً أعراض.
الصفحة : 172
فصل في أقسام العلل وأحوالها والمبدأ
يقال لكل ما يكون قد استتم له وجود في نفسه إما عن ذاته وإما عن غيره ثم يحصل عنه وجود شيء آخر ويتقوم به ثم لا يخلو إما أن يكون كالجزء لما هو معلول له أو لا يكون كالجزء - فإن كان كالجزء فإما أن يكون جزأ ليس يجب عن حصوله بالفعل أن يكون ما هو معلول له موجوداً بالفعل - وهذا هو العنصر فإنك تتوهم العنصر موجوداً ولا يلزم من وجوده بالفعل وحده أن يحصل الشيء بالفعل بل ربما كان بالقوة - وإما أن يجب عن وجوده بالفعل وجود المعلول له بالفعل وهذا هو الصورة - مثال الأول الخشب للسرير - مثال الثاني الشكل والتأليف للسرير. وإن لم يكن كالجزء فإما أن يكون مبايناً أو ملاقياً لذات المعلول. فإن كان ملاقياً فإما أن ينعت المعلول به وهذا هو كالصورة للهيولى - وإما أن ينعت بالمعلول - وهذا هو كالموضوع للعرض وإن كان مبايناً فإما أن يكون الذي منه الوجود وليس الوجود لأجله وهو الفاعل - وإما أن لا يكون منه الوجود بل لأجله الوجود وهو الغاية. فتكون العلل هيولى للمركب وصورة للمركب وموضوعاً للعرض وصورة للهيولى وفاعلاً وغاية ويشترك الهيولى للمركب والموضوع للعرض بأنهما الشيء الذي فيه قوة وجود الشيء وتشترك الصورة للمركب والصورة للهيولى بأنه ما به يكون المعلول موجوداً بالفعل وهو غير مباين والغاية تتأخر في حصول الوجود عن المعلول وتتقدم سائر العلل في الشيئية. ومن البين أن الشيئية غير الوجود في الأعيان فإن المعنى له وجود في الأعيان ووجود في النفس وأمر مشترك فذلك المشترك هو الشيئية. والغاية بما هي شيء فإنها تتقدم سائر العلل وهي علة العلل في أنها علل وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر وإذا لم تكن العلة الفاعلة هي بعينها العلة الغائبة كان الفاعل متأخراً في الشيئية عن الغاية وذلك لأن سائر العلل إنما تصير عللاً بالفعل لأجل الغاية وليست هي لأجل شيء آخر وهي توجد أولاً نوعاً من الوجود فتصير العلل عللاً بالفعل ويشبه أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية فإن الطبيب يفعل لأجل البرء وصورة البرء هي الصناعة الطبية التي في النفس وهي المحركة لإرادته إلى العمل وإذا كان الفاعل أعلى من الارادة كان نفس ما هو فاعل هو محرك من غير توسط من الارادة التي تحدث عن تحريك الغاية - وأما سائر العلل فإن الفاعل والقابل قد يتقدمان المعلول بالزمان وأما الصورة فلا تتقدم بالزمان البتة. والقابل دائماً أخس من المركب والفاعل أشرف لأن القابل مستفيد لا مفيد والفاعل مفيد لا
الصفحة : 173
مستفيد. والعلة تكون علة الشيء بالذات مثل الطبيب للعلاج وقد تكون علة بالعرض إما لأنه لمعنى غير الذي وضع صار علة كما يقال إن الكاتب يعالج وذلك لأنه يعالج لا من حيث هو كاتب بل لمعنى آخر غيره. وهو أنه طبيب وإما لأنه بالذات يفعل فعلاً لكنه قد يتبع فعله فعل آخر مثل السقمونيا فإنها تبرد بالعرض لأنها بالذات تستفرغ الصفراء ويلزمه نقصان الحرارة المؤذية. ومثل مزيل الدعامة عن الحائط فإنه علة لسقوط الحائط بالعرض. لأنه لما أزال المانع لزم فعله الفعل الطبيعي وهو انحدار الثقيل بالطبع والعلة قد تكون بالقوة كالنجار قبل أن ينجر. وقد تكون بالفعل كالنجار حين ما ينجر. وقد تكون العلة قريبة مثل العفونة للحمى. وقد تكون بعيدة مثل الأحتقان مع الامتلاء لها وقد تكون جزئية مثل قولنا إن هذا البناء علة لهذا البناء وقد تكون كلية كقولنا البناء علة البناء وقد تكون العلة خاصة كقولنا إن البناء علة للبيت وقد تكون عامة كقولنا إن الصانع علة البيت - واعلم أن العلل القريبة التي لا واسطة بينها وبين الأجسام الطبيعية هي الهيولى والصورة - وأما الفاعل فإنه إما علة للصورة وحدها أو للصورة والمادة ثم يصير بتوسط ما هو علة له منهما علة للمركب. وأما الغاية فإنها علة لكون الفاعل علة الكون الذي هو علة لوجود الصورة التي هي علة لوجود المركب.
الصفحة : 174
فصل في إن علة الحاجة إلى الواجب هي الامكان لا الحدوث على ما يتوهمه ضعفاء المتكلمين
واعلم أن الفاعل الذي يفيد الشيء وجوداً بعد عدمه يكون مفعوله أمران عدم قد سبق ووجود في الحال. وليس للفاعل في عدمه السابق تأثير بل تأثيره في الوجود الذي للمفعول منه فالمفعول إنما هو مفعول لأجل أن وجوده من غيره لكن عرض إن كان له عدم من ذاته وليس ذلك من تأثير الفاعل. فإذا توهما أن التأثير الذي كان من الفاعل وهو أن وجود الآخر منه لم يعرض بعد عدمه بل ربما كان دائماً كان الفاعل أفعل لأنه أدوم فعلاً " فان لج لاج ". وقال إن الفعل لا يصح إلا بعد عدم المفعول فقد سمع أن العدم للمفعول ليس من الفاعل بل الوجود. والوجود الذي منه في آن ما فلنفرض ذلك متصلاً. فإن أزاغه عن هذا الحق قوله إن الموجود لا يوجده موجد فلتعلم أن المغالطة وقعت في لفظة يوجده فإن عنى أن الموجود لا يستأنف له وجود بعد ما لم يكن فهذا صحيح " وإن عنى أن الموجود لا يكون البتة بحيث ذاته وماهيته لا يقتضي الوجود له بما هو هو بل شيء آخر هو الذي له منه الوجود " فإنا نبين ما فيه من الخطأ - ونقول إن المفعول الذي نقول إن موجداً يوجده لا يخلو إما أن يوصف بأنه موجد له ومفيد لوجوده في حال العدم أو في حال الوجود أم في الحالتين جميعاً ومعلوم أنه ليس موجداً له في حال العدم فبطل أن يكون موجداً له في الحالتين جميعاً فبقي أن يكون موجداً له إذ هو موجود. فيكون الموجد إنما هو موجد للموجود والموجود هو الذي وصف بأنه موجد نعم عسى لا يوصف بأنه يوجد لأن لفظة يوجد توهم وجوداً مستقبلاً ليس في الحال فإن أزيل هذا الايهام صح أن يقال إن الموجد يوجد أي يوصف بأنه موجد وكما أنه في حال ما هو موجود يوصف بأنه يوجد ولفظة يوصف لا يعني بها أنه في الاستقبال يوصف كذلك الحال في لفظة يوجد. ويقال قوة لمبدأ التغير في آخر من حيث أنه آخر - ومبدأ التغير - إما في المنفعل وهو القوة الانفعالية - وإما في الفاعل وهو القوة الفعلية. ويقال قوة لما به يحوز من الشيء فعل أو انفعال ولما به يصير الشيء مقوماً لآخر ولما به يصير الشيء غير متغير وثابتاً فإن المتغير مجلوب للضعف. وقوة المنفعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة الماء على قبول الشكل فإن فيه قوة قبول الشكل وليس فيه قوة حفظه. وفي الشمع قوة عليهما جميعاً. وفي الهيولى الأولى قوة الجميع ولكن بتوسط شيء دون شيء وقد يكون في الشيء قوة إنفعالية بحسب الضدين كما أن في الشمع
الصفحة : 175
قوة أن يتسخن وأن يتبرد. وقوة الفاعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة النار على الاحراق فقط وقد تكون على أشياء كثيرة كقوة المختارين. وقد يكون في الشيء قوة على كل شيء ولكن بتوسط شيء دون شيء. وقد تكون القوة الفعلية على الضدين جميعاً كقوة المختارين منا والقوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة حصل منها الفعل ضرورة وليس كذلك في غيرها مما يستوي فيها الأضداد وقد تغلط لفظة القوة فيتوهم أن القوة على الفعل هي القوة المقابلة لما بالفعل. والفرق بينهما أن هذه القوة الأولى تبقى موجودة عندما تفعل. والثانية إنما تكون موجودة مع عدم الذي هو بالفعل - وأيضاً فإن القوة الأولى لا يوصف بها إلا المبدأ المحرك والقوة الثانية يوصف بها في أكثر الأمر المنفعل - وأيضاً فإن الفعل الذي بإزاء القوة الأولى هو نسبة إستحالة أو كون أو حركة ما إلى مبدأ لا ينفعل بها. والفعل الذي بإزاء القوة الثانية يوصف بأكمل نحو من الوجوه الحاصل وإن كان إنفعالاً أو حالاً لا فعلاً ولا إنفعالاً. وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر فإنه يفعل بقوة ما فيه - أما الذي بالارادة والاختيار فذلك ظاهر فيه - وأما الذي ليس بالارادة والاختيار فلأن ذلك الفعل إما أن يصدر عن ذاته أو يصدر عن شيء مباين له جسماني أو عن شيء مباين له غير جسماني فإن صدر عن ذاته وذاته تشارك الأجسام الأخرى في الجسمية وتخالفها في صدور ذلك الفعل عنها. فإذاً في ذاته معنى زائد على الجسمية هو مبدأ صدور هذا الفعل عنها وهذا هو الذي يسمى قوة. وإن كان ذلك عن جسم آخر فيكون هذا الفعل عن هذا الجسم بقسر أو عرض. وقد فرض لا بقسر ولا عرض. وإن كان عن شيء مفارق فلا يخلو - إما أن يكون إختصاص هذا الجسم بقبول هذا التأثير عن ذلك المفارق هو لما هو جسم أو لقوة فيه أو لقوة في ذلك المفارق. فإن كان لما هو جسم فكل جسم يشاركه فيه لكن ليس يشاركه فيه وإن كان لقوة فيه فتلك القوة مبدأ صدور ذلك الفعل عنه وإن كانت لفيض من المفارق - وإن كان لقوة في ذلك المفارق - فإما أن يكون نفس تلك القوة توجب ذلك أو اختصاص إرادة. فإن كان نفس القوة توجب ذلك فلا يخلو إما أن يكون إيجاب ذلك من هذا الجسم بعينه لأجل الأمور المذكورة وقد رجع الكلام من الرأس. وإما أن يكون على سبيل الارادة فلا يخلو إما أن تكون الارادة ميزت هذا الجسم بخاصية يختص بها من سائر الأجسام أو جزافاً فإن كان جزافاً كيف اتفق لم يتم على النظام الأبدي والأكثري فإن الأمور الاتفاقية هي التي ليست دائمة ولا أكثرية لكن الأمور الطبيعية دائمة
الصفحة : 176
أو أكثرية وليست باتفاقية. فبقي أن تكون الخاصية يختص بها من سائر الأجسام. وتكون تلك الخاصية في ذاتيتها صدور ذلك الفعل - ثم لا يخلو إما أن يراد ذلك لأن تلك الخاصية توجب ذلك الفعل أو يكون منها في الأكثر أو لا توجب ولا يكون منها في الأكثر فإن كانت توجب فهي مبدأ ذلك وإن لم توجب وكان في الأكثر والذي في الأكثر هو بعينه الذي يوجب لكن له عائق لأن اختصاصه بأن يكون الأمر منه في الأكثر بميل من طبيعته إلى جهته فإن لم يكن فيكون لعائق فيكون أيضاً الأكثري في نفسه موجباً إن لم يكن عائق والموجب هو الذي يسلم له الأمر بلا عائق وإن كان لا يوجبه ولا يكون منه في الأكثر فكونه عنه وعن غيره واحد فاختصاصه به جزاف. وقيل ليس بجزاف - وكذلك إن قيل إن كونه فيه أولى فمعناه صدوره منه أوفق فهو إذاً موجب له أو ميسر لوجوبه والميسر علة إما بالذات وإما بالعرض وإن لم يكون علة أخرى بالذات غيره فليس هو بالعرض لأن الذي بالعرض هو على أحد النحوين المذكورين. فبقي أن تلك الخاصية بنفسها موجبة والخاصية الموجبة تسمى قوة. والرد على المتكلمين وهذه القوة عنها تصدر الأفاعيل الجسمانية كلها من التحيزات إلى أماكنها الطبيعية والتشكلات الطبيعية فقد قيل أنها لا تجوز أن تكون ذات زاوية فلا تكون الا كرة لأن سائر ما لا زاوية له من الأشكال البيضية والمفرطحة يكون فيها اختلاف امتداد عن المركز وتفاوت في الطول والعرض والطبيعة البسيطة لا توجب اختلافاً فإذا صح وجود الكرة صح وجود الدائرة التي هي نهاية قطع يحدث أو يتوهم فيها. فالدائرة وهي مبدأ للمهندسين موجودة والخط المستقيم وهو البعد الواصل بين كل نقطتين ظاهر الوجود: وأصحاب الجزء أيضاً يلزمهم وجود الدائرة فإنه إذا فرض الشكل المرئي مستديراً مضرساً فكان موضع منه أخفض من موضع حتى إذا أطبق طرفا خط مستقيم على نقطة تفرض وسطاً وعلى نقطة في المحيط استوت عليه في موضع كان أطول: ثم إذا أطبق على الجزء المركزي وعلى الجزء الذي ينخفض من المحيط كان أقصر فأمكن أن يتمم قصره بجزء أو أجزاء فإن كان زيادة الجزء عليه لا تسويه بل تزيد عليه فهو ينقص عنه بأقل من جزء وإن كان لا يصله به بل يبقى فرجة فليدير في الفرجة هذا التدبير بعينه فإن ذهب الانفراج إلى غير النهاية ففي الفرج إنقسام بلا نهاية - وهذا خلف على مذهبهم وأما على رأي مثبتي الاتصال فوجود الدائرة والخط المنحني يثبت بما أقول - إذا فرض جسم ثقيل ورأسه أعظم قدراً من أصله
الصفحة : 177
وركز على بسيط مسطح وهو قائم عليه قياماً مستوياً فمعلوم أنه يمكن أن يثبت إذا لم يكن ميله إلى جهة أكثر من ميله إلى جهة أخرى. فإن أزيل عن الاستقامة إزالة ما واصلة ولنفرض نقطة مماسة لذلك المركز فمن المعلوم أنه يتحرك إلى أسفل ويلقي السطح المسطح فحينئذ لا يخلو إما أن تثبت النقطة في موضعها فيكون كل نقطة تفرضها في رأس ذلك الجسم قد فعلت دائرة - وإما أن يكون مع حركة هذا الطرف وإلى أسفل يتحرك الطرف الآخر إلى فوق فيكون قد فعل كل واحد من الطرفين دائرة مركزهما النقطة المتحددة بين الجزء الصاعد والجزء الهابط. وإما أن تتحرك النقطة المتحيزة على السطح فيفعل الطرف الآخر قطعاً وخطاً منحنياً ولكن الميل إلى المركز هو على المحازاة فمحال أن تتحرك النقطة على السطح لأن تلك الحركة إما أن تكون بالقسر أو بالطبع وليست بالطبع ولا بالقسر لأن ذلك القسر لا يتصور إلا عن الأجزاء التي هي أثقل وتلك ليست تدفعها إلى تلك الجهة بل إن دفعتها على حفظ الاتصال دفعتها إلى خلاف حركتها فقلبتها ليمكن أن تترك العالية منها إذ هي أثقل فيطلب حركة أسرع. والمتوسط أبطأ وهناك اتصال يمنع مثلاً أن ينعطف فيضطر العالي إلى أن يشيل السافل حتى ينحدر. فيكون حينئذ الجسم منقسماً إلى جزئين جزء يميل إلى فوق قسراً وجزء يميل إلى أسفل طبعاً وبينهما حد هو مركز للحركتين. وقد خرج منه خط مستقيم ما فيفعل الدائرة فبين أنه إن لزم عن انحدار الجسم زوال فهو إلى فوق - وإن لم يلزم عنه فوجود الدائرة أصح فإذا ثبتت الدائرة ثبت المنحني لأنه إذا ثبتت الدائرة ثبتت المثلثات والقائم الزاوية أيضاً وثبت جواز دوران أحد ضلعي القائمة على الزاوية فارتسم مخروط فصح قطع فصح منحني. وقد يمكنك أن تثبت الدائرة أيضاً من بيان صحة وضع أي خط فرضت على أي خط فرضت وأنه إذا كان خطان على زاوية ما وعلى أحدهما خط فإنه جائز يصير من حال إلى حال ما حتى ينطبق على الخط الآخر ويعود من ذلك الخط إلى الأول ولا يمكن هذا البتة إلا أن يكون حركة مستديرة وأنت تعرف هذا بالاعتبار.
الصفحة : 178
فصل في القديم والحادث
يقال قديم للشيء إما بحسب الذات وإما بحسب الزمان فالقديم بحسب الذات هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة: والقديم بحسب الزمان هو الذي لا أول لزمانه. والمحدث أيضاً على وجهين. أحدهما هو الذي لذاته مبدأ هي به موجودة. والآخر هو الذي لزمانه ابتداء وقد كان وقت لم يكن وكانت قبلية هو فيها معدوم وقد بطلت تلك القبلية - ومعنى ذلك كله أنه يوجد زمان هو فيه معدوم وذلك لأن كل ما لزمان وجوده بداية زمانية دون البداية الابداعية فقد سبقه زمان وسبقته مادة قبل وجوده لأنه قد كان لا محالة معدوماً - فإما أن يكون عدمه قبل وجوده أو مع وجوده. والقسم الثاني محال. فيقي أن يكون معدوماً قبل وجوده فلا يخلو إما أن يكون لوجوده قبل أو لا يكون: فإن لم يكون لوجوده قبل قلم يكن معدوماً قبل وجوده وإن كان لوجوده قبل فإما أن يكون ذلك القبل شيئاً معدوماً أو شيئاً موجوداً فإن كان شيئاً معدوماً فلم يكن له قبل موجود كان فيه معدوماً وأيضاً فإن القبل المعدوم موجود مع وجوده فبقي أن القبل الذي كان له شيء موجود وذلك الشيء الموجود ليس الآن موجوداً فهو شيء قد مضى وكان موجوداً - وذلك إما ماهية لذاته وهو الزمان - وإما ماهية لغيره وهو زمانه فيثبت الزمان على كل حال.
الصفحة : 179
فصل في أن كل حادث زماني فهو مسبوق بالمادة لا محالة
ونقول أنه لا يمكن أن يحدث ما لم يتقدمه وجود القابل وهو المادة ولنبرهن على هذا القول إن كل كائن فيحتاج أن يكون قبل كونه ممكن الوجود في نفسه فإنه إن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكون البتة. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً ألا ترى أنا نقول إن المحال لا قدرة عليه ولكن القدرة هي على ما يمكن أن يكون فلو كان إمكان كون الشيء هو نفس القدرة عليه كان هذا القول كأنا نقول إن القدرة إنما تكون على ما عليه القدرة. والمحال ليس عليه قدرة لأنه ليس عليه قدرة. وما كنا نعرف أن هذا الشيء مقدور عليه أو غير مقدور عليه بنظرنا في نفس الشيء بل بنظرنا في حال قدرة القادر عليه هل له عليه قدرة أم لا. فإن أشكل علينا أنه مقدور عليه أو غير مقدور عليه لم يمكنا أن نعرف ذلك البتة لأنا إن عرفنا ذلك من جهة أن الشيء محال أو ممكن. وكان معنى المحال هو أنه غير مقدور عليه - ومعنى الممكن أنه مقدور عليه كنا عرفنا المجهول بالمجهول. فبين واضح أن معنى كون الشيء ممكناً في نفسه هو غير معنى كونه مقدوراً عليه. وإن كانا بالذات واحداً وكونه مقدوراً عليه لازم لكونه ممكناً في نفسه وكونه ممكناً في نفسه هو باعتبار ذاته وكونه مقدوراً عليه باعتبار إضافته إلى موجده فإذا تقرر هذا فإننا نقول إن كل حادث فإنه قبل حدوثه إما أن يكون في نفسه ممكناً أن يوجد قد سبقه إمكان وجوده فلا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى معدوماً أو معنى موجوداً ومحال أن يكون معنى معدوماً وإلا فلم يسبقه إمكان وجوده فهو إذاً معنى موجود وكل معنى موجود فإما قائم لا في موضوع أو قائم في موضوع وكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافاً. وإمكان الوجود إنما هو ما هو بالاضافة إلى ما هو إمكان وجود له فليس إمكان الوجود جوهراً لا في موضوع فهو إذاً معنى في موضوع وعارض لموضوع ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ونسمي حامل قوة الوجود الذي فيه قوة وجود الشيء موضوعاً وهيولى ومادة وغير ذلك فإذاً كل حادث فقد تقدمته المادة.
الصفحة : 180
فصل في تحقيق معنى الكلي
المعنى الكلي بما هو طبيعة ومعنى كالانسان بما هو إنسان شيء وبما هو عام أو خاص أو واحد أو كثير وذلك له بالقوة أو بالفعل شيء آخر فإنه بما هو إنسان فقط بلا شرط آخر البتة شيء ثم العموم شرط زائد على أنه إنسان والخصوص كذلك وأنه واحد كذلك وأنه كثير كذلك وليس ذلك إذا فرضت هذه الأحوال بالفعل فقط بل وإذا فرضت هذه الأحوال أيضاً بالقوة واعتبرت الانسانية بالقوة كان هناك إنسانية واعتبار غير الانسانية مضاف فتكون الانسانية وإضافة ما فالانسانية بما هي إنسانية لا عامة ولا خاصة لا بالقوة أحدهما ولا بالفعل بل يلزمها ذلك وليس إذا كانت الانسانية لا توجد إلا واحدة أو كثيرة تكون الانسانية بما هي إنسانية إما واحدة وإما كثيرة ففرق بين قولنا إن هذا لا يوجد إلا وله أحد الحالين وبين قولنا إن أحد الحالين له بما هو إنسانية وليس يلزم من قولنا إن الانسانية ليست بما هي إنسانية واحدة إن الانسانية بما هي إنسانية كثيرة كما لو فرضنا بدل الانسانية الوجود الذي هو من جهة أعم من الواحد والكثير ولا أيضاً نقيض قولنا إن الانسانية بما هي إنسانية واحدة أن الانسانية بما هي إنسانية كثيرة بل أن الانسانية ليست بما هي انسانية واحدة ولا كثيرة - وإذا كان ذلك كذلك جاز أن توجد لا بما هي إنسانية بل بما هي موجودة واحدة أو كثيرة - وإذا عرفت هذا فقد يقال كلي للانسانية بلا شرط ويقال كلي للانسانية بشرط أنها مقولة بوجه ما من الوجوه المعلومة على كثيرين. والكلي بالاعتبار الأول موجود بالفعل في الأشياء وهو المحمول على كل واحد لا على أنه واحد بالذات ولا على أنه كثير فإن ذلك ليس له بما هو إنسانية وأما الاعتبار الثاني فله جهتان - أحدهما اعتبار القوة في الوجود - والثاني اعتبار القوة إذا صار مضافاً إلى الصورة المعقولة عنها - أما اعتبار القوة في الوجود حتى يكون إنسانية في الوجود وهي بالقوة بعينها محمولة على كل واحد فتنتقل من واحد إلى واحد فتكون لم تفسد ذات الأول بل الخاصة وتكون هي بعينها بالفعل شيء واحد في الوجود محمولاً على كل واحد وقتاً ما فهذا غير موجود فبين ظاهر أن الانسان الذي اكتنفته الأعراض المخصصة بشخص لم تكتنفه أعراض شخص آخر حتى يكون ذلك بعينه في شخص زيد وشخص عمرو ويكون بعينه مكتنفاً بأعراض متضادة - وأما اعتبار القوة بالوجه الأخير فموجود فإن الانسانية التي في زيد إذا قيست إلى الصورة المعقولة عنها لم تكن ما يعقل منها أولى بالحمل على زيد منه بالحمل على عمرو ولا تأثيرها في النفس صورة عقلية مأخوذة
الصفحة : 181
عنه أولى من الذي في عمرو بل من الجائز أن يكون لو سبق الذي في عمرو إلى العقل لأخذ منه هذه الصورة المعقولة جائز من حالها أن ترتسم في النفس عن أي ذلك سبق إليها. فليس قياسها إلى واحد من تلك أولى من قياسها إلى الآخر بل هي مطابقة للجميع فلا كلي عامي في الوجود بل وجود الكلي عاماً بالفعل إنما هو في العقل وهي الصورة التي في العقل التي نسبتها بالفعل أو بالقوة إلى كل واحد واحدة. والكلي الذي يوجد في القضايا والمقدمات هو القسم الأول وقد أشير إليه في كتب المنطق.
فصل في التام والناقص
التام هو الذي يوجد له جميع ما من شأنه أن يوجد له والذي ليس شيء مما يمكن أن يوجد له ليس له وذلك إما في كمال الوجود وإما في القوة الفعلية وإما في القوة الانفعالية - وإما في الكمية والناقص مقابله. والقبل يقال بالطبع وهو إذا كان لا يمكن أن يوجد الآخر إلا وهو موجود. ويوجد وليس الآخر موجوداً كالاثنين والواحد ويقال في الزمان وذلك ظاهر ويقال في المرتبة وهو في الاضافة إلى مبدأ محدود وهو إما المبدأ الذي يضاف إليه سائر الأشياء بالقياس إلى تلك الأشياء وإما واحداً من تلك الأشياء هو منها أقرب إليه وهذا قد يكون بالذات كما في الأجناس والأنواع المتتالية وقد يكون بالاتفاق كالذي يقع متقدماً في الصف الأول فيكون أقرب إلى القبلية وقد يكون بالأحرى كتقديم كتاب " ايساغوجي وقاطيغورياس " على المنطق. ويقال قبل في الكمال كقولنا أن أبا بكر قبل عمر في الشرف. ويقال قبل بالعلية فإن للعلة استحقاق الوجود قبل المعلول فإنهما بما هما دانان ليس يلزم فيهما خاصية التقدم والتأخر ولا خاصية المع وبما هما متضايفان علة ومعلول فهما معاً وأيهما كان بالقوة فكلاهما كذلك. وإن كان أحدهما بالفعل فكلاهما كذلك ولكن بما أن أحدهما له الوجود أولا غير مستفاد من الآخر والآخر فإن الوجود له مستفاد من الأول فهو متقدم عليه - وإذا تؤمل حال المتقدم في جميع الأنحاء وجد المتقدم هو الذي له ذلك الوصف حيث ليس الآخر والآخر ليس له إلا وذلك للمذكور أنه أول. والمتأخر مقابل المتقدم في كل واحد وقد يكون ما هو أقدم بالعلية قد يزول ويبقى المعلول بعلة أخرى تقوم مقامه مثل السكون الواحد الذي يثبته شيئان متعاقبان فهو متأخر عنهما في المعلولية وقد يوجد لا مع كل واحد منهما - وكذلك الهيولى مع الصورة - واعلم أنه فرق بين أن يقال إذا رفعت هذا ارتفع هذا وبين
الصفحة : 182
أن يقال إن هذا لا يوجد حين لا يوجد ذاك فإن معنى الأول أنه إذا وجب عدم هذا وجب أن يعدم ذلك فعدم هذا علة لعدم ذاك. ومعنى الآخر أنه أي وقت يصدق فيه أن هذا ليس فإنه يصدق فيه أن ذاك ليس ويصح أن يقال إنه إذا لم توجد العلة لم يوجد المعلول وأنه إذا لم يوجد المعلول لم توجد العلة. ولا يصح أن يقال إذا رفع المعلول ارتفعت العلة كما يصح أن يقال إذا ارتفعت العلة ارتفع المعلول بل إذا رفعت العلة ارتفع المعلول وإذا رفع المعلول قد كانت العلة ارتفعت أولاً لعلة أخرى حتى يصح رفع المعلول. لا أن نفس رفع المعلول هو رافع العلة. كما أن نفس رفع العلة هو رافع المعلول.
فصل في بيان الحدوث الذاتي
واعلم أنه كما أن الشيء قد يكون محدثاً بحسب الزمان فكذلك قد يكون محدثاً بحسب الذات فإن المحدث هو الكائن بعد أن لم يكن فالبعدية كالقبلية قد تكون بالزمان وقد تكون بالذات فإذا كان الشيء له في ذاته أن لا يجب له وجود بل هو باعتبار ذاته وحدها بلا علتها لا يوجد - وإنما يوجد بالعلة والذي بالذات قبل الذي من غير الذات فيكون لكل معلول في ذاته أولاً أنه ليس ثم عن العلة: وثانياً أنه أيس فيكون كل معلول محدثاً أي مستفيد الوجود من غيره بعد ما له في ذاته أن لا يكون موجوداً فيكون كل معلول في ذاته محدثاً. وإن كان مثلاً في جميع الزمان موجوداً مستفيداً لذلك الوجود عن موجد فهو محدث لأن وجوده من بعد لا وجوده بعدية بالذات ومن الجهة التي ذكرناها وليس حدوثه إنما هو في آن من الزمان فقط بل هو محدث في جميع الزمان والدهر ولا يمكن أن يكون حادث بعد ما لم يكن بالزمان إلا وقد تقدمته المادة التي منها حدث.
الصفحة : 183
فصل في أنواع الواحد والكثير
يقال واحد لما هو غير منقسم من الجهة التي قيل له أنه واحد فمن غير المنقسم ما لا ينقسم في الجنس فيكون واحداً في الجنس ومنه ما لا ينقسم في النوع فيكون واحداً في النوع. ومنه ما لا ينقسم بالعرض العام فيكون واحداً بالعرض كالغراب والفار في السواد. ومنه ما لا ينقسم بالمناسبة فيكون واحداً في المناسبة كما يقال إن نسبة الملك إلى المدينة والعقل إلى النفس واحد. ومنه ما لا ينقسم في الموضوع فيكون واحداً في الموضوع وإن كان كثيراً في الحد - ولهذا يقال إن الذابل والنامي واحد في الموضوع ومنه ما لا ينقسم معناه في العدد أي لا ينقسم إلى أعداد لها معانيه أي ليست بالفعل أعداد لها معانيه فهو واحد بالعدد. ومنه ما لا ينقسم بالحد أي حده ليس لغير وليس له في كمال حقيقة ذاته نظير فهو واحد بالكلية - ولهذا يقال إن الشمس واحدة. والواحد بالعدد إما أن يكون فيه بوجه من الوجوه كثرة بالفعل فيكون واحداً بالتركيب والاجتماع - وإما أن لا يكون وإن لم تكن بالفعل وكانت بالقوة فهو متصل وواحد بالاتصال وإن لم تكن ولا بالقوة فهو واحد بالعدد على الاطلاق. والكثير يكون كثيراً على الاطلاق وهو العدد المقابل للواحد وهو ما وجد فيه واحد وليس بالواحد في الحد من جهة ما هو فيه أي يوجد واحد ليس هو وحده فيه وهذا مبدأ عنه يأخذ الحساب في البحث. وقد يكون الكثير كثيراً بالاضافة وهو الذي يترتب بإزائه القليل. وأقل العدد اثنان والمشابهة اتحاد في الكيفية. والمساواة اتحاد في الكمية. والمجانسة اتحاد في الجنس والمشاكلة اتحاد في النوع. والموازاة اتحاد في وضع الأجزاء. والمطابقة اتحاد في الأطراف. والهوهو اتحاد بين اثنين جعلا اثنين في الوضع فيصير بينهما اتحاد بنوع من الاتحادات الواقعة بين اثنين مما قبل. ويقابل كل واحد منها من باب الكثير الخلاف والتقابل والتضاد.
الصفحة : 184
المقالة الثانية من الآلهيات إن الواجب الوجود هو الوجود الذي متى فرض غير موجود عرض منه محال وأن الممكن الوجود هو الضروري الوجود والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه أي لا في وجوده ولا في عدمه - فهذا هو الذي نعنيه في هذا الموضع بممكن الوجود وإن كان قد يعني بممكن الوجود ما هو في القوة ويقال الممكن على كل صحيح الوجود وقد فصل ذلك في المنطق ثم أن الواجب الوجود قد يكون واجباً بذاته وقد لا يكون بذاته - أما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي لذاته لا لشيء آخر أي شيء كان يلزم محال من فرض عدمه - وأما الواجب الوجود لا بذاته فهو الذي لو وضع شيء مما ليس هو صار واجب الوجود لا بذاته فهو الذي لو وضع شيء مما ليس هو صار واجب الوجود مثلاً أن الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها ولكن عند فرض اثنين واثنين والاحتراق واجب الوجود لا بذاته ولكن عند فرض التقاء القوة الفاعلة بالطبع والقوة المنفعلة بالطبع أعني المحرقة والمحترقة.
فصل في أن الواجب بذاته لا يجوز أن يكون واجباً بغيره وأن الواجب بغيره ممكن
ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره معاً فإنه إن رفع غيره أو لم يعتبر وجوده لم يخل إما أن يبقى وجوب وجوده على حاله فلا يكون وجوب وجوده بغيره - وإما أن لا يبقى وجوب وجوده فلا يكون وجوب وجوده بذاته وكل ما هو واجب الوجود بغيره فإنه ممكن الوجود بذاته لأن ما هو واجب الوجود بغيره فوجوب وجوده تابع لنسبة ما وإضافة: والنسبة والاضافة اعتبارهما غير اعتبار نفس ذات الشيء التي لها نسبة وإضافة: والنسبة والاضافة اعتبارهما غير اعتبار نفس ذات الشيء التي لها نسبة وإضافة: ثم وجوب الوجود إنما يتقرر باعتبار هذه النسبة فاعتبار الذات وحدها لا يخلو إما أن يكون مقتضياً لوجوب الوجود أو مقتضياً لإمكان الوجود أو مقتضياً لامتناع الوجود ولا يجوز أن يكون مقتضياً لامتناع الوجود لأن كل ما امتنع وجوده بذاته لم يوجد ولا بغيره " ولا أن يكون موجوداً معاً وإما أن لا يكون موجوداً معاً فإن لم يكن موجوداً معاً غير المتناهي في زمان واحد ولكن واحد قبل الآخر - ولنؤخر الكلام في هذا " وإما أن يكون موجوداً مقتضياً لوجوب الوجود فقد قلنا إن ما وجب وجوده بذاته استحال وجوب وجوده بغيره فبقي أن يكون باعتبار ذاته ممكن الوجود وباعتبار إيقاع
الصفحة : 185
النسبة إلى ذلك الغير واجب الوجود وباعتبار قطع النسبة التي إلى ذلك الغير ممتنع الوجود وذاته بذاته بلا شرط ممكنة الوجود. فقد بان أن كل واجب الوجود بغيره فهو ممكن الوجود بذاته - وهذا ينعكس فيكون كل ممكن الوجود بذاته فإنه إن حصل وجوده كان واجب الوجود بغيره لأنه لا يخلو إما أن يصح له وجود بالفعل وإما أن لا يصح له وجود بالفعل ومحال أن لا يصح له وجود بالفعل وإلا كان ممتنع الوجود فبقي أن يصح له وجود بالفعل فحينئذ إما أن يجب وجوده وإما أن لا يجب وجوده وما لم يجب وجوده فهو بعد ممكن الوجود لم يتميز وجوده عن عدمه ولا فرق بين هذه الحالة فيه والحالة الأولى لأنه قد كان قبل الوجود ممكن الوجود والآن هو بحاله كما كان فإن وضع أن حالاً تجددت فالسؤال عن تلك الحال ثابت هل هي ممكنة الوجود أو واجبة الوجود فإن كانت ممكنة الوجود فإن تلك الحال كانت قبل أيضاً موجودة على امكانها فلم يتجدد حالة وليست تلك الحالة إلا خروجه إلى الوجود فخروجه إلى الوجود واجب وأيضاً فإن كل ممكن الوجود فإما أن يكون وجوده بذاته أو يكون لسبب ما فإن كان بذاته فذاته واجبة الوجود لا ممكنة الوجود وإن كان بسبب فإما أن يجب وجوده مع وجود السبب وإما أن يبقى على ما كان عليه قبل وجود السبب وهذا محال فيجب إذاً أن يكون وجوده مع وجود السبب فكل ممكن الوجود بذاته فهو إنما يكون واجب الوجود بغيره. وأن كل متلازمين في الوجود متكافئين فيه فلهما علة خارجة عنهما ولا يجوز أن يكون اثنان يحدث منهما واجب وجود واحد ولا أن يكون في واجب الوجود كثرة بوجه من الوجوه ولا يجوز أن يكون شيآن اثنان ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا وكل واحد منهما واجب الوجود بذاته وبالآخر فقد بان أن واجب الوجود بذاته لا يكون واجب الوجود بغيره ولا يجوز أن يكون كل واحد منهما واجب الوجود بالآخر حتى يكون " ا " واجب الوجود " بب " لا بذاته " وب " واجب الوجود " بأ " لا بذاته وجملتهما واجب وجود واحد وذلك لأن اعتبارهما ذاتين غير اعتبارهما متضايفين ولكل واحد منهما وجوب وجود لا بذاته فكل واحد منهما ممكن الوجود بذاته ولكل ممكن الوجود بذاته علة في وجوده أقدم منه لأن كل علة أقدم في وجود الذات من المعلول وإن لم يكن في الزمان فلكل واحد منهما في الذات شيء آخر يقوم به أقدم من ذاته وليس ذات أحدهما أقدم من ذات الآخر على ما وصفنا فلهما إذاً علل خارجة عنهما
الصفحة : 186
أقدم منهما فليس إذاً وجوب وجود كل واحد منهما مستفاداً من الآخر بل من العلة الخارجة التي أوقعت العلاقة بينهما وأيضاً فإن ما يجب بغيره فوجوده بالذات متأخر عن وجود ذلك الغير ومتوقف عليه: ثم من المستحيل أن تتوقف ذات في أن توجد على ذات توجد بها فكأنها تتوقف في الوجود على وجود نفسها - وبالجملة فإذا كان ذلك الغير يجب به كان هذا أقدم مما هو أقدم منه ومتوقف على ما هو متوقف عليه فوجودهما محال.
فصل في بساطة الواجب
ونقول أيضاً إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون لذاته مبادئ تجتمع فيقوم منها واجب الوجود لا أجزاء الكمية ولا أجزاء الحد والقول سواء كانت كالمادة والصورة أو كانت على وجه آخر بأن تكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه فيدل كل واحد منها على شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته - وذلك لأن كل ما هذا صفته فذات كل جزء منه ليس هو ذات الآخر ولا ذات المجتمع فإما أن يصح لكل واحد من جزئيه مثلاً وجود منفرد لكنه لا يصح للمجتمع وجود دونها فلا يكون المجتمع واجب الوجود أو يصح ذلك لبعضها ولكنه لا يصح للمجتمع وجود دونه فما لم يصح له من المجتمع والأجزاء الأخرى وجود منفرد فليس واجب الوجود ولم يكن واجب الوجود إلا الذي يصح له وإن كان لا يصح لتلك الأجزاء مفارقة الجملة في الوجود ولا للجملة مفارقة الأجزاء وتعلق وجود كل بالآخر وليس واحد أقدم بالذات فليس شيء منها بواجب الوجود " فقد أوضحت هذا على أن الأجزاء بالذات أقدم من الكل " فتكون العلة الموجبة للوجود توجب أولاً الأجزاء ثم الكل ولا يكون شيء منهما واجب الوجود وليس يمكننا أن نقول إن الكل أقدم بالذات من الأجزاء فهو إما متأخر وإما معاً وكيف كان فليس بواجب الوجود فقد اتضح من هذا أن واجب الوجود ليس بجسم ولا مادة جسم ولا صورة جسم ولا مادة معقولة لصورة معقولة ولا صورة معقولة في مادة معقولة ولا له قسمة لا في الكم ولا في المبادئ ولا في القول فهو واحد من هذه الجهات الثلاث.
الصفحة : 187
فصل في أن الواجب تام وليس له حالة منتظرة
ونقول إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود بجميع جهاته وإلا فإن كان من جهة واجب الوجود ومن جهة ممكن الوجود فكانت تلك الجهة تكون له ولا تكون له ولا تخلو عن ذلك وكل منهما بعلة يتعلق الأمر بها ضرورة فكانت ذاته متعلقة الوجود بعلتي أمرين لا يخلو منهما فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقاً بل مع العلتين سواء كان أحدهما وجوداً والآخر عدماً أو كان كلاهما وجوديين فبين من هذا أن الواجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود منتظر بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له فلا له إرادة منتظرة ولا طبيعة منتظرة ولا علم منتظر ولا صفة من الصفات التي تكون لذاته منتظرة. وكل واجب الوجود بذاته فإنه خير محض وكمال محض والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده: والشر لا ذات له بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر فالوجود خيرية وكمال الوجود خيرية الوجود والوجود الذي لا يقارنه عدم لا عدم جوهر ولا عدم شيء للجوهر بل هو دائم بالفعل فهو خير محض والممكن الوجود بذاته ليس خيراً محضاً لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود فذاته بذاته تحتمل العدم وما احتمل العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئاً من الشر والنقص فإذاً ليس الخير المحض إلا الواجب بذاته وقد يقال أيضاً خير لما كان نافعاً ومفيداً لكمالات الأشياء - وسنبين أن الواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيداً لكل وجود ولكل كمال وجود فهو من هذه الجهة خير أيضاً لا يدخله نقص ولا شر.
الصفحة : 188
فصل في أن الواجب حق بكل معاني الحقية
وكل واجب الوجود بذاته فهو حق محض لأن حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له فلا حق إذاً أحق من الواجب الوجود. وقد يقال أيضاً حق لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقاً فلا حق أحق بهذه الحقيقة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقاً ومع صدقه دائماً ومع ذلك دوامه لذاته لا لغيره. لا يقال على كثيرين إذ لا مثل له ولا ضد ولا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له بعينه أما أن تقتضيه ذات نوعه أو لا تقتضيه ذات نوعه بل تقتضيه علة فإن كان معنى نوعه له لذات معنى نوعه لم يوجد إلا له وإن كان لعلة فهو معلول ناقص وليس واجب الوجود وكيف يمكن أن تكون الماهية المجردة عن المادة لذاتين والشيئان إنما يكونان اثنين إما بسبب المعنى وإما بسبب الحامل للمعنى وإما بسبب الوضع والمكان أو بسبب الوقت والزمان وبالجملة لعلة من العلل وكل اثنين لا يختلفان بالمعنى فإنما تختلفان بشيء غير المعنى وكل معنى موجود بعينه لكثيرين مختلفين فهو متعلق الذات بشيء مما ذكرناه من العلل ولواحق العلل فليس واجب الوجود وأقول قولاً مرسلاً إن كل ما ليس اختلافه لمعنى ولا يجوز أن يتعلق إلا بذاته فقط فلا يخالف مثله بالعدد فلا يكون إذاً له مثل لأن المثل مخالف بالعدد فبين من هذا أن واجب الوجود لذاته لا ند له ولا مثل ولا ضد لأن الأضداد متفاسدة ومتشاركة في الموضوع وواجب الوجود بريء من المادة.
الصفحة : 189
فصل في أنه واحد من وجود شتى
وأيضاً فهو تام الوجود لأن نوعه له فقط فليس من نوعه شيء خارج عنه واحد وجوه الواحد أن يكون تاماً فإن الكثير والزائد لا يكونان واحدين فهو واحد من جهة تمامية وجوده وواحد من جهة أن حده له واحد وواحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة له ولا بأجزاء الحد وواحد من جهة أن لكل شيء وجدة تخصه وبها كمال حقيقته الذاتية وأيضاً هو واحد من جهة أخرى وتلك الجهة هي أن مرتبته من الوجود وهو وجوب الوجود ليس إلا له. فصل في البرهان على أنه لا يجوز أن يكون اثنان واجبي الوجود أي أن الوجود الذي يوصف به ليس هو لغيره وإن لم يكن من جنسه ونوعه. ولا يجوز أن يكون وجوب الوجود مشتركاً فيه ولنبرهن على هذا فنقول إن وجوب الوجود إما أن يكون شيئاً لازماً لماهية تلك الماهية هي التي لها وجوب الوجود كما نقول للشيء إنه مبدأ فتكون لذلك الشيء ذات وماهية ثم يكون معنى المبدأ لازماً لتلك الذات كما أن إمكان الوجود قد يوجد لازماً لشيء له في نفسه معنى مثل أنه جسم أو بياض أو لون ثم هو ممكن الوجود وإمكان الوجود يلزمه ولا يكون داخلاً في حقيقته وإما أن يكون وجوب الوجود هو نفس واجب الوجود ويكون نفس وجوب الوجود طبيعة كلية ذاتية له فنقول أولاً أنه لا يمكن أن يكون وجوب الوجود من المعاني اللازمة لماهية فإن تلك الماهية حينئذ تكون سبباً لوجوب الوجود فيكون وجوب الوجود متعلقاً بسبب فلا يكون وجوب الوجود موجوداً بذاته فإن وجوب الوجود من المعلوم أنه إذا لم يكن داخلاً في ماهية شيء بل كان الشيء كإنسان أو شجرة أو سماء أو غير ذلك مما قد علمت أن الوجود ووجوبه ليس داخلاً في ماهيته كان لازماً له كالخاصية أو العارض العام لا كالجنس والفصل وإذا كان لازماً كان تابعاً غير متقدم والتابع معلول فكان وجوب الوجود معلولاً فلم يكن وجوب وجود بالذات وقد أخذناه بالذات فإن لم يكن وجوب الوجود كاللازم بل كان داخلاً في الماهية أو ماهية فإن كان ماهية عاد إلى أن النوعية واحدة وإن كان داخلاً في الماهية فتلك الماهية إما أن تكون بعينها لكليهما فيكون نوع وجوب الوجود مشتركاً فيه وقد أبطلنا هذا أو يكون لكل ماهية أخرى فإن لم يشتركا في شيء لم يجب أن يكون كل واحد منهما قائماً في موضوع وهو معنى الجوهرية المقول عليهما بالسوية وليس لأحدهما أولاً وللثاني آخراً فلذلك هو
الصفحة : 190
جنس لهما فإذا لم يجب ذلك كان أحدهما قائماً في موضوع فيكون ليس واجب الوجود وإن اشتركا في شيء ثم كان لكل واحد منهما بعده معنى على حدة تتم به الماهية ويكون داخلاً فيها فكل واحد منهما منقسم بالقول وقد قيل أن واجب الوجود لا ينقسم بالقول فليس ولا واحد منهما واجب الوجود وإن كان لأحدهما ما يشتركان فيه فقط وللثاني معنى زائد عليه فأما الأول فيفارقه بعدم هذا المعنى ووجود ذلك المعنى المشترك فيه بشرط تجريده عما لغيره وعدمه فيه فيكون الذي لا تجريد له منقسماً في القول غير واجب الوجود ويكون الآخر هو الواجب الوجود وحده ويكون المعنى المشترك فيه لا يوجب وجوب وجود إلا أن يشترك فيه عدم ما سواه من غير أن تكون تلك الأعدام وجودات لأشياء وذواتاً فإنه ليس كل اعدام تكون للأشياء تكون ذواتاً ومعاني زائدة ولو كان كذلك لكان في كل شيء واحد أشياء بلا نهاية موجودة لأن في كل شيء اعدام أشياء بلا نهاية ومع هذا كله فإن كل ما يجب وجوده فليس يجب وجوده بما يشارك به غيره ولا يتم به وحده وجوب ذاته بل إنما يتم وجوده بجميع ما يشارك به غيره وبما يتم به وجود ذاته فالذي يتم به وجوده ويزيد على ما يشارك به غيره فإما أن يكون شرطاً في نفس وجوب الوجود وإما أن لا يكون فإن كان ذلك كله شرطاً في نفس وجوب الوجود وجب أن يوجد لكل واجب الوجود فكل ما يوجد لكل واحدة من الماهية يوجد للأخرى فلا يكون بينهما انفصال البتة بمقوم وقد وضع بينهما اختلاف في هذا النوع هذا خلف وأما إن لم يكن شرطاً في نفس وجوب الوجوب وما ليس بشرط في شيء فالشيء يتم دونه فوجوب الوجود يتم دون ما اختلفا فيه فيكون ما اختلفا فيه عارضين لوجوب الوجود وهما متفقان في ماهية وجوب الوجود ونوعيته واختلفا بالعوارض دون الأنواع هذا خلف فإن جعل الشرط في وجوب الوجود أحد الفصلين لا بعينه فليس أحدهما بعينه شرطاً ولا الآخر بعينه شرط فتساويا في أنه ليس أحدهما بشرط فكيف يكون أحدهما لا بعينه شرطاً " فإن قال قائل " هذا مثل المادة ليست هذه الصورة لها بعينها شرطاً ولا ضدها ولكن أحدهما لا بعينه أو مثل أن اللون لا يتقرر وجوده إلا أن يكون سواداً أو بياضاً لا بعينه ولكن أحدهما فقد ذهب عليه الفرق فيقال له أما المادة فإحدى الصورتين بعينها شرط لها في زمان والأخرى ليست بشرط في ذلك الزمان وفي الزمان الآخر فإن الصورة الأخرى بعينها شرط لها والأولى ليست وكل واحدة منهما في نفسها ممكنة لها إذا أخذت مطلقة بلا شرط والمادة أيضاً ممكنة فإذا وجبت
الصفحة : 191
بعلة إحدى الصورتين أوجبت تلك الصورة بعينها وكيفما كان الحال فإن المادة سواء كان أحدهما شرطاً في وجوبها بعينه أو إحداهما لا بعينه فلها شرط في الوجوب غير نفس طبيعتها ولو كان لوجوب الوجود شرط متعلق بشيء خارج عنه لكان ليس وجوب الوجود بالذات وأما اللونية فليست تصير لونية بسواد أو بياض بل هي لونية بأمر يعمهما لكن لا توجد مفردة إلا مع فصل كل واحد منهما فليس ولا واحد من الأمرين للونية بشرط في اللونية ولكنه شرط في الوجود المحض ثم في كل زمان وفي كل مادة فالشرط أحدهما بعينه لا الآخر فهذه اللونية التي بحسب الزمان وبحسب هذه المادة إنما يوجدها فصل السواد وكذلك الأخرى موجدها فصل البياض واللونية المطلقة إما أن يكون ولا واحد منهما شرطاً في وجوده على أنه بعض الشرط ولا شرط تام والشرط التام هو اجتماعهما وبالجملة فإن الشيء الواحد من جهة واحدة يكون شرطه شيئاً واحداً لا أي شيئين اتفقا إنما يكون هذا إذا كان له جهتان ولكل جهة شرط بعينه فلا يخلو عنهما فلا يتعلق بأحدهما بعينه لذاته بل باتفاق سبب من جهته وأما ذاته بذاته فلا شرط له إلا الواحد كما أن اللونية شرطها بذاتها أمر واحد وشرطها في جهات وجودها أمور تكون لكل وقت بعينه وكما أن اللونية في أنها لونية ليس أحد الأمرين بعينه وبغير عينه شرطاً لها في ماهية لونيتها بل في انية لونيتها وحصولها بالفعل كذلك يجب أن لا يكون أحد الأمرين شرطاً في وجوب الوجود من جهة ماهية كونه وجوب الوجود بل من جهة انيته فتكون انية وجوب الوجود غير ماهيته وهذا خلف فإنه يلزم أن يكون واجب الوجود يطرأ عليه وجود ليس له في حد نفسه كما يطرأ على الانسانية والفرسية وكما في اللونية بل كما أنه يجوز أن يقال في اللونية إن أحدهما لا بعينه شرط في اللونية لا لنفس اللونية بل لاختلاف وجودات اللونية كذلك إن كان لوجوب الوجود أحد الفصلين لا بعينه شرطاً فيجب أن يكون لا لأنه وجوب الوجود فيكون وجوب الوجود متقرراً دونه غير محتاج إليه ولكنه شرط في تخصيص وجوده فإن كان سبب تخصيص وجوده أن رفع يبطله فهو غير واجب الوجود وإن لم يكن يبطله فيبقى حينئذ واجب الوجود واحداً أو كثيراً لا اختلاف بين آحاده البتة وكلاهما على الوضع المفروض محال فقد بان أنه ليس ولا واحد من خاصيتي الماهيتين المذكورتين شرطاً في وجوب الوجود بوجه من الوجوه لا بعينه ولا لا بعينه فقد بطل أن يكون وجوب الوجود مشتركاً فيه على أن يكون لازماً أو يكون جنساً ونقول ولا على أن يكون مقوما لماهية الشيء وهذا أظهر فإن وجوب الوجود إذا كان
الصفحة : 192
طبيعة بنفسها فليكن " ا " ثم انقسمت إلى مثيرين فإنها تنقسم في مختلفين بالعدد فقط وقد منعنا هذا: إذاً فتختلف في منقسمين بالنوع فينقسم بفصول فلتكن هي " ب و ج " وتلك الفصول لا تكون شريطة فيها " وهي في نفسها طبيعة منفردة أظهر " فإن طبيعة وجوب الوجود ليست طبيعة وجوب الوجود هذا خلف وبالجملة يجب أن تعرف أن حقيقة وجوب الوجود ليست كطبيعة اللون والحيوان الجنسين اللذين يحتاجان إلى فصل وفصل حتى يتقرر وجودهما لأن تلك الطبائع معلولة وإنما يحتاجان إلى الفصول لا في نفس اللونية والحيوانية المشتركة فيهما بل في الوجود وههنا فوجوب الوجود هو مكان اللونية والحيوانية وكما أن ذينك لا يحتاجان إلى فصول في أن يكونا لوناً وحيواناً فكذلك هذا لا يحتاج إلى الفصول في أن يكون وجوب وجود ثم وجوب الوجود ليس له وجود ثان يحتاج فيه إليها فإن اللون هناك يحتاج بعد اللونية إلى الوجود مشتركاً فيه لا أن كان لازماً لطبيعة ولا أن كان طبيعة بذاته فإذاً واجب الوجود واحد لا بالنوع فقط أو بالعدد أو عدم الانقسام أو التمام فقط بل في أن وجوده ليس لغيره وإن لم يكن من جنسه ولا يجوز أن يقال واجبي الوجود لا يشتركان في شيء كيف وهما مشتركان في وجوب الوجود ومشتركان في البراءة عن الموضوع فإن كان وجوب الوجود يقال عليهما بالاشتراك فكلامنا ليس في معنى منع كثرة ما يقال له واجب الوجود بالاسم بل بمعنى واحد من معاني ذلك الاسم فإن كان بالتواطؤ فقد حصل معنى عام عموم لازم أو عموم جنس وقد بينا استحالة ذلك وكيف يكون عموم وجوب الوجوب لشيئين على سبيل اللوازم التي تعرض من خارج واللوازم معلولة ووجوب الوجود المحض غير معلول.
الصفحة : 193
فصل في اثبات واجب الوجود
لا شك أن هنا وجوداً وكل وجود فإما واجب وإما ممكن فإن كان واجباً فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب وإن كان ممكناً فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود وقبل ذلك فإنا نقدم مقدمات فمن ذلك أنه لا يمكن أن يكون في زمان واحد لكل ممكن الذات علل ممكنة الذات بلا نهاية وذلك لأن جميعها إما أن يكون موجوداً معاً وإما أن لا يكون موجوداً معاً فإن لم يكن موجوداً معاً غير المتناهي في زمان واحد ولكن واحد قبل الآخر فلنؤخر الكلام في هذا وأما أن يكون موجوداً معاً ولا واجب وجود فيه فلا يخلو إما أن تكون الجملة بما هي تلك الجملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية واجبة الوجود بذاتها أو ممكنة الوجود فإن كانت واجبة الوجود بذاتها وكل واحد منها ممكن يكون الواجب الوجود متقوماً بممكنات الوجود هذا خلف وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد الوجود فإما أن يكون خارجاً منها أو داخلاً فيها فإن كان داخلاً فيها فإما أن يكون واحداً منها واجب الوجود وكان كل واحد منهما ممكن الوجود هذا خلف - وإما أن يكون ممكن الوجود فيكون هو علة لوجود الجملة وعلة الجملة علة أولا لوجود أجزائها ومنها هو فهو علة لوجود نفسه وهذا مع استحالته إن صح فهو من وجه ما نفس المطلوب فإن كل شيء يكون كافياً في أن يوجد ذاته فهو واجب الوجود وكان ليس واجب الوجود هذا خلف فبقي أن يكون خارجاً عنها ولا يمكن أن يكون علة ممكنة فإنا جمعنا كل علة ممكنة الوجود في هذه الجملة فهي إذاً خارجة عنها وواجبة الوجود بذاتها فقد انتهت الممكنات إلى علة واجبة الوجود فليس لكل ممكن علة ممكنة بلا نهاية.
فصل في أنه لا يمكن أن يكون الممكنات في الوجود بعضها علة لبعض
ونقول أيضاً إنه لا يجوز أن يكون للعلل عدد متناه وكل واحد منه ممكن الوجود في نفسه لكنه واجب بالآخر إلى أن ينتهي إليه دوراً ولنقدم مقدمة أخرى فنقول إن وضع عدد متناه من ممكنات الوجود بعضها لبعض علل في الدور فهو أيضاً محال وتبين بمثل بيان المسألة الأولى ويخصها أن كل واحد منها يكون علة لوجود نفسه ومعلولاً لوجود نفسه ويكون حاصل الوجود عن شيء إنما يحصل بعد حصوله بالذات وما توقف وجوده على وجود ما لا يوجد إلا بعد وجوده البعدية الذاتية فهو محال الوجود وليس حال المتضايفين هكذا فإنهما معاً في الوجود وليس
الصفحة : 194
يتوقف وجود أحدهما فيكون بعد وجود الآخر بل توجدهما معاً العلة الموجدة لهما والمعنى الموجب إياهما معاً فإن كان لأحدهما تقدم وللآخر تأخر مثل الأب والابن فنقدمه من جهة غير جهة الإضافة فإن تقدمه من جهة وجود الذات ويكونان معاً من جهة الإضافة الواقعة بعد حصول الذات ولو كان الابن يتوقف وجوده على وجود الأب والأب يتوقف وجوده على وجود الابن ثم كانا ليسا معاً بل أحدهما بالذات بعد لكان لا يوجد ولا أحد منهما وليس المحال هو أن يكون وجود ما يوجد مع الشيء شرطاً في وجوده بل وجود ما يوجد عنه وبعده.
فصل آخر في التجرد لإثبات واجب الوجود وبيان أن الحوادث تحدث بالحركة ولكن تحتاج إلى علل باقية وبيان أن الأسباب القريبة المحركة كلها متغيرة وبعد هاتين فإنا نبرهن أنه لا بد من شيء واجب الوجود لأنه إن كان كل موجود ممكناً فإما أن يكون مع إمكانه حادثاً أو غير حادث فإن كان غير حادث فإما أن يتعلق ثبات وجوده بعلة أو بذاته فإن كان بذاته فهو واجب لا ممكن وإن كان بعلة فعلته معه والكلام فيها كالكلام في الأول وإن كان حادثاً وكل حادث فله علة في حدوثه فلا يخلو إما أن يكون حادثاً باطلاً مع الحدوث لا يبقى زماناً وإما أن يكون إنما يبطل بعد الحدوث بلا فصل زمان وإما أن يكون بعد الحدوث باقياً والقسم الأول محال ظاهر الاحلة - والقسم الثاني أيضاً محال لأن الآنات لا تتالى وحدوث أعيان واحدة بعد الأخرى متباينة في العدد لا على سبيل الاتصال الموجود في مثل الحركة يوجب تتالي الآنات وقد بطل ذلك في العلم الطبيعي ومع ذلك فليس يمكن أن يقال إن كل موجود هو كذلك فإن في الموجودات موجودات باقية بأعيانها فلنفرض الكلام فيها " فنقول " إن كل حادث فله علة في حدوثه وعلة في ثباته ويمكن أن يكونا ذاتاً واحدة مثل القالب في تشكيله الماء ويمكن أن يكونا شيئين مثل الصورة الصنمية فإن محدثها الصانع ومثبتها يبوسة جوهر العنصر المتخذة منه ولا يجوز أن يكون الحادث ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته حتى يكون إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا بعلة في الوجود والثبات ولنأخذ في بيان أن كل حادث فإن ثباته بعلة ليكون مقدمة معينة في الغرض المذكور قبله فإنا نعلم أن ثباته ووجوده ليس واجباً بنفسه فمحال أن يصير واجباً بالحدوث الذي ليس واجباً بنفسه ولا ثابتاً بنفسه ووجوب ثباته بعلة الحدوث إنما كان يجوز لو كانت العلة باقية معه - وأما إذا عدمت فقد عدم مقتضاها وإلا فسواء وجودها
الصفحة : 195
وعدمها في وجود مقتضاها فليست بعلة ولنزد هذا شرحاً " فنقول " إن هذه الذات قبل الحدوث قد كانت لا ممتنعة ولا واجبة وكانت ممكنة فلا يخلو إما أن يكون إمكانها لا بشرط أو إمكانها بشرط أن تكون معدومة أو إمكانها هو في حال أن تكون موجودة ومحال أن يكون إمكانها بشرط عدمها لأنها ممتنعة أن توجد ما دامت معدومة واشترط لها العدم كما أنها ما دامت موجودة فهي بشرط أنها موجودة واجبة للوجود فبقي أحد الأمرين أما لأن الامكان أمر في طبيعتها وفي نفس جوهرها فلا تزايلها هذه الحقيقة في حال وأما في حال الوجود بشرط الوجود وهذا وإن كان محالاً " لأنا إذا اشترطنا الوجود وجب " فليس يضرنا في غرضنا وذلك أنك تعلم أن كل حادث بل كل معلول فإنه باعتبار ذاته ممكن الوجود ولكن الحق أن ذاته ممكنة في نفسها وإن كانت باشتراط عدمها ممتنعة الوجود وباشتراط وجودها واجبة الوجود وفرق بين أن يقال وجود زيد الموجود واجب وبين أن يقال وجود زيد ما دام موجوداً فإنه واجب وقد بين هذا في المنطق - وكذلك فرق بين أن يقال إن ثبات الحادث واجب بذاته وبين أن يقال إنه واجب ما دام موجود فالأول كاذب والثاني صادق بما بينا فإنا إذا لم نتعرض لهذا الشرط كان ثبات الوجود غير واجب واعلم أن ما أكسبه الوجود وجوباً أكسبه العدم امتناعاً ومحال أن يكون حال العدم ممكناً ثم يكون حال الوجود واجباً بل الشيء في نفسه ممكن ويعدم ويوجد وأي الشرطين شرط له دوامه صار مع شرط دوامه ضروري الحكم لا ممكناً ولم يتناقض ذلك فإن الإمكان باعتبار ذاته والوجوب والامتناع باعتبار شرط لاحق به فإذا كانت الصورة كذلك فليس للمكن في نفسه وجود واجب بغير اشتراط البتة بل ما دام ذاته تلك الذات لم تكن واجبة الوجود بالذات بل بالغير وبالشرط فلم يزل متعلق الوجود بالغير وكل ما احتيج فيه إلى غير وشرط فهو محتاج فيه إلى سبب فقد بان أن ثبات الحادث ووجوده بعد الحدوث بسبب يمد وجوده وهو بنفسه غير واجب وليس لأحد من المنطقيين أن يعترض علينا " فنقول " إن الامكان الحقيقي هو الكائن في حال العدم للشيء وإن كل ما يوجد فوجوده ضروري فإن قيل له ممكن فباشتراك الاسم فإنه يقال له قد بينا في كتبنا المنطقية أن اشتراط العدم للمكن الحقيقي اشتراط غير صحيح في أن يجعل جزء حد للمكن بل هو أمر يتفق ويلزم الممكن في أحوال وبينا أن الموجود ليس ضرورياً لأنه موجود بل بأن يشترط شرط وهو إما وضع الموضوع أو المحمول أو العلة والسبب لا نفس الوجود فينبغي أن تتأمل ما قلناه في الكتب المنطقية فتعلم أن هذا الاشتراط غير لازم فإن نظرنا
الصفحة : 196
ههنا هو في الواجب بذاته والممكن بذاته فإن كان الحصول يلحقه بالضروري الوجود فإن العدم أيضاً يجب أن يلحقه بالضروري العدم ولا يحفظ عليه الامكان فإنه كما أنه متى كان موجوداً كان واجباً أن يكون موجوداً ما دام موجوداً كذلك متى كان معدوماً كان واجباً أن يكون معدوماً لأن نظرنا ههنا في الواجب بذاته والممكن بذاته ونظرنا في المنطق ليس كذلك فبين من هذا أن المعلولات مفتقرة في ثبات وجودها إلى العلة وكيف وقد بينا أنه لا تأثير للعلة في العدم السابق فإن علته عدم العلة ولا في كون هذا الوجود بعد العدم فإن هذا مستحيل أن يكون إلا هكذا فإن الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود بالطبع إلا بعد عدم فالمتعلق بالعلة هو الوجود الممكن بذاته لا في شيء من كونه بعد عدم أو غير ذلك فيجب أن يدوم هذا التعلق فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث هو وجوده الموصوف مع المعلول وإذا اتضحت هذه المقدمات فلابد من واجب الوجود وذلك لأن الممكنات إذا وجدت وثبت وجودها كان لها علل لثبات الوجود ويجوز أن تكون العلل علل الحدوث بعينها إن بقيت مع الحادث ويجوز أن تكون عللاً أخرى ولكن مع الحادثات وتنتهي لا محالة إلى واجب الوجود إذ قد بينا أن العلل لا تذهب إلى غير النهاية ولا تدور وهذا في ممكنات الوجود التي لا تفرض حادثة أولى وأظهر فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث بعلة وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائماً علة لثباته أو حدث كونها علة لثباته فإن كانت دائماً علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثاً ووصفناه حادثاً وإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضاً كونها علة لثباته والنسبة التي لها إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة وهي المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة التي بينهما قد كانت لسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى كالكلام في الأولى بعينه ويوجب هذا وضع العلل الممكنة الحادثة معاً بلا نهاية " فنقول " في جواب هذا أنه لولا ثبوت شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون حدوثه بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فيلزم منه انتهاء علل محدثة ومثبتة إلى علل أخرى في زمان آخر " يناقض تلك أو يزيد عليها تأثير حادثاً " من غير تشافع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول " ريثما يتأدى إلى الآخر " لكان هذا الاعتراض لازماً.
الصفحة : 197
فصل في إثبات انتهاء مبادئ الكائنات إلى العلل المحركة لحركة مستديرة
فأما ما هذا الشيء فهو الحركة وخصوصاً المكانية وخصوصاً المستديرة وإنما وجودها من حيث هو قطع مسافة أن يكون منها شيء كان وشيء يكون ولا يكون في شيء من الآنات منها شيء موجود ولكن فيما هو طرفه وإنما اتصاله باتصال المسافة - وأما ما سببه فأسبابه ثلاث طبع وارادة وقسر ولنبدأ بتفهم حال الطبيعة منها " فنقول " إنه لا يصح أن يقال إن الطبيعة المجردة سبب لشيء من الحركات بذاتها وذلك لأن كل حركة فهي زوال عن كيفية أو كم أو أين أو جوهر أو وضع وأحوال الأجسام بل الجواهر كلها إما أحوال منافية وإما أحوال ملائمة والأحوال الملائمة لا تزول عنها الطبيعة وإلا فهي مهروب عنها بالطبع لا مطلوبة فإذا الحركة الطبيعية هي إلى حالة ملائمة عن حالة غير ملائمة فإذاً الطبيعة نفسها ليست تكون علة حركة ما لم يقترن بها أمر بالفعل وهو الحال المنافية وللحال المنافية درجات قرب وبعد عن الحال الملائمة وكل درجة تتوهم من القرب والبعد إذاً بلغتها تعين عليها الحركة بعدها فتكون تلك الحركة التي في ذلك الجزء علتها الطبيعية هي حالة غير ملائمة في درجة موصول إليها وكما أن هذه العلة تتجدد دائماً ويكون ما بقي علته ما سلف في الحدوث على الاتصال كذلك الحركة فتكون إذاً علة لحركة يحدث منها شيء عن شيء منها على الاتصال " ولا يبقى منها شيء فيطلب علة منقسم لها ويكون ما أوجبه هذا الاعتراض بالحركة " وما سلف من تلك الحركة علة بوجه ما أو شرط علة لما بقي من الحركة المتجددة التي من ذلك الحد الموصول إليه بالحركة وتكون الطبيعة علة الرد إلى الحال الطبيعية فتكون المسافة شرطاً تصير معه الطبيعة علة لتلك الحركة بعينها من حيث أن كون الطبيعة فيها أمر غريب وتكون هذه العلة والمعلول معاً دائماً ويحدث كل وقت استحقاق آخر " وأما الحركة الارادية " فإن عللها أمور إرادية وإرادة ثابتة واحدة كأنها كلية تنحو نحو الغرض الذي يحصل في التصور أولا فهي محفوظة بعلة واحدة ثابتة وإرادة بعد إرادة بحسب تصور بعد بعد بعد وأين بعد أين يتبعه حركة بعد حركة ويكون كل ذلك على سبيل التجدد لا على سبيل الثبات ويكون هناك شيء واحد ثابت دائماً وهو الارادة الثابتة الكلية كما كانت الطبيعة هناك وأشياء تتجدد وهما تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما كانت الطبيعة هناك وأشياء تتجدد وهما تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما كان هناك اختلاف مقادير القرب
الصفحة : 198
والبعد ويكون جميعها على سبيل الحدوث ولولا حدوث أحوال على علة باقية بعضها علة لبعض على الاتصال لما أمكن أن تكون حركة فإنه لا يجوز أن يلزم عن علة ثابتة أمر غير ثابت - وأنت تعلم من هذا أن العقل المجرد لا يكون مبدأ قريباً لحركة بل يحتاج إلى قوة أخرى من شأنها أن تتجدد فيها الارادة وتتخيل الأينات الجزئية وهذا يسمى النفس وأن العقل المجرد إذا كان مبدأ لحركة فيجب أن يكون مبدأ آمراً مثلاً أو مشوقاً أو شيئاً مما أشبه هذا - وأما مباشرة التحريك فكلا بل يجب أن يباشر التحريك بالارادة ما من شأنه أن يتغير بوجه ما ويحدث فيه إرادة بعد إرادة على الاتصال وقد أشار المعلم الأول في كلامه في النفس إلى أصل ينتفع به في هذا المعنى إذ قال " إن لذلك أي العقل النظري الحكم الكلي وأما لهذا فالأفعال الجزئية والتعقلات الجزئية " أي العقل العملي " وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الارادة التي تحدث عنها حركة السماء هذا " وأما الحركة القسرية " فإن كان المحرك يلازمها فعلتها حركة المحرك بعلة وعلة علتها آخر الأمر طبيعة أو إرادة فإن كل قسر ينتهي إلى إرادة أو طبيعة وإن كان المحرك لا يلازمها بل كان التحريك على سبيل جذب أو دفع أو فعل آخر مما يشبه هذا فالرأي الحقيقي الصواب في ذلك هو أن المحرك يحدث في المتحرك قوة محركة إلى جهة تحريكه غالبة قوته الطبيعية وأن المتحرك بحسب تلك القوة المحركة الداخلة يبلغ مكاناً ينتحيه لولا معاوقة القوة الطبيعية واستمدادها من مصاكة الهواء أو الماء أو غير ذلك مما يتحرك فيه مدداً يوهن القوة الغريبة فحينئذ تستولي القوة الطبيعية وتحث حركة مائلة من تجاذب القوتين إلى جهة القوة الطبيعية ولولا حال مصاكة المتوسط وكسرة القوة الغريبة لكانت القوة الطبيعية لا تستولي عليه البتة إلا بعد بلوغه الغاية التي يوجبها تناهي كل قوة جسمانية وكل قوة محركة على الاستقامة فسكونها في تلك الغاية لأن هذه الحركة تطلب ذلك السكون فإذا بطل الميل والدفع الحادث عن تلك القوة بموافاتها مكانها المطلوب عادت القوة الطبيعية إلى فعلها إذ وهنت القوة الغريبة بتمام فعلها أو بأسباب أخرى وإنما حكمنا بهذا الحكم لأن القوة الغريبة لولا أنها استولت على القوة الطب
يعية لما قهرت ميلها ثم لا يجوز أن يستحيل المغلوب غالباً أو الغالب مغلوباً إلا بورود سبب على أحدهما أو كليهما ومحال أن نتوهم أن القوة العرضية تبطل بذاتها فلا يجوز أن يكون شيء من الأشياء يبطل بذاته أو يوجد بذاته بعد أن يكون له ذات تثبت وتوجد فالقوة الطبيعية إنما تعود غالبة على القوة العرضية بمعاوق ينضم إليها وذلك المعاوق يعاوقها معاوقة بعد معاوقة تكون مقاومة لما يتحرك فيها
الصفحة : 199
فيكون لذلك تأثير في القوة الغريبة بعد تأثير وقد أشبعنا الكلام في هذا حيث تكلمنا الكلام المبسوط على الاحوال كلها فإن القوة القسرية حالها في إيجاب الحركة بتجدد الأكوان عليها حال الطبيعة إلى أن تبطل فإن قال قائل إنا نرى الماء تبطل حرارته المستفادة بذاتها لأنها عرضية فإنا نقول له كلا بل إن الحرارة إنما تثبت قوتها في الماء لحضور علتها المجددة لقوتها دائماً فإذا بطلت علتها وتجديدها فيه الحرارة شيئاً بعد شيء أقبل عليها برد الهواء والقوة المبردة في الماء فأبطلها وكانا قبل يعجزان عن إبطالها إن بقيت العلة المسخنة الحاضرة الممدة دائماً بسخونة بعد سخونة وتسخن الهواء المماس لذلك الماء مع الماء فقد بان إذاً أن شيئاً ثباته على سبيل الحدوث وهو الحركة وأن له علة إنما تكون علة بالفعل لتجدد بعد تجدد يعرض في حالها على الاتصال أو يكون لها ذات باقية بالعدد متغيرة الأحوال ولولا أنها متغيرة الأحوال لم يحدث عنها تغيير ولولا أن لها ذاتاً باقية لم يحدث عنها إتصال التغيير وأنه لابد للتغير من حامل باق " كأن يغير المؤثر حتى يؤثر أو يغير المتأثر " فقد انكشفت الشبهة المسئول عنها إذ ظهر أن علل ثبات الحادثات تنتهي إلى علل أولى لها ثابتة الذوات متبدلة الأحوال تبدلاً يكون سبب كل ما يتجدد وتلك الذات الثابتة مع الحال المعلولة لتلك الذات سبب أمر آخر مؤد إلى الحال الثانية التي تصير الذات بها علة لما تجدد ثانياً ولا بأس في أن يكون الشيء الواحد علة لنفسه ومعلولاً من جهتين وأن يكون حال فيه علة لحال آخر - وهذان الحالان في الطبيعي قرب بعد قرب وفي الارادي تصور بعد تصور واختلاف نسبة ثابتة ونسبة متبدلة والنسبة الثابتة مثل وجود الشمس فوق الأرض لكون النهار أو زوال العشاء فإن معنى كون الشمس فوق الأرض واحد في جميع النهار وإن كان على سبيل تغير وانتقال من مكان إلى مكان " فتكون النسبة الواحدة يبقى معها أمر ما وتكون النسبة المتجددة أدت إلى علة مضادة لعلة بقائه فتوجب فساده وليس ينعكس فليس كل تجدد يبلغ إلى أن ينتهي المنفعل إلى علة مضادة لعلة ثباته بل يكون ذلك إذا أوصل بينهما بعد تباين منهما وإلى علة مضادة لعلة ثباته بل يكون ذلك إذا أوصل بينهما بعد تباين منهما وإلى أن تصل إحدى العلتين إلى الأخرى المفسدة إياها فتكون ثابتة موجودة " وبذلك يحفظ نظام الأكوان والاستحالات وما يجري مجراها فقد بان أيضاً من هذا أنه لابد في اتصال الكون من حركة متصلة ولا تتصل غير المكانية والوضعية ولا من المكانية غير المستديرة فإن كان كون ما كانت حركة متصلة لا محالة.
الصفحة : 200
|
 |
|
المفضلات