 |
بتاريخ : 09-02-2012 الساعة : 09:32 AM
رقم
#1
كاتب الموضوع :
علي العذاري
|
شاملى مميز
|
الصفحة : 223
الأول أمراً آخر ينظر به إلى فوق - وأما النظر إلى أسفل واعتباره فلا: فلو أجاز أن يقع القصد الأول إلى الجهة حتى يكون تشبهاً بالأول لجاز في نفس اختيار الحركة فكانت الحركة لأجل ما يجب يفيض عنها وجود ليس تشبهاً به من حيث هو كامل الوجود معشوقه وإنما ذلك لذاته من حيث ذاته ولا مدخل البتة لوجود الأشياء عنه في تشريف ذاته وتكميلها بل المدخل أنه على كماله الأفضل وبحيث يبعث عنه وجود الكل لا طلباً وقصداً فيجب أن يكون الشوق إليه من طريق التشبه على هذه الصورة لا على ما يتعلق للأول به كمال " فإن قال قائل " إنه كما قد يجوز أن يستفيد الجرم السماوي بالحركة خيراً وكماله والحركة فعلا له مقصود فكذلك سائر أفاعيله. فالجواب أن الحركة ليست تفيد كمالاً وخيراً وإلا لانقطعت عنده بل هي نفس الكمال الذي أشرنا إليه وهي بالحقيقة استثبات نوع ما يمكن أن يكون للجرم السماوي بالفعل إذ لا يمكن استثبات الشخص له فهذه الحركة لا تشبه سائر الحركات التي تطلب كمالاً خارجاً عنها بل تكمل هذه الحركة نفس المتحرك عنها بذاتها لأنها نفس استيفاء الأوضاع والأيون على التعاقب وبالجملة يجب أن يرجع إلى ما فصلناه فيما سلف حين بينا أن هذه الحركة كيف تتبع تصور المتشوق وهذه الحركة شبيهة بالثبات " فإن قال قائل " إن هذا القول يمنع من وجوده العناية بالكائنات والتدبير المحكم الذي فيها فإنا سنذكر بعد ما يزيل هذه الأشكال ويعرف عناية الباري عز وجل بالكل على أي سبيل هي وأن عناية كل علة بما بعدها على سبيل هي وأن الكائنات التي عندنا كيف العناية بها من المبادئ الأول والأسباب المتوسطة فقد اتضح بما أوضحناه أنه لا يجوز أن يكون شيء من العلل يستكمل بالمعلول بالذات إلا بالعرض وأنها لا تقصد فعلاً لأجل المعلول وإن كان يرضى به ويعلمه بل كما أن الماء يبرد بذاته بالفعل ليحفظ نوعه لا ليتبرد غيره ولكن يلزمه أن يبرد غيره والنار تسخن بذاتها بالفعل لتحفظ نوعها لا لتسخن غيرها ولكن يلزمها أن تسخن غيرها والقوة الشهوانية تشتهي لذة الجماع لتدفع الفضل ويتم لها اللذة لا ليكون عنها ولد ولكن يلزمه ولد والصحة هي صحة بجوهرها وذاتها لا لأن تنفع المريض لكن يلزمها نفع المريض - كذلك في العلل المتقدمة إلا أن هناك إحاطة بما يكون وعلماً بأن وجه النظام والخير فيها كيف يكون وأنه على ما يكون " وليس في تلك " فإذا كان الأمر على هذا فالأجرام السماوية إنما اشتركت في الحركة المستديرة شوقاً إلى معشوق مشترك - وإنما اختلفت لأن مباديها المعشوقة المتشوق إليها قد تختلف بعد ذلك الأول وليس إذا أشكل علينا أنه كيف
الصفحة : 224
وجب على كل تشوق حركة بهذه الحال فيجب أن يؤثر ذلك فيما علمنا من أن الحركات مختلفة لاختلاف المتشوقات.
فصل في أن المعشوقات التي ذكرنا ليست أجساماً
ولكن بقي علينا شيء وهو أنه يمكن أن يتوهم المعشوقات المختلفة أجساماً لا عقولاً مفارقة حتى يكون مثلاً الجسم الذي هو أخس متشبهاً بالجسم الذي هو أقدم وأشرف كما ظنه أبو الحسن العامري القدم من أخبث المتفلسفة الإسلامية في تشويش الفلسفة إذ لم يفهم غرض الأقدمين فنقول إن هذا محال وذلك أن التشبيه به يوجب مثل حركته وجهتها والغاية التي يؤمها فإن أوجب القصور عن مرتبته شيئاً فإنما يوجب الضعف في الفعل لا المخالفة في الفعل مخالفة توجب أن يكون هذا إلى جهة وذاك إلى أخرى ولا يمكن أن يقال إن السبب في ذلك الخلاف طبيعة ذلك الجسم كأن تكون طبعية الجسم تقتضي أن يتحرك من " أ " إلى " ب " ولا تقتضي أن يتحرك من " ب " إلى " أ " فإن هذا محال فإن الجسم بما هو جسم لا يوجب هذا والطبيعة بما هي طبيعة للجسم تطلب الأين الطبيعي من غير وضع مخصوص ولو كانت تطلب وضعاً مخصوصاً لكانت تنتقل عنه قسراً فيدخل في حركة الفلك معنى قسري ثم وجود كل جزء من أجزاء الفلك على كل نسبة محتمل في طبيعة الفلك فليس يجب إذاً أن يكون إذا أزيل جزء من جهة جاز وإن أزيل من جهة لم تجز بحسب الطبع إلا أن يكون هناك طبيعة تفعل حركة إلى جهة فتميل إلى تلك الجهة ولا تميل إلى جهة أخرى إن منعت عن جهتها: وقد قلنا إن مبدأ هذه الحركة ليست طبيعة ولا أيضاً هناك طبيعة توجب وضعاً بعينه ولا جهات مختلفة فليس إذاً في جوهر الفلك طبيعة تمنع تحريك النفس له إلى أي جهة كانت وأيضاً لا يجوز أن يقع ذلك من جهة النفس حتى يكون طبعها أن تريد تلك الجهة لا محالة إلا أن يكون الغرض في الحركة مختصاً بتلك الجهة لأن الإرادة تبع للغرض وليس الغرض تبعاً للإرادة. فإذا كان هكذا كان السبب مخالفة الغرض فإذاً لا مانع من جهة الجسمية ولا من جهة الطبيعة ولا من جهة النفس إلا اختلاف الغرض. والقسر أبعد الجميع عن الإمكان فإذاً لو كان الغرض تشبهاً بعد الأول بجسم من السماوية لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم ولم يكن مخالفاً له أو أسرع منه في كثير من المواضع وكذلك إن كان الغرض لمحرك هذا الفلك التشبه بمحرك ذلك الفلك وقد كان بان أنه ليس الغرض في تلك الحركات شيئاً يتوصل إليه البتة بالحركة بل شيئاً مبايناً وبان الآن أنه ليس جسماً فبقي أن الغرض لكل فلك
الصفحة : 225
تسبه بشيء غير جواهر الأفلاك وموادها وأنفسها. ومحال أن يكون بالعنصريات وما يتولد عنها ولا أجسام ولا أنفس غير هذه فبقي أن يكون لكل واحد منها شوق تشبه بجوهر عقلي مفارق يخصه. وتختلف الحركات وأحوالها وجهاتها التي لها لأجل ذلك وإن كنا لا نعرف كيفية وجوب ذلك وكميته وتكون العلة الأولى متشوق الجميع بالاشتراك. فهذا معنى قول القدماء إن للكل محركاً واحداً معشوقاً ولكل كرة محرك يخصها ومعشوق يخصها فيكون إذاً لكل فلك نفس محركة تعقل الخير ولها بسبب الجسم تخيل أي تصور للجزيئات وإرادة للجزئيات ويكون ما يعقله من الأول من المبدأ الذي يخصه القريب منه مبدأ يشوقه إلى التحريك ويكون لكل فلك عقل مفارق نسبته إلى نفسه نسبة العقل الفعال إلى أنفسنا وأنه مثال كلي عقلي لنوع فعله فهو يتشبه به. وبالجملة فلا بد في كل متحرك منها لغرض عقلي من مبدأ عقلي يعقل الخير الأول وتكون ذاته مفارقة فقد علمت أن كل ما يعقل فهو مفارق الذات. ومن مبدأ للحركة جسماني أي مواصل للجسم فقد علمت أن الحركة السماوية نفسانية تصدر عن نفس مختارة متجددة الاختيارات على الاتصال جزئيتها فيكون عدد العقول المفارقة بعد المبدأ الأول عدد الحركات فإن كانت أفلاك المتحيرة إنما المبدأ في حركة كرات كل كوكب منها قوة تفيض من الكوكب لم يبعد أن تكون المفارقات بعدد الكواكب لها لا بعدد الكرات وكان عددها عشرة بعد الأول أولها العقل المحرك الذي لا يتحرك وتحريكه لكرة الجرم الأقصى ثم الذي هو مثله لكرة الثوابت ثم الذي هو مثله لكرة زحل - وكذلك حتى ينتهي إلى العقل الفائض على أنفسنا وهو عقل العالم الأرضي: ونسميه نحن الفعال وإن لم يكن كذلك بل كان كل كرة متحركة لها حكم في حركة نفسها ولكل كوكب كانت هذه المفارقات أكثر عدداً وكانت على مذهب المعلم الأول قريباً من خمسين فما فوقها وآخرها العقل الفعال: وقد علمت من كلامنا في الرياضات مبلغ ما ظفرنا به من عددها. السماوية والأجرام العلوية فقد صح لنا بما قدمناه من القول إن الواجب الوجود بذاته واحد وأنه ليس بجسم ولا في جسم ولا ينقسم بوجه من الوجوه. فإذاً الموجودات كلها وجودها عنه ولا يجوز أن يكون له مبدأ بوجه من الوجوه ولا سبب لا الذي عنه ولا الذي فيه أو به يكون ولا الذي له حتى يكون لأجل شيء فلهذا لا يجوز أن يكون كون الكل عنه على سبيل قصد منه كقصدنا لتكوين الكل لوجود الكل فيكون قاصداً لأجل شيء غيره - وهذا الفصل قد فرغنا عن تقريره في غيره وذلك فيه أظهر
الصفحة : 226
ويخصه من بيان امتناع أن يقصد وجود الكل عنه أن ذلك يؤدي إلى تكثر ذاته. فإنه حينئذ يكون فيه شيء بسببه يقصد وهو معرفته وعلمه بوجوب القصد أو استحبابه أو خيرية فيه توجب ذلك ثم قصد ثم فائدة يفيدها إياه القصد على ما أوضحنا قبل وهذا محال وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ولا رضاً منه وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلاً محضاً ومبدأ أولاً وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه وذاته عالمة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير وأن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاتها وكل ذات يعلم ما يصدر عنه ولا يخالطه معاوقة ما بل يكون على ما أوضحناه فإنه راضٍ بما يكون عنه فالأول راض بفيضان الكل عنه ولكن الحق الأول إنما عقله الأول وبالذات أنه يعقل ذاته التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون لا عقلاً خارجاً عن القوة إلى الفعل ولا عقلاً متنقلاً من معقول إلى معقول فإن ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه على ما أوضحنا قبل بل عقلاً واحداً معاً ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود إذ يعقل أنه كيف يمكن. وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله فإن الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها على ما علمت علم وقدرة وإرادة - وأما نحن فنحتاج في تنفيذ ما نتصوره إلى قصد وإلى حركة وإرادة حتى يوجد وهو لا يحسن فيه ذلك ولا يصح لبراءته عن الاثنينية على ما أطنبنا في بيانه فنعقله علة للوجود على ما يعقله ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده وتبع لوجوده لا أن وجوده لأجل وجوده شيء آخر غيره وهو فاعل الكل بمعنى أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضاً تاماً مبايناً لذاته ولأن كون ما تكون عن الأول إنما هو على سبيل اللزوم إذ صح أن الواجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته. وفرغنا من بيان هذا العرض قبل فلا يجوز أن يكون أول الموجودات عنه وهي المبدعات كثيرة لا بالعدد ولا بالانقسام إلى مادة وصورة لأنه يكون لزوم ما يلزم عنه هو لذاته لا لشيء آخر والجهة والحكم الذي في ذاته الذي منه يلزم هذا الشيء ليست الجهة والحكم الذي يلزم عنه لا هذا الشيء بل غيره فإن لزم منه شيئان متباينان بالقوام أو شيئان متباينان يكون منهما شيء واحد مثل مادة وصورة لزوماً معاً فإنما يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته وتانك الجهتان إذا كانت لا في ذاته بل لازمتين لذاته فالسؤال في لزومهما ثابت حتى يكونا في
الصفحة : 227
ذاته فيكون ذاته منقسماً بالمعنى. وقد منعنا هذا قبل وبينا فساده. فبين أن أول الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد وذاته وماهيته موجودة لا في مادة فليس شيء من الأجسام ولا من الصور التي هي كمالات الأجسام معلولاً قريباً له بل المعلول الأول عقل محض لأنه صورة لا في مادة وهو أول العقول المفارقة التي عددناها ويشبه أن يكون هو المبدأ المحرك للجرم الأقصى على سبيل التشويق. ولكن القائل أن يقول إنه لا يمتنع أن يكون الحادث عن الأول صورة مادية لكنها يلزم عنها وجود مادتها فنقول إن هذا يوجب أن تكون الأشياء التي بعد هذه الصورة وهذه المادة ثالثة في درجة المعلولات وأن يكون وجودها بتوسط المادة فتكون المادة سبباً لوجود صور الأجسام الكثيرة في العالم وقواها وهذا محال إذ المادة وجودها أنها قابلة فقط وليست سبباً لوجود شيء من الأشياء على غير سبيل القبول فإن كان شيء من المواد ليس هكذا. فليس هو مادة إلا باشتراك الاسم فيكون إن كان الشيء المفروض ثانياً ليس على صفه المادة إلا باشتراك الاسم فالمعلول الأول لا يكون نسبته إليه على أنه صورة في مادة إلا باشتراك الاسم فإن كان هذا الثاني من جهة توجد عنه هذه المادة ومن جهة أخرى توجد عنه صورة شيء آخر حتى لا تكون الصورة الأخرى موجودة بتوسط المادة كانت الصورة المادية تفعل فعلاً لا يحتاج فيه إلى المادة وكل شيء يفعل فعله من غير أن يحتاج إلى المادة فذاته أولاً غنية عن المادة فتكون الصورة المادية غنية عن المادة. وبالجملة فإن الصورة المادية وإن كانت على للمادة في أن تخرجها إلى الفعل وتكملها فإن للمادة تأثيراً في وجودها وهو تخصيصها وتعيينها وإن كان مبدأ الوجود من غير المادة كما قد علمت ستكون لا محالة كل واحد منهما علة للأخرى في شيء وليستا من جهة واحدة ولولا ذلك لاستحال أن يكون للصورة المادية تعلق بالمادة بوجه من الوجوه وكذلك قد سلف منا القول أن المادة لا يكفي في وجودها الصورة فقط بل الصورة كجزء العلة وإذا كان كذلك فليس يمكن أن نجعل الصورة من كل وجه علة للمادة مستغنية بنفسها. فبين أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول صورة مادية أصلاً بل عقلاً. وأنت تعلم أن ههنا عقولاً ونفوساً مفارقة كثيرة فمحال أن يكون وجودها مستفاداً بتوسط ما ليس له وجود مفارق لكنك تعلم أن في جملة الموجودات عن الأول أجساماً إذ علمت أن كل جسم ممكن الوجود في حد نفسه وأنه يجب بغيره وعلمت أنه لا سبيل إلى أن تكون الواسطة واحدة محضة. فقد علمت أن الواحد من حيث هو واحد إنما يوجد عنه واحد فبالحري أن تكون الأجسام عن المبدعات الأولى بسبب
الصفحة : 228
اثنينية يجب أن تكون فيها ضرورة أو أكثر كيف كانت ولا يمكن في العقول المفارقة شيء من الكثرة إلا على ما أقول إن المعلول بذاته ممكن الوجود وبالأول واجب الوجود " ووجوب وجوده بأنه عقل " وهو يعقل ذاته. ويعقل الأول ضرورة. فيجب أن يكون فيه من الكثرة معنى عقله لذاته ممكنة الوجود في حد نفسها وعقله وجوب وجوده من الأول المعقول بذاته وعقله الأول وليست الكثرة له عن الأول فإن إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب الأول بل له من الأول وجوب وجوده ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب حدوثه عن الأول ونحن لا نمنع أن يكون عن شيء واحد ذات واحدة ثم يتبعها كثرة إضافية - ليست في أول وجوده وداخلة في مبدأ قوامه بل يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد ثم ذلك الواحد يلزمه حكم وحال أو صفة أو معلول. ويكون ذلك أيضاً واحداً ثم يلزمه عنه بمشاركة ذلك اللازم شيء فتنبع من هناك كثرة كلها تلزم ذاته فيجب إذاً أن يكون مثل هذه الكثرة هي العلة لإمكان وجود الكثرة معاً عن المعلولات الأولى ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا وحدة ولا يمكن أن يوجد عنها جسم. ثم لا إمكان كثرة هناك إلا على هذا الوجه فقط: وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد فليست إذاً موجودة معاً عن الأول بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه. ثم يتلوه عقل وعقل ولأن تحت كل عقل فلكاً بمادته وصورته التي هي النفس وعقلاً دونه فتحت كل عقل ثلاثة أشياء في الوجود فيجب أن يكون إمكان وجوده هذه الثلاثة عن ذلك العقل الأول في الإبداع لأجل التثليث المذكور فيه والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة فيكون إذاً العقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك الأقصى وكمالها وهي النفس وبطبيعة إمكان الوجود الحاصلة المندرجة في تعلقة لذاته وجود جرمية الفلك الأقصى المندرجة في جملة ذات الفلك الأقصى بنوعه وهو الأمر المشابك للقوة فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل وبما يختص بذاته على جهتيه الكثيرة الأولى بجزأيها أعني المادة والصورة والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذي يحاذى صورة الفلك وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدير أنفسنا وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق فإنا نقول إنه إن لزم وجود كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة وقولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة فنلزم كثرته هذه المعلولات ولا
الصفحة : 229
هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقاً. ولنبتدئ لبيان هذا المعنى بياناً آخر فنقول إن الأفلاك كثيرة فوق العدد الذي في المعلول الأول من جهة كثرته المذكورة وخصوصاً إذا فصل كل فلك إلى صورته ومادته فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحداً هو المعلول الأول. ولا أيضاً يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر وذلك لأن الجرم بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم وبما له قوة نفسانية لا يجوز أن يكون مبدأ جرم ذي نفس أخرى وذلك لانا بينا إن كل نفس لكل فلك فهو كماله وصورته فليس جوهراً مفارقاً وإلا لكان عقلاً لا نفساً وكان لا يحرك البتة إلا على سبيل تشويق وكان لا يحدث فيه من حركة الجرم تغير ومن مشاركة الجرم تخيل وتوهم. وقد ساقنا النظر إلى إثبات هذه الأحوال لأنفس الأفلاك كما علمت. وإذا كان الأمر على هذا فلا يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال في أجسام أخرى غير أجسامها إلا بوساطة أجسامها فإن صور الأجسام وكمالاتها على صنفين - أما صور قوامها بمواد تلك الأجسام فكما أن قوامها بمواد تلك الأجسام فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بوساطة مواد تلك الأجسام - ولهذا السبب فإن النار لا تسخن حرارتها أي شيء اتفق بل ما كان ملاقياً لجرمها أو من جسمها بحال والشمس لا تضيء كل شيء بل ما كان مقابلاً لجرمها. وأما صور قوامها بذاتها لا بمواد الأجسام كالأنفس. ثم كل نفس فإنما جعلت خاصة بجسم بسبب أن فعلها بذلك الجسم وفيه ولو كانت مفارقة الذات والفعل جميعاً لذلك الجسم لكانت نفس كل شيء لأنفس ذلك الجسم فقط. فقد بان على الوجوه كلها أن القوى السمائية المتعلقة بأجسامها لا تفعل إلا بوساطة جسمها ومحال أن تفعل بوساطة الجسم نفساً لأن الجسم لا يكون متوسطاً بين نفس ونفس. فإن كانت تفعل نفساً بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم واختصاص بفعل مفارق لذاتها ولذات الجسم وهذا غير الأمر الذي نحن في ذكره وإن لم تفعل نفساً لم تفعل جرماً سماوياً لأن النفس متقدمة على الجسم في المرتبة والكمال فإن وضع لكل فلك شيء يصدر عنه في فلكه شيء وأثر من غير أن يستغرق ذاته في شغل ذلك الجرم وبه ولكن ذاته مباينة في القوام. وفي الفعل لذلك الجسم فنحن لا نمنع هذا. وهذا هو الذي نسميه العقل المجرد ونجعل صدور ما بعده عنه ولكن هذا غير المنفعل عن الجسم وغير المشارك إياه والصائر صورة خاصة به. والكائن على الجهة التي حدثنا عنه حين أثبتنا هذه النفس فقد بان ووضح أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية وغير صور
الصفحة : 230
الأجسام وإن كل فلك يختص بمبدأ منها والجميع يشترك في مبدأ واحد.
فصل في طريق ثالث للبرهنة على العقول المفارقة
ومما لا شك فيه أن ههنا عقولاً بسيطة مفارقة وتحدث مع حدوث أبدان الناس ولا تفسد بل تبقى. وقد بين ذلك في العلوم الطبيعية وليست صادرة على العلة الأولى لأنها كثيرة مع وحدة النوع ولأنها حادثة ليست بمعلولات قريبة لهذا المعنى. وهو أن الكثرة في عدد المعلولات القريبة محال فهي إذا معلولات الأول يتوسط ولا يجوز أن تكون العلل الفاعلية المتوسطة بين الأول وبينها دونها في المرتبة فلا تكون عقولاً بسيطة ومفارقة فإن العلل المعطية للوجود أكمل وجوداً وأما القابلة للوجود فقد تكون أخس وجوداً فيجب إذاً أن يكون المعلول الأول عقلاً واحداً بالذات ولا يجوز أيضاً أن يكون عنه كثرة متفقة النوع وذلك لأن المعاني المتكثرة التي فيه وبها يمكن وجود الكثرة عنه إن كانت مختلفة الحقائق كان ما يقتضيه كل واحد منها شيئاً غير ما يقتضي الآخر في النوع فلم يلزم كل واحد منها ما يلزم الآخر بل طبيعة أخرى وإن كانت متفقة الحقائق فبماذا تخالف وتكثرت ولا انقسام بمادة هناك - فإذاً المعلول الأول لا يجوز عنه وجوب كثرة إلا مختلفة النوع فليست هذه الأنفس الأرضية أيضاً كائنة عن المعلول الأول بلا توسط على أخرى موجودة وكذلك عن كل معلول أول عال حتى ينتهي إلى معلول يكون عنه كون الاسطقسات القابلة للكون والفساد المتكثرة بالعدد والنوع معاً فيكون تكثر القابل سبباً لتكثر فعل مبدأ واحد باللذات وهذا بعد استتمام وجود السماويات كلها فيلزم دائماً عقل بعد عقل حتى تتكون كرة القمر. ثم تتكون الاسطقسات وتتهيأ لقبول تأثير واحد بالنوع كثير بالعدد من العقل الأخير فإنه إذا لم يكن السبب في الفاعل وجب أن يكون في القابل ضرورة. فإذاً يجب أن يحدث عن كل عقل عقل تحته. ويقف بحيث يمكن أن تحدثه الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد لتكثر الأسباب فهناك تنتهي. فقد بان واتضح أن كل عقل هو أعلى في المرتبة فإنه لمعنى فيه وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه وجرمه وجرم الفلك كأن عنه ومستبقى بتوسط النفس الفلكية فإن كل صورة فهي علة لأن تكون مادتها بالفعل لأن المادة بنفسها لا قوام لها.
الصفحة : 231
فصل في حال تكون الأسطقسات عن العلل الأول
فإذا استوفت الكرات السماوية عددها لزم بعدها وجود الاسطقسات وذلك لأن الأجسام الاسطقسية كائنة فاسدة فيجب أن تكون مباديها القريبة أشياء تقبل نوعاً من التغير والحركة وأن لا يكون ما هو عقل محض وحده سبباً لوجودها وهذا يجب أن يتحقق من الأصول التي أكثرنا التكرار فيها وفرغنا من تقريرها ولهذه الاسطقسات مادة تشترك فيها وصور تختلف بها فيجب أن يكون اختلاف صورها مما يعين فيه اختلاف في أحوال الأفلاك وأن يكون اتفاق مادتها مما يعين فيه اتفاق في أحوال الأفلاك. والأفلاك تتفق في طبيعة اقتضاء الحركة المستديرة فيجب أن يكون مقتضى تلك الطبيعة يعين في وجود المادة ويكون ما تختلف فيه مبدأ تهيؤ المادة للصور المختلفة لكن الأمور الكثيرة المشتركة في النوع والجنس لا تكون وحدها بلا مشاركة من واحد معين علة لذات هي في نفسها متفقة واحدة وإنما يقيمها غيرها فلا يوجد إذاً هذا الواحد عنها إلا بارتباط بواحد يردها إلى أمر واحد. فيجب أن تكون العقول المفارقة بل آخرها الذي يليثا هو الذي يفيض عنه بمشاركة الحركات السماوية شيء فيه رسم صور العالم الأسفل من جهة الانفعال كما أن في ذلك العقل أو المعقول رسم الصور على جهة التفعيل ثم تفيض منه الصور فيها بالتخصيص لا بانفراد ذاته فإن الواحد في الواحد يفعل كما علمت واحداً بل بمشاركة الأجسام السماوية. فيكون إذا خصص هذا الشيء تأثير من التأثيرات السماوية بلا واسطة جسم عنصري أو بواسطته فيجعله على استعداد خاص بعد العام الذي كان في جوهره فاض عن هذا المفارق صورة خاصة وارتسمت في تلك المادة. وأنت تعلم أن الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد بأمر دون أمر يكون له بل يحتاج إلى أن يكون هناك مخصصات مختلفة ومخصصات المادة معدات والمعد هو الذي يحدث منه في المستعد أمر ما يصير مناسبته بذلك الأمر لشيء بعينه أولى من مناسبته لشيء آخر ويكون هذا الإعداد مرجحاً لوجود ما هو أولى فيه من الأوائل الواهبة للصور ولو كانت المادة على التهيؤ الأول لتشابهت نسبتها إلى الضدين فما ترجح أحدهما - اللهم إلا بحال تختلف به المؤثرات فيه وذلك الاختلاف أيضاً منسوب إلى جميع المواد نسبة واحدة فلا يجوز أن يختص بموجبه مادة دون مادة إلا لأمر أيضاً يكون في تلك المادة وليس الاستعداد الكامل وليس الاستعداد إلى مناسبة كاملة لشيء بعينه هو المستعد له وهذا مثل أن الماء إذا أفرط تسخينه فاجتمعت السخونة الغريبة والصورة المائية وهي بعيدة
الصفحة : 232
المناسبة للصورة المائية وشديدة المناسبة للصورة النارية فإذا أفرط ذلك واشتدت المناسبة اشتد الاستعداد فصار من حق الصور النارية أن تفيض ومن حق هذه أن تبطل ولأن المادة ليست تبقى بلا صورة فليس قوامها عما تنسب إليه من المبدأ الأول وحده بل عنه وعن الصورة ولأن الصورة التي تقيم هذه المادة الآن قد كانت المادة قائمة دونها فليس قوامها عن الصورة وحدها بل بها وبالمبادئ الباقية بوساطتها أو لواسطة أخرى مثلها فلو كانت عن المبادئ الأول وحدها لاستغنت عن الصورة. ولو كانت عن الصورة وحدها لما سبقت الصورة بل كما أن المتفق فيه من الحركة المستديرة هناك يلزم طبيعة تقيمها الطبائع الخاصية بفلك فلك فكذلك المادة ههنا يقيمها مع الطبيعة المشتركة ما يكون عن الطبائع الخاصية وهي الصورة وكما أن الحركة أخس الأحوال هناك فكذلك المادة أخس الذوات ههنا وكما أن الحركة هناك تابعة لطبيعة ما بالقوة فكذلك المادة ههنا موافقة لما بالقوة - وكما أن الطبائع الخاصية والمشتركة هناك مبادئ أو معينات للطبيعة الخاصة والمشتركة ههنا فكذلك ما يلزم الطبائع الخاصية والمشتركة هناك من النسب المختلفة المتبدلة الواقعة فيها بسبب الحركة مبدأ لتغير الأحوال وتبدلها ههنا كذلك امتزاح نسبها هناك سبب لامتزاج هذه العناصر أو معين وللأجسام السماويات تأثير في أجسام هذا العالم بالكيفيات التي تخصها وتسري منها إلى هذا العالم. ولأنفسها تأثيراً أيضاً في أنفس هذا العالم. وبهذه المعاني نعلم أن الطبيعة التي هي مدبرة لهذه الأجسام كالكمال والصور حادثة عن النفس الفاشية في الفلك أو بمعونتها. وقال قوم من المنتسبين إلى العلم إن الفلك لأنه مستدير يجب أن يستدير على شيء ثابت في حشوه فيلزم محاكته له التسخين حتى يستحيل ناراً. وما يبعد عنه يبقى ساكناً فيصير إلى التبرد والتكثيف حتى يصير أرضاً وما يلي النار يكون حاراً ولكنه أقل حراً من النار وما يلي الأرض يكون كثيفاً ولكن أقل تكثفاً من الأرض وقلة الحر وقلة التكثف يوجبان الترطيب فإن اليبوسة إما عن الحر وإما عن البرد لكن الرطب الذي يلي الأرض هو أبرد والذي يلي النار هو أحر - فهذا سبب تكوين العناصر وما قد قالوا ليس مما يمكن أن يصح بالكلام القياسي ولا هو بسديد عند التفتيش ويشبه أن يكون الأمر على قانون آخر وأن تكون هذه المادة التي تحدث بالشركة تفيض إليها من الأجرام السماوية إما عن أربعة أجرام وإما عن عدة منحصرة في أربع جمل عن كل واحد منها ما يهيئه لصورة جسم بسيط فإذا استعد نال الصورة من واهب الصور أو يكون ذلك كله يفيض عن جرم واحد وأن يكون هناك سبب
الصفحة : 233
يوجب انقساماً من الأسباب الخفية علينا فإنك إن أردت أن تعرف ضعف ما قالوا فتأمل أنهم يوجبون أن يكون الوجود أولاً لجسم وليس له في نفسه إحدى الصور المقومة غير الصور الجسمية - وإنما تكتسب سائر الصور بالحركة والسكون ثانياً وبينا نحن استحالة هذا وبينا أن الجسم لا يستكمل له وجود لمجرد الصورة الجسمية ما لم تقرن بها صورة أخرى وليست صورته المقيمة للهيولى الأبعاد فقط فإن الأبعاد تتبع في وجودها صوراً أخرى تسبق الأبعاد إلى الهيولى - وإن شئت فتأمل حال التخلخل من الحرارة والتكاثف من البرودة بل الجسم لا يصير جسماً حتى يصير بحيث يتبع غيره في الحركة إلا وقد تمت طبيعته لكن يجوز أن يكون إذا تمت طبيعته يستحفظ بأصلح المواضع لاستحفاظها فإن الحار يستحفظ حيث الحركة والبارد يستحفظ حيث السكون. ثم لا يفكرون أنه لم وجب لبعض تلك المادة أن هبط إلى المركز فعرض له البرد. وبعضه إن جاور الفوق. أما الآن فإن السبب في ذلك معلوم - أما في الكليات فالخفة والثقل وأما في جزئي عنصر واحد فلأنه قد صح أن أجزاء العناصر كائنة وأنه إذا تكون جزء منه في موضع ضرورة لزم أن يكون سطح منها إلى الفوق إذا تحرك إلى فوق كان ذلك السطح أولى بالفوقية من السطح الآخر - وأما في أول تكونه فإنما يصير سطح منه إلى فوق سطحاً إلى أسفل لأنه لا محالة قد استحال بحركة ما وأن الحركة أوجبت له ضرورة وضعاً ما. والأشبه عندي ما قد ذهبنا إليه وأظن أن الذي قال ذلك في تكون الاسطقسات إنما رام تقريباً للأمر عند بعض من كاتبه من العاميين فجزم عليه القول من تأخر عنه على أن كاتب ذلك الكلام شديد التذبذب والاضطراب.
الصفحة : 234
فصل في العناية وبيان دخول الشر في القضاء الإلهي
وخليق بنا إذ بلغنا هذا الموضع أن نحقق القول في العناية ولا نشك أنه قد اتضح لك فيما سلف منا بيانه أن العلل العالية لا يجوز أن تعمل ما تعمل من العناية لأجلنا. أو تكون بالجملة يهمها شيء ويدعوها داع ويعرض عليها إيثار ولا لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكون العالم وأجزاء السماويات وأجزاء النبات والحيوان مما لا يصدر اتفاقاً بل يقتضي تدبيراً ما فيجب أن تعلم أن العناية هي كون الأول عالماً لذاته بما عليه الوجود من نظام الخير وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان وراضياً به على النحو المذكور فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان فيفيض عنه ما يعقل نظاماً ما وخيراً على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضاناً على أتم تأدية إلى النظام بحسب الإمكان - فهذا هو معنى العناية - واعلم أن الشر على وجوه فيقال شر للنقص الذي هو مثل الجهل والضعف والتشويه في الخلقة. ويقال شر لما هو مثل الألم والغم الذي يكون هناك إدراكاً ما لسبب لا فقد شيء فقط فإن السبب المنافي للخير المانع للخير والموجب لعدمه ربام كان لا يدركه المضرور كالسحاب إذا ظلل فمنع شروق الشمس عن المحتاج إلى أن يستكمل بالشمس فإن كل هذا المحتاج دراكاً أدرك أنه غير منتفع ولم يدرك ذلك من حيث أن السحاب قد حال بل من حيث هو مبصر وليس هو من حيث هو مبصر متأذياً بذلك متضرراً أو منتقصاً بل من حيث هو شيء آخر: وربما كان مواصلاً يدركه مدرك عدم السلامة كمن يتألم بفقدان اتصال عضو بحرارة ممزقة فإنه من حيث يدرك فقدان الاتصال بقوة في نفس ذلك العضو يدرك المؤذي الحار أيضاً. فيكون قد اجتمع هناك إدراكان إدراك على نحو ما سلف من إدراكنا الأمور العدمية. وإدراك على نحو ما سلف من إدراكنا الأشياء الوجودية: وهذا المدرك الوجودي ليس شراً في نفسه بل شراً بالقياس إلى هذا الشيء - وأما عدم كماله وسلامته فليس شراً بالقياس إليه فقط حتى يكون له وجود ليس هو به شراً إذ ليس نفس وجوده شراً فيه وعلى نحو كونه شراً فإن العمى لا يجوز أن يكون إلا في العين ومن حيث هو في العين لا يجوز أن يكون إلا شراً وليس له جهة أخرى يكون بها غير شر وأما الحرارة مثلاً إذا صارت شراً إلى المتألم بها فلها جهة أخرى تكون بها غير شر والشر بالذات هو العدم ولا كل عدم بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته. والشر بالعرض هو
الصفحة : 235
المعدم أو الحابس للكمال عن مستحقه ولا خبر عن عدم مطلق إلا عن لفظه فليس هو بشيء حاصل. ولو كان له حصول ما لكان الشر العام فكل شيء وجوده على كمال الأقصى وليس فيه ما بالقوة فلا يلحقه شر وإنما يلحق الشر ما في طباعه ما بالقوة وذلك لأجل المادة والشر يلحق المادة إما من أول يعرض لها أو لأمر طارئ بعده. فأما الأمر الذي في نفسه قد عرض للمادة أولاً فأن يكون قد عرض لمادة ما في أول وجودها بعض أسباب الشر الخارجة فتمكن منها هية من الهيئات فتلك الهيئة تمانع استعدادها الخاص للكمال الذي منيت بشر يوزايه. مثل المادة التي تتكون منها إنسان أو فرس إذا عرض لها من الأسباب الطارئة ما جعلها أردى مزاجاً وأعصى جوهراً فلم تقبل التخطيط والتشكيل والتقويم فتشوهت الخلقة. ولم يوجد المحتاج إليه من كمال المزاج والبنية لا أن الفاعل حرم بل لأن المنفعل لم يقبل - وأما الأمر الطارئ من خارج فأحد شيئين إما مانع وحائل ومبعد للمكمل - وإما مضاد واصل ممحق للكمال. مثال الأول وقوع سحب كثيرة وتراكمها وأظلال جبال شاهقة تمنع تأثير الشمس في الثمار على الكمال ومثال الثاني حبس البرد للنبات المصيب لكماله في وقته حتى يفسد الاستعداد الخاص وما يتبعه وجميع سبب الشر إنما يوجد فيما تحت فلك القمر وجملة ما تحت القمر طفيف بالقياس إلى سائر الوجود كما علمت. ثم أن الشر إنما يصيب أشخاصاً إلا نوعاً من الشر. واعلم أن الشر الذي هو بمعنى العدم إما أن يكون شراً بحسب أمر واجب أو نافع قريب من الواجب - وإما أن لا يكون شراً بحسب ذلك بل شراً بحسب الأمر الذي هو ممكن في الأقل. ولو وجد كان على سبيل ما هو فضل من الكمالات التي بعد الكمالات الثانية ولا مقتضى له من طباع الممكن الذي هو فيه. وهذا القسم غير الذي نحن فيه وهو الذي استثنيناه هذا وليس هو شراً بحسب النوع بل بحسب اعتبار زائد على واجب النوع كالجهل بالفلسفة أو الهندسة أو غير ذلك فإن ذلك ليس شراً من جهة ما تحن ناس بل هو شر بحسب كمال الأصلح في أن يعم وستعرفه. وإنما يكون بالحقيقة شراً إذا اقتضاه شخص إنسان أو شخص نفس وإنما يقتضيه الشخص لا لأنه إنسان أو نفس بل لأنه قد ثبت عنده حسن ذلك واشتاق إليه واستعد لذلك الاستعداد كما سنشرح لك بعد - وأما قبل ذلك فليس مما ينبعث إليه مقتضى طبيعة النوع انبعاثه إلى الكمالات الثانية التي تتلو الكمالات الأول فإذا لم يكن كان عدماً في أمر مقتضى في الطباع فالشر في أشخاص الموجودات قليل ومع ذلك فإن وجود ذلك الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى
الصفحة : 236
الخير فإن هذه العناصر لو لم تكن بحيث تتضاد وتنفعل عن الغالب لم يكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة ولو لم يمكن النار منها بحيث إذا تأدت بها المصادمات الواقعة في مجرى الكل على الضرورة إلى ملاقاة رداء رجل شريف وجب إحراقه لم تكن النار منتفعاً بها النفع العام. فوجب ضرورة أن يكون الخير الممكن في هذه الأشياء إنما يكون خيراً بعد أن يمكن وقوع مثل هذا الشر عنه ومعه وإفاضته الخير لا يوجب أن يترك الخير الغالب لشر يندر فيكون تركه شراً من ذلك الشر لأنه عدم ما يمكن في طباع المادة وجوده إذا كان عدمين شر من عدم واحد. ولهذا ما يؤثر العاقل الإحراق بالنار بشرط أن يسلم منها حياً على الموت بلا ألم فلو ترك هذا القبيل من الخير لكان يكون ذلك شراً فوق هذا الشر الكائن بإيجاده وكان في مقتضى العقل المحيط بكيفية وجوب الترتيب في نظام الخير أن يعقل استحقاق مثل هذا النمط من الأشياء وجوداً مجوزاً ما يقع معه من الشر ضرورة فوجب أن يفيض وجوده فإن قال قائل وقد كان جائزاً في مثل هذا النمط من الوجود. وإن كان جائزاً في الوجود المطلق على أنه إن كان ضرب من الوجود المطلق مبرأ فليس هذا الضرب وذلك مما قد فاض عن المدبر الأول ووجد في الأمور العقلية والنفسية والسماوية وبقي هذا النمط في الإمكان ولم يكن ترك إيجاده لأجل ما قد يخالطه من الشر الذي إذا لم يكن مبدؤه موجوداً أصلاً وترك لئلا يكون هذا الشر كان ذلك شراً من أن يكون هو فكونه خير الشرين ولكان أيضاً يجب أن لا توجد الأسباب الجزئية التي هي نيل هذه الأسباب التي تؤدي إلى الشر بالعرض فإن وجود تلك مستتبع لوجود هذه فكان فيه أعظم خلل في نظام الخير الكلي بل وإن لم نلتفت إلى ذلك وصيرنا التفاتنا إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود إلى أصناف الموجودات المختلفة في أحوالها فكان الوجود المبرأ من الشر قد حصل وبقي نمط من الوجود إنما يكون على هذه السبيل ولا كونه أعظم شراً من كونه فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض عنه الوجود الذي هو أصوب على النمط الذي قيل بل نقول من رأس إن الشر يقال على وجوه يقال شر للأفعال المذمومة ويقال شر لمباديها من الأخلاق ويقال شر للآلام والغموم وما يشبهها ويقال شر لنقصان كل شيء عن كمال وفقدانه ما من شأنه أن يكون له وكأن الآلام والغموم وإن كانت معانيها وجودية ليست إعداماً فإنها تتبع الإعدام والنقصان والشر الذي هو في الأفعال أيضاً إنما هو بالقياس إلى من يفقد كماله بوصول ذلك إليه مثل الظلم أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال يجب في السياسة المدنية كالزنا وكذلك الأخلاق إنما هي شرور
الصفحة : 237
بسبب صدور هذه عنها وهي مقارنة لإعدام النفس كمالات يجب أن يكون لها ولا نجد شيئاً مما يقال له شر بالأفعال إلا وهو كمال بنسبة الفاعل إليه وإنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له أو بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة التي أولى بها من هذا الفعل والظلم يصدر مثلاً عن قوة طلابة للغلبة وهي الغضبية والغلبة هي كمالها ولذلك خلقت من حيث هي غضبية أعني خلقت لتكون متوجهة إلى نحو الغلبة تطلبها وتفرح بها فهذا الفعل بالقياس إليها خير لها وإن ضعفت عنه فهو بالقياس إليها شر لها إنما هي شر للمظلوم أو للنفس النطقية التي كمال كسر هذه القوة والاستيلاء عليها فإن عجزت عنه كان شراً لها - وكذلك السبب الفاعل للآلام والأحزان كالنار إذا أحرقت فإن الإحراق كمال النار لكنه شر بالقياس إلى من سلب سلامته بذلك لفقدانه ما فقد - وأما الشر الذي سببه النقصان وقصور يقع في الجبلة ليس لأن فاعلاً فعله بل لأن الفاعل لم يفعله فليس ذلك بالحقيقة خيراً بالقياس إلى شيء: فأما الشرور التي تتصل بأشياء هي خيرات فإنما هي من سببين سبب من جهة المادة فإنها قابلة للصورة وللعدم سبب من الفاعل فإنه لما وجب أن تكون عنه الماديات وكان مستحيلاً أن تكون للمادة وجود الوجود الذي يعني غناء المادة ويفعل فعل المادة إلا وأن يكون قابلاً للصورة والعدم وكان مستحيلاً أن لا يكون قابلاً للمتقابلات. وكان مستحيلاً أن تكون للقوى الفعالة أفعال مضادة لأفعال أخرى قد حصل وجودها وهي لا تفعل فعلها فإنه من المستحيل أن يخلق ما يراد منه الغرض المقصود بالنار وهي لا تحرق: ثم كأن الكل إنما يتم بأن يكون فيه مسخن وأن يكون فيه متسخن لم يكن بد من أن يكون الغرض النافع في وجود هذين يستتبع آفات تعرض من الإحراق والاحتراق كمثل إحراق النار عضو إنسان ناسك لكن الأمر الأكثري هو حصول الخير المقصود في الطبيعة والأمر الدائم أيضاً أما الأكثري فإن أكثر أشخاص الأنواع في كنف السلامة من الاحتراق. وأما الدائم فلأن أنواعاً كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود مثل النار على أن تكون حرقة. وفي الأقل ما يصدر عن النيران من الآفات التي تصدر عنها وكذلك في سائر الأسباب المشابهة لذلك فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأغراض شرية أقلية فأريدت الخيرات الكائنة عن هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال إن الله تعالى يريد الأشياء ويريد الشر أيضاً على الوجه الذي بالعرض إذ علم أنه يكون ضرورة فلم يعبأ به فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض. وكل بقدر وكذلك فإن المادة قد علم من أمرها أنها تعجز عن أمور
الصفحة : 238
وتقصر عنها الكمالات في أمور لكنها يتم لها ما لا نسبة له كثرة إلى ما يقصر عنها. فإذا كان كذلك فليس من الحكمة الإلهية أن تترك الخيرات الثابتة الدائمة والأكثرية لأجل شرور في أمور شخصية غير دائمة بل نقول إن الأمور في الوهم إما أمور إذا توهمت موجودة وجودها يمتنع أن يكون إلا شراً على الإطلاق. وإما أمور وجودها أن يكون خيراً ويمتنع أن يكون شروراً وناقصة - وإما أمور تغلب فيها الخيرية إذا وجدت وجودها ولا يمكن غير ذلك بطباعها. وإما أمور تغلب فيها الشرية. وإما أمور متساوية الحالين. فأما ما لا شر فيه فقد وجد في الطباع - وأما ما كله شر أو الغالب فيه أو المساوي أيضاً فلم يوجد. وأما الذي الغالب في وجوده الخير فالأحرى به أن يوجد إذا كان الأغلب فيه أنه خير. فإن قيل فلم لم تمنع الشرية عنه أصلاً حتى كان يكون كله خيراً فيقال فحينئذ لم تكن هي هي إذ قلنا إن وجودها الوجود الذي يستحيل أن يكون بحيث لا يعرض عنها شر فإذا صيرت بحيث لا يعرض عنها شر فلا يكون وجودها الوجود الذي لها بل يكون وجود أشياء أخرى وجدت وهي غيرها وهي حاصلة أعني ما خلق بحيث لا يلزمه شر ومثال هذا أن النار إذا كان وجودها أن تكون محرقة وكان وجود المحرق هو أنه إذا مس ثوب الفقير أحرقه إذ كان وجود ثوب الفقير أنه قابل للاحتراق. وكان وجود كل واحد منهما أن تعرض له حركات شتى وكان وجود الحركات الشتى في الأشياء على هذه الصفة وجوداً يعرض له الالتقاء وكان وجود الالتقاء من الفاعل والمنفعل بالطبع وجوداً يلزمه الفعل والانفعال فإن لم تكن الثواني لم تكن الأوائل فالكل إنما رتبت فيها القوى الفعالة والمنفعلة السماوية والأرضية الطبيعية والنفسانية بحيث يؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن تحدث في نفس صورة اعتقاد ردي أو كفر أو شر آخر في نفس أو بدن بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة وقيل خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وخلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي وقيل كل ميسر لما خلق له " فإن قال قائل " ليس الشر شيئاً نادراً أو أقلياً بل هو أكثري فليس كذلك بل الشر كثير وليس بأكثري. وفرق بين الكثير والأكثري فإن ههنا أموراً كثيرة هي كثيرة وليست أكثرية كالأمراض فإنها كثيرة وليست أكثرية. فإذا تأملت هذا الصنف الذي نحن في ذكره من الشر وجدته أقل من الخير الذي يقابله ويوجد في مادته فضلاً عنه بالقياس إلى الخيرات الأخرى الأبدية نعم الشرور التي هي نقصانات
الصفحة : 239
الكمالات الثانية فهي أكثرية لكنها ليست من الشرور التي كلامنا فيها. وهذه الشرور مثل الجهل بالهندسة ومثل فوت الجمال الرائع وغير ذلك مما لا يضر في الكمالات الأولى ولا في الكمالات التي تليها فيما يظهر منفعتها وهذه الشرور ليست بفعل فاعل بل لأن لا يفعل الفاعل لأجل أن القابل ليس مستعداً أو ليس يتحرك إلى القبول وهذه الشرور هي إعدام خيرات من باب الفضل والزيادة في المادة.
فصل في معاد الأنفس الإنسانية
وبالحري أن نحقق ههنا أحوال الأنفس الإنسانية إذا فارقت أبدانها وأنها إلى أي حال تصير " فنقول " يجب أن تعلم أن المعاد منه مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج إلى أن تعلم. وقد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا بها نبيها المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالمقاييس اللتان للأنفس وإن كانت الأوهام منا تقصر عن تصورها الآن لما نوضح من العلل. والحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية بل كأنهم لا لتفتون إلى تلك وإن أعطوها فلا يستعظمونها في جنب هذه السعادة التي هي مقاربة الحق الأول على ما نصفه عن قريب فلنعرف حال هذه السعادة والشقاوة المضادة لها فإن البدنية مفروغ عنها في الشرع فنقول يجب أن تعلم أن لكل قوة نفسانية لذة وخيراً يخصها وأذى وشراً يخصها مثاله أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة. ولذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء. ولذة الحفظ تذكر الأمور الموافقة الماضية وأذى كل واحد منهما ما يضاده وتشترك كلها نوعاً من الشركة في أن الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الخاصة بها والموافق لكل واحد منتها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل فهذا أصل. وأيضاً فإن هذه القوى وإن اشتركت في هذه المعاني فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة فالذي كماله أتم وأفضل والذي كماله أكثر والذي كماله أدوم والذي كماله أوصل إليه وأحصل له هو في نفسه أكمل فعلاً وأفضل والذي هو في نفسه أشد إدراكاً فاللذة أبلغ له وأوفى ولا محالة وهذا أصل. وأيضاً فإنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ ولا يتصور كيفيته ولا يشعر باللذاذة ما لم يحصل
الصفحة : 240
وما لم يشعر به لم يشتق إليه ولم ينزع نحوه مثل العنين فإنه متحقق أن للجماع لذة ولكنه لا يشتهيه ولا يحن نحوه الاشتهاء والحنين اللذين يكونان مخصوصين به بل شهوة أخرى " كما يشتهي من يجرب من حيث يحصل به إدراك وإن كان مؤذياً " وفي الجملة فإنه لا يتخيلة. وكذلك حال الأكمه عند الصور الجميلة والأصم عند الألحان المنتظمة - ولهذا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهي كما للحمار في بطنه وفرجه. وأن المبادئ الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة للذة والغبطة وأن رب العالمين عز وجل ليس له في سلطانه وخاصية البهاء الذي له وقوته الغير متناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجله عن أن يسمى لذة. ثم للحمار والبهائم حالة طيبة ولذيذة كلا بل أي نسبة تكون لما للمبادئ العالية إلى هذه الخسيسة ولكنها نتخيل هذا ونشاهده ولم نعرف ذلك بالاستشعار بل بالقياس فحالنا عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط في عمره ولا تخيل اللذة اللحنية وهو متيقن لطيبها وهذا أصل: وأيضاً فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده عليه مثل كراهية بعض المرضى الطعم الحلو وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات وربما لم تكن كراهية ولكن كان عدم الاستلذاذ به كالخائف يجد الغلبة أو اللذة فلا يشعر بهما ولا يستلذهما وهذا أصل. وأيضاً فإنه قد تكون القوة الداركة ممنوة بضد ما هو كمالها ولا تحس به ولا تنفر عنه حتى إذا زال العائق تأذت به ورجعت إلى غريزتها مثل الممرور فربما لم يحس بمرارة فيه إلى أن يصلح مزاجه وتشفى أعضاؤه فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له. وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته للغذاء البتة كارهاً له وهو أوفق شيء له ويبقى عليه مدة طويلة فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه وقد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير إلا أن الحسن مؤوف فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة فيحس حينئذ بالألم العظيم فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه " فنقول " إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصيراً عالماً عقلياً مرتسماً فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئاً من مبدأ الكل سالكاً إلى الجواهر الشريفة فالروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعاً ما من التعلق الأبدان ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله فتنقلب عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود كله مشاهداً لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق ومتحداً به ومنتقشاً
الصفحة : 241
بمثاله وهيئته ومنخرطاً في سلكه وصائراً من جوهره وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى وحد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يقال إنه أتم وأفضل منها بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلة وتماماً وكثرة وسائر ما يتفاوت به لذائذ المدركات مما ذكرنا - وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي بالدوام المتغير الفاسد. وأما شدة الوصول فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتى يكون كأنه هو هو بلا انفصال إذ العقل والمعقول والعاقل شيء واحد أو قريب من الواحد. وأما أن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى وأما أنه أشد إدراكاً فأمر أيضاً تعرفه بأدنى تذكر لما سلف بيانه. فإن النفس النطقية أكثر عد مدركات. وأشد تقصياً للمدرك وتجريداً له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض. وله الخوض في باطن المدرك وظاهره. بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك أو كيف تقاس هذه اللذة باللذة الحسية والبهيمية والغضبية ولكننا في عالمنا وبدننا وانغماسنا في الرذايل لا نحس بتلك اللذة إذا حصل عندنا شيء من أسبابها كما أومأنا إليه في بعض ما قدمنا من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها - اللهم إلا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما من أعناقنا وطالعنا شيئاً من تلك اللذة فحينئذ ربما تخيلنا منها خيالاً طفيفاً ضعيفاً وخصوصاً عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفيسة ونسبة التذاذنا هذا إلى التذاذنا ذلك نسبة الالتذاذ الحسي بتنشق روائح المذوقات اللذيذة بتطعمها بل أبعد من ذلك بعداً غير محدود. وأنت تعلم إذا تأملت عويصاً يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الطرفين استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس: والأنفس العامية أيضاً كذا فإنها تترك الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو شوق لغلبة وهذه كلها أحوال عقلية فبعضها يؤثر على المؤثرات الطبيعية ويصبر لها على المكروهات الطبيعية. فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الأنفس من محقرات الأشياء فكيف في الأمور النبيهة العالية إلا أن الأنفس الخسيسة تحس بما يلحق المحقرات من الخير والشر ولا تحس بما يلحق الأمور النبهية لما قيل من المعاذير - وأما إذا انفصلنا عن البدن وكانت النفس منا قد تنبهت وهي في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها. كما ينسي المرض الحاجة إلى بدل ما يتحلل. وكما ينسي المرض الاستلذاذ بالحلو واشتهاءه وكما تميل
الصفحة : 242
الشهوة بالمريض إلى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه كفء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعادلها تفريق للنار للاتصال وتبديها وتبديل الزمهرير للمزاج. فيكون مثلنا حينئذ مثل المخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف أو الذي عمل فيه نار أو زمهرير فمنعت المادة اللابسة وجه الحس من الشعور به فلم يتأذ. ثم عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم. وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حداً من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه كان مثلها مثل المخدر الذي أذيق المطعم الألذ وعرض للحال الأشهى وكان لا يشعر به فزال عنه الخدر فطالع اللذة العظيمة دفعة وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي للجواهر الحية المحضة وهي أجل من كل لذة وأشرف - فهذا هو السعادة وتلك هي الشقاوة وليست تلك الشقاوة تكون لكل واحد من الناقصين بل للذين أكسبوا القوة العقلية الشوق إلى كمالها. وذلك عندما تبرهن لهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكمال بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول ولا أيضاً في سائر القوى بل شعور أكثر القوى بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب. وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة هذا الشوق لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثاً وينطبع في جوهر النفس إذا تبرهن للقوى النفسانية أن ههنا أموراً يكتسب العلم بها بالحدود الوسطى على ما علمت - وأما قبل ذلك فلا يكون لأن الشوق يتبع رأياً وليس هذا الرأي للنفس أولياً بل رأياً مكتسباً فهؤلاء إذا اكتسبوا هذا الرأي لزم النفس ضرورة هذا الشوق فإذا فارقت ولم يحصل معها ما تبلغ به بعد الانفصال إلى التمام وقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي لأن أوائل الملكة العلمية إنما كانت تكتسب بالبدن لا غير وقد فات. وهؤلاء إما مقصرون عن السعي في كسب الكمال الأنسي وإما معاندون جاحدون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية. والجاحدون أسوأ حالاً لما كسبوا من هيئات مضادة للكمال. وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات حتى تجاوز به الحد الذي في مثله تقع هذه الشقاوة وفي تعديه وجوازه ترجى هذه السعادة فليس يمكنني أن أنص عليه نصاً إلا بالتقريب. وأظن أن ذلك أن يتصور الإنسان المبادئ المفارقة تصوراً حقيقياً ويصدق بها تصديقاً يقينياً لوجودها عنده بالبرهان. ويعرف العلل الغائبة للأمور
الصفحة : 243
الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى. ويتقرر عنده هيئة الكل ونسب أجزائه بعضها إلى بعض والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه. ويتصور العناية وكيفيتها ويتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها وأية وحدة تخصها وإنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر ولا تغير بوجه من الوجوه وكيف ترتبت نسبة الموجودات إليها ثم كلما ازداد الناظر استبصاراً ازداد للسعادة استعداداً. وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق إلى ما هناك وعشق لما هناك يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة ونقول أيضاً إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس ونقدم لذلك مقدمة. وكأنا قد ذكرناها فيما سلف فنقول إن الخلق هو ملكة يصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين لا بأن يفعل أفعال التوسط. بل بأن يحصل ملكة التوسط وملكة التوسط كأنها موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معاً. أما القوة الحيوانية فبأن يحصل فيها هيئة الإذعان والانفعال - وأما القوة الناطقة فبأن يحصل فيها هيئة الاستعلاء كما أن ملكة الإفراط والتفريط موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معاً ولكن بعكس هذه النسبة. ومعلوم أن الإفراط والتفريط هما مقتضيا القوى الحيوانية وإذا قويت القوة الحيوانية وحصل لها ملكة استعلائية حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية. وأثر انفعالي قد رسخ في النفس الناطقة من شأنه أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن شديد الانصراف إليه - وأما ملكة التوسط فالمراد منها التبرئة عن الهيئات الانقيادية وتبقية النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن بل عن جهته. فإن التوسط يسلب عنه الطرفين دائماً ثم جوهر النفس إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصه وعن طلب الكمال الذي هل وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له أو الشعور بألم النقصان إن قصر عنه لا بأن النفس منطبعة في البدن ومنغمسة فيه ولكن العلاقة التي كانت بينهما وهو الشوق الجبلي إلى تدبيره والاشتغال بآثاره وبما يورد عليه من عوارضه. وبما يتقرر فيه من ملكات مبدؤها البدن. فإذا فارق وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كان قريب الشبه من حاله وهو فيه فيما ينقص من ذلك تزول غفلته عن حركة الشوق الذي له إلى كماله وبما يبقى منه معه يكون محجوباً عن الاتصال الصرف بمحل سعادته ويحدث هناك من الحركات
الصفحة : 244
المتشوشة ما يعظم أذاه ثم إن تلك الهيئة البدنية مضادة لجوهرها مؤذية له. وإنما كان يلهيها عمها أيضاً البدن وتمام انغماسه فيه. فإذا فارقت النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة وتأذت بها أذى عظيماً لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر لازم بل لأمر عارض غريب والعارض الغريب لا يدوم ولا يبقى فيزول ويبطل مع ترك الأفعال التي كانت تثبت تلك الهيئة بتكرارها فيلزم إذاً أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك غير خالدة بل تزول وتنمحي قليلاً قليلاً حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها وأنا النفوس البله التي لم تكتسب الشوق فإنها إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة الهيئات البدنية الردية صارت إلى سعة من رحمة الله ونوع من الراحة وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية وليس عندها هيئة غير ذلك ولا معنى يضاده وينافيه فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها فتعذب عذاباً شديداً بفقد البدن ومقتضيات البدن قد بقي. ويشبه أيضاً أن يكون ما قاله بعض العلماء حقاً وهو أن هذه الأنفس إن كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ منها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لأمثالهم على ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور في أنفسهم من ذلك فإنهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم لاتمام كمال فتسعد تلك السعادة ولا شوق كمال فتشقى تلك الشقاوة بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل منجذبة إلى الأجسام ولا منع في المواد السماوية عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها قالوا فإنها تتخيل جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخروية وتكون الآله التي يمكنها بها التخيل شيئاً من الأجرام السماوية فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية وتكون الأنفس الرديئة أيضاً تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا وتقاسيه فإن الصورة الخيالية ليست تضعف عن الحسية بل تزداد عليها تأثيراً وصفاء كما تشاهد ذلك في المنام فربما كان المحلوم به أعظم شأناً في بابه من المحسوس على أن الأخرى أشد استقرارً من الموجود في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل وليست الصورة التي ترى في المنام والتي تحس في اليقظة كما علمت إلا المرتسمة في النفس إلا أن إحداهما تبتدئ من باطن وتنحدر إليها والثانية تبتدئ من خارج وترتفع إليها فإذا ارتسمت في النفس تم هناك إدراك المشاهدة. وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا الموجود من خارج فكل ما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن سبب من خارج فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم والخارج سبب بالعرض أو سبب السبب - وأما الأنفس الحقيقية فإنها تبتعد عن
الصفحة : 245
مثل هذه الأحوال وتتصل بكمالها بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية لتتبرأ عن النظر إلى ما خلفها وإلى المملكة التي كانت لها كل التبري. ولو كان في فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي تأذت وتخلفت لأجله عن درجة عليين أي أن تنفسخ عنها.
فصل في المبدأ والمعاد بقول مجمل وفي الإلهامات والدعوات المستجابة والعقوبات السماوية وسائر الأحوال - ومنها الكلام على التنجيم - ومنها الكلام على القضاء والقدر
ويجب أن تعلم أن الوجود إذا ابتدأ من عند الأول لم يزل كل تال منه أدون مرتبة من الأول ولا يزال ينحط درجات فأول ذلك درجة الملائكة الروحانية المجردة التي تسمى عقولاً ثم مراتب الملائكة الروحانية التي تسمى نفوساً وهي الملائكة العملية. ثم مراتب الأجرام السماوية وبعضها أشرف من بعض إلى أن تبلغ آخرها ثم بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصور الكائنة الفاسدة فتلبس أول شيء صورة العناصر. ثم تتدرج يسيراً يسيراً فيكون أول الوجود فيها أخس وأرذل مرتبة من الذي يتلوه فيكون أخس ما فيه المادة ثم العناصر ثم المركبات الجمادية. ثم الناميات وبعدها الحيوانات وأفضلها الإنسان وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلاً بالفعل ومحصلاً للأخلاق التي تكون فضائل عملية وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوة وهو الذي في قواه النفسانية خصائص ثلاث ذكرناها وهو أن يسمع كلام الله ويرى ملائكة الله تعالى وقد تحولت على صورة يراها. وقد بينا كيفية هذا. وبينا أن هذا الذي يوحي إليه تتشبح له الملائكة ويحدث في سماعه صوت يسمعه يكون من قبل الله تعالى والملائكة فيسمعه من غير أن يكون ذلك كلاماً من الناس والحيوان الأرضي وهذا هو الموحى إليه وكما أن أول الكائنات من الابتداء إلى درجة العناصر كان عقلاً ثم نفساً ثم جرماً فهاهنا يبتدئ الوجود من الأجرام ثم تحدث نفوس ثم عقول وإنما تفيض هذه الصور لا محالة من عند تلك المبادئ والأمور الحادثة في هذا العالم تحدث من مصادمات القوى الفعالة والمنفعلة الأرضية تابعة لمصادمات القوى الفعالة السماوية - أما القوى الأرضية فيتم حدوث ما يحدث فيها بسبب شيئين أحدهما القوى الفعالة فيها إما الطبيعية وإما الإرادية. والثاني القوى الانفعالية - إما الطبيعية - وإما النفسانية. وأما القوى السماوية فيحدث عنها آثارها في هذه الأجرام التي تحتها على ثلاثة أوجه: أحدها من تلقائها بحيث لا تسبب فيه للأمور الأرضية بوجه من الوجوه: وثانيها إما عن طبائع أجسامها
الصفحة : 246
وقواها الجسمانية بحسب التشكلات الواقعة منها مع القوى الأرضية والمناسبات بينها - وإما عن طبائعها النفسانية والوجه الثالث فيه شركة ما مع الأحوال الأرضية وتسبب بوجه من الوجوه على الوجه الذي أقول إنه قد اتضح لك أن لنفوس تلك الأجرام السماوية ضرباً من التصرف في المعاني الجزئية على سبيل إدراك غير عقلي محض وإن لمثلها أن تتوصل إلى إدراك الحادثات الجزئية وذلك يمكن بسبب إدراك تقارن أسبابها الفاعلة والقابلة الحاصلة من حيث هي أسباب وما يتأدى إليه وأنها تنتهي إلى طبيعية وإرادية موجبة لنسب إرادية فاترة غير حاتمة ولا جازمة ولا تنتهي إلى القسر فإن القسرية إما قسر عن طبيعة وإما قسر عن إرادة وإليهما ينتهي التحليل في القسريات أجمع: ثم أن الإرادات كلها كائنة بعد ما لم تكن فلها أسباب تتوافى فتوجبها وليست توجد إرادة بإرادة وإلا لذهب إلى غير النهاية ولا عن طبيعة المريد وإلا للزمت الإرادة ما دامت الطبيعة بل الإرادات تحدث بحدوث علل هي الموجبات والدواعي تستند إلى أرضيات وسماويات وتكون موجبة ضرورة لتلك الإرادة وأما الطبيعة فإن كانت راهنة فهي أصل وإن كانت قد حدثت فلا محالة أنها تستند أيضاً إلى أمور سماوية وأرضية وقد عرفت جميع خذا فيما قبل. وإن لازدحام هذه العلل وتصادمها واستمرارها نظاماً ينجر تحت الحركة السماوية وإذا علمت الأوائل بما هي أوائل وهيئة انجرارها إلى الثواني علمت الثواني ضرورة فمن هذه الأشياء علمنا أن النفوس السماوية وما فوقها عالمة بالجزيئات. أما ما فوقها فعلمها على نحو كلي - وأما هي فعلى نحو جزئي كالمباشر أو المتأدي إلى المباشر المشاهد بالحواس فلا محالة أنها تعلم ما يكون. ولا محالة أنها تعلم في كثير منها الوجه الذي هو أصوب والذي هو أصلح وأقرب من الخير المطلق من الأمرين الممكنين وقد بينا أن التصورات التي لتلك العلل مباد لوجودات تلك الصور ههنا إذا كانت ممكنة ولم يكن هناك أسباب سماوية تكون أقوى من تلك التصورات مما هو أقدم ومما هو في أحد القسمين من الثلاث غير هذا الثالث. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يحصل ذلك الأمر الممكن موجوداً لا عن سبب أرضي ولا عن سبب طبيعي من السماء - بل عن تأثير بوجه ما لهذه الأمور في الأمور السماوية وليس هذا بالحقيقة تأثيراً لمبادئ وجود ذلك الأمر من الأمور السماوية فإنها إذا عقلت الأوائل عقلت ذلك الأمر وإذا عقلت ذلك الأمر عقلت ما هو أولى بأن يكون وإذا عقلت ذلك كان إذ كان لا مانع فيه إلا عدم علة طبيعية أرضية أو وجود علة طبيعية أرضية - أما عدم العلة الطبيعية الأرضية مثل أن
الصفحة : 247
يكون ذلك الشيء هو أن يوجد حرارة فلا تكون قوة مسخنة طبيعية أرضية فتلك السخونة تحدث للتصور السماوي لوجه كون الخير فيه كما أنه تحدث هي في أبدان الناس عن أسباب من تصورات الناس وعلى ما عرفته فيما سلف - وأما مثال الثاني فأن يكون ليس المانع عدم سبب التسخين فقط بل وجود المبرد في ذلك أيضاً فالتصور السماوي للخير في وجود ضد ما يوجبه المبرد يقسر المبرد. كما يقسر تصورنا للغضب السبب المبرد فينا فتكون أصناف هذا القسم إحالات لأمور طبيعية أو إلهامات تتصل بالمستدعي أو بغيره أو اختلاط من ذلك يؤدي واحد منها أو جملة مجتمعة إلى الغاية النافعة. ونسبة التضرع إلى استدعاء هذه القوة نسبة التفكر إلى استدعاء البيان. وكل يفيض من فوق وليس هذا يتبع تصورات النفوس السماوية. بل الأول الحق يعلم جميع ذلك على الوجه الذي قلنا إنه يليق به ومن عنده يبتدي كون ما يكون ولكن بالتوسط وعلى ذلك علمه فبسبب هذه الأمور ما ينتفع بالدعوات والقرابين وخصوصاً في الأمر الاستسقاء وفي أمور أخرى. ولهذا ما يجب أن يخاف المكافأة على الشر ويتوقع المكافأة على الخير. فإن ثبوت حقيقة ذلك مزجرة عن الشر وثبوت حقيقة ذلك يكون بظهور آياته وآياته هي وجود جزئياته. وهذه الحال معقولة عند المبادئ فيجب أن يكون لها وجود فإن لم يوجد فهناك شيء لا ندركه أو سبب آخر يعاوقه وذلك أولى بالوجود من هذا. ووجود ذلك ووجود هذا معاً من المحال وإذا شئت أن تعلم أن الأمور التي عقلت نافعة مؤدية إلى المصالح قد أوجدت في الطبيعة على النحو من الإيجاد الذي علمته وتحققته فتأمل حال منافع الأعضاء في الحيوانات والنبات وإن كل واحد كيف خلق وليس هناك البتة سبب طبيعي بل مبدؤه لا محالة من العناية على الوجه الذي علمت. وكذلك فصدق بوجود هذه المعاني فإنها متعلقة بالعناية على الوجه الذي علمت. واعلم أن أكثر ما يقر به الجمهور ويفزع إليه ويقول به فهو حق وإنما يدفعه هؤلاء المتشبهة بالفلاسفة جهلاً منهم بعلله وأسبابه. وقد علمنا في هذا الباب كتاب البر والإثم فليتأمل شرح هذه الأمور من هناك وصدق بما كان يحكى من العقوبات الإلهية النازلة على مدن فاسدة وأشخاص ظالمة وانظر أن الحق كيف ينصر. واعلم أن السبب في الدعاء منا أيضاً وفي الصدقة وغير ذلك وكذلك حدوث الظلم والإثم إنما يكون من هناك فإن مبادئ جميع هذه الأمور تنتهي إلى الطبيعة والإرادة والاتفاق والطبيعة مبدؤها من هناك. والإرادات التي لنا كائنة بعد ما لم تكن وكل كائن بعد ما لم يكن فله علة وكل إرادة لنا فلها علة وعلة تلك الإرادة ليست إرادة
الصفحة : 248
متسلسلة في ذلك إلى غير النهاية بل أمور تعرض من خارج أرضية وسماوية والأرضية تنتهي إلى السماوية واجتماع ذلك كله يوجب وجود الإرادة. وأما الاتفاق فهو حادث عن مصادمات هذه وإذا حللت الأمور كلها استندت إلى مبادئ وجودها ينزل من عند الله تعالى. والقضاء من الله سبحانه وتعالى هو الوضع الأول البسيط والتقدير هو ما يتوجه إليه القضاء على التدريج كأنه موجب اجتماعات من الأمور البسيطة التي تنسب من حيث هي بسيطة إلى القضاء والأمر الإلهي الأول ولو أمكن إنسان من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء جميعاً وطبائعها لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل. وهذا المنجم القائل بالأحكام مع أن أوضاعه الأولى ومقدماته ليست تسند إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات وهي التي في السماء على أنه لا يضمن من عنده الإحاطة بجميع الأحوال التي في السماء. ولو ضمن لنا ذلك ووفى به لم يمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود جميعها في كل وقت. وإن كان جميعها من حيث فعله وطبعه معلوماً عندنا. وذلك مما لا يكفي أن تعلم أنه وجد أو لم يوجد وذلك لأنه لا يكفيك أن تعلم أن النار حارة مسخنة وفاعلة كذا وكذا في أن تعلم أنها سخنت ما لم تعلم أنها حصلت. وأي طريق في الحساب يعطينا المعرفة بكل حدث وبدعة في الفلك ولو أمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود جميع ذلك تم لنا به الانتقال إلى المغيبات فإن الأمور المغيبة التي في طريق الحدوث إنما تتم بمخالطات بين الأمور السماوية التي تتسامح أننا حصلناها بكمال عللها وبين الأمور الأرضية المتقدمة واللاحقة فاعلها ومنفعلها وطبيعيها وإراديها. وليست تتم بالسماويات وحدها فما لم يحط بجميع الحاضر من الأمرين وموجب كل واحد منهما خصوصاً ما كان متعلقاً بالمغيب لم يتمكن من الانتقال إلى المغيب فليس لنا إذاً اعتماد على أقوالهم وإن سلمنا متبرعين أن جميع ما يعطوننا من مقدماتهم الحكمية صادقة. وكيفية دعوة النبي إلى الله والمعاد ونقول الآن من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن معيشته لو انفرد وحده شخصاً واحداً يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته. وأنه لا بد أن يكون الإنسان مكفياً بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضاً مكفياً به وبنظيره فيكون مثلاً هذا
الصفحة : 249
ينقل إلى ذاك. وذاك يخبز لهذا - وهذا يخيط للآخر - والآخر يتخذ الإبرة لهذا حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفياً - ولهذا ما اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات. فمن كان منهم غير محتاط في عقد مدينته على شرائط المدينة وقد وقع منه ومن شركائه الاقتصار على اجتماع فقط فإنه يتحصل على جنس بعيد الشبه من الناس عادم لكمالات الناس ومع ذلك فلا بد لأمثاله من اجتماع ومتن تشبه بالمدنيين وإذا كان هذا ظاهراً فلا بد في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة كما لا بد في ذلك من سائر الأسباب التي تكون له - ولا بد في المعاملة من سنة وعدل. ولا بد للسنة والعدل من سان ومعدل ولا بد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة ولا بد من أن يكون هذا إنساناً. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون ويرى كل منهم ما له عدلاً وما عليه ظلماً فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الناس ويتحصل وجوده أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين وتقعير الأخمص من القدمين وأشياء أخرى من المنافع التي لا ضرورة إليها في البقاء بل أكثر ما لها أنها تنفع في البقاء ووجود الإنسان الصالح لأن يسن ويعدل ممكن كما سلف منا ذكره. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أسها ولا أن يكون المبدأ الأول والملائكة تعلم ذلك ولا تعلم هذا. ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على وجوده موجود فواجب إذاً أن يوجد نبي وواجب أن يكون إنساناً وواجب أن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمراً لا يوجد لهم فيتميز به عنهم. فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها فهذا الإنسان إذا وجد وجب أن يسن للناس في أمورهم سنناً بأمر الله تعالى وإذنه ووحيه وإنزاله الروح القدس عليه فيكون الأصل فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم صانعاً واحداً قادراً وأنه عالم بالسر والعلانية وأن من حقه أن يطاع أمره. وأنه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق. وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد ولمن عصاه المعاد المشقي حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة بالسمع والطاعة. ولا ينبغي له أن يشغلهم بشيء من معرفة الله تعالى فوق معرفة أنه واحد حق لا شبيه له. فأما أن يتعدى بهم إلى تكليفهم أن يصدقوا بوجوده وهو غير مشار إليه في مكان فلا ينقسم بالقول ولا هو خارج العالم ولا داخله ولا شيء من هذا الجنس فقد عظم عليهم الشغل وشوش ما بين
الصفحة : 250
أيديهم وأوقعهم فيما لا يخلص عنه إلا من كان الموفق الذي يشذ وجوده ويندر كونه فإنه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلا بكد. وإنما يمكن القليل منهم أن يتصور حقيقة هذا التوحيد والتنزيه فلا يلبثون أن يكذبوا بمثل هذا الوجود أو يقعوا في الشارع وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات التي تصدهم عن أعمالهم البدنية وربما أوقعتهم في آراء مخالفة لصلاح المدينة ومنافية لواجب الحق فكثرت فيهم الشكوك والشبه وصعب الأمر على اللسان في ضبطهم فما كل بمتيسر له في الحكمة الإلهية ولا يصح بحال أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامة بل لا يجب أن يرخص في التعريض بشيء من ذلك بل يجب أن يعرفهم جلالة الله تعالى وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم عظيمة وجليلة ويلقي إليهم منه هذا القدر أعني أنه لا نظير له ولا شبه ولا شريك - وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته وتسكن إليه نفوسهم ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالاً مما يفهمونه ويتصورونه. وأما الحق في ذلك فلا يلوح لهم منه إلا أمراً مجملاً. وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ولا إذن سمعته. وإن هناك من اللذة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم. واعلم أن الله تعالى يعلم وجه الخير في هذا فيجب أن يؤخذ معلوم الله سبحانه على وجهه على ما عملت ولا بأس أن يشتمل خطابه على رموز وإشارات ليستدعي المستعدين بالجبلة للنظر إلى البحث الحكمي في العبادات ومنفعتها في الدنيا والآخرة: ثم إن هذا الشخص الذي هو النبي ليس مما يتكرر وجود مثله في كل وقت. فإن المادة التي تقبل كمالاً مثله تقع في قليل من الأمزجة فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبر لبقاء ما يسنه ويشرعه في أمور المصالح الإنسانية تدبيراً. ولا شك أن الفائدة من ذلك هو استمرار الناس على معرفتهم بالصانع والمعاد وحسم سبب وقوع النسيان فيه مع انقراض القرن الذي يلي النبي فيجب أن يكون على الناس أفعال وأعمال يسن تكرارها عليهم في مدد متقاربة حتى يكون الذي ميقاته بطل مصاقباً للمقتضى منه فيعود به التذكر من رأس وقبل أن ينفسخ يلحق عاقبه. ويجب أن تكون هذه الأفعال مقرونة بما يذكر الله تعالى والمعاد لا محالة وإلا فلا فائدة فيها والتذكير لا يكون إلا بألفاظ تقال أو نيات تنوى في الخيال. وأن يقال لهم إن هذه الأفعال يتقرب بها إلى الله ويستوجب بها الخير الكريم وأن تكون تلك الأفعال بالحقيقة على هذه الصفة وهذه الأفعال مثل العبادات المفروضة على الناس. وبالجملة يجب أن يكون فيها منبهات. والمنبهات إما حركات وإما إعدام حركات تفضي إلى حركات فأما الحركات فمثل الصلوات –
الصفحة : 251
وأما إعدام الحركات فمثل الصوم فإنه وإن كان معنى عدمياً فإنه يحرك من الطبيعة تحريكاً شديداً ينبه صاحبه على أنه على جملة من الأمر ليست هدراً فيتذكر سبب ما ينويه من ذلك وأنه القربة إلى الله تعالى. ويجب إن أمكن أن يخلط بهذه الأحول مصالح أخرى في تقوية السنة وبسطها والمنافع الدنيوية للناس أيضاً أن يفعلوا وذلك مثل الجهاد والحج على أن يعين مواضع من البلاد باتها أصلح المواضع للعبادة وأنها خاصة لله ويعين أفعالاً مما لا بد منه بأنها في ذات الله عز وجل. مثل القرابين فإنها مما تعين في هذا الباب معونة شديدة والموضع الذي منفعته في هذا الباب هذه المنفعة إذا كان مأوى الشارع ومسكنه فإنه يذكره أيضاً وذكراه في المنفعة المذكورة تالية لذكر الله عز وجل والملائكة والمأوى الواحد ليس يجوز أن يكون نصب عين الأمة كافة فبالحري أن يفرض إليها مهاجرة وسفراً. ويجب أن يكون أشرف هذه العبادات من وجه هو ما يفرض متوليه أنه مخاطب لله عز وجل ومناج إياه وصائر إليه وماثل بين يديه. وهذا هو الصلاة فيجب أن يسن للمصلى من الأحوال التي يستعد بها للصلاة ما جرت به العادة بمؤاخذة الإنسان نفسه عند لقاء الملك الإنساني من الطهارة والتنظيف. وأن يسن في الطهارة والتنظيف سنناً بالغة. وأن يسن عليه فيها ما جرت العادة بمؤاخذته نفسه عند لقائه الملك من الخشوع والسكون وغض البصر وقبض الأطراف وترك الالتفات والاضطراب - وكذلك يسن له في كل وقت من أوقات العبادة آداباً ورسوماً محمودة. فهذه الأحوال ينتفع بها العامة في رسوخ ذكر الله عز اسمه في أنفسهم. فيدون لهم التشبث بالسنن والشرائع بسبب ذلك وأن لم يكن لهم مثل هذه المذكرات تناسوا جميع ذلك مع انقراض قرن أو قرنين وينفعهم أيضاً في المعاد منفعة عظيمة فما ينزه به أنفسهم على ما عرفته - وأما الخاصة فأكثر منفعة هذه الأشياء إياهم في المعاد فقد قررنا حال المعاد الحقيقي وأثبتنا أن السعادة في الآخرة مكتسبة بتنزيه النفس وتنزيه النفس تبعيدها عن الهيئات البدنية المضادة لأسباب السعادة. وهذا التنزيه يحصل بأخلاق وملكات والأخلاق والملكات تكتسب بأفعال من شأنها أن تصرف النفس عن البدن والحس وتديم تذكيرها بالمعدن الذي لها فإذا كانت كثيرة الرجوع إلى ذاتها لم تنفعل من الأحوال البدنية ومما يذكرها ذلك ويعينها عليه أفعال متعبة وخارجة عن عادي الفطن بل الفطن يتولاها مع التكلف فإنها تتعب البدن والقوى الحيوانية وتهدم إرادتها من الاستراحة والكسل ورفض العناء وإخماد الغريزة واجتناب الارتياض إلا في اكتساب أعراض من اللذات البهيمية ويفرض على النفس المحاولة لتلك
الصفحة : 252
الحركات ذكر الله والملائكة وعالم السعادة شاءت أن أبت فيتقرر لذلك فيها هيئة الانزعاج عن هذا البدن وتأثيراته وملكة التسلط على البدن فلا تنفعل عنه فإذا جرت عليها أفعال بدنية لم يؤثر فيها هيئة وملكة تأسرها لو كانت مخلدة إليه منقادة له من كل وجه فلذلك ما قال القائل الحق " إن الحسنات يذهبن السيئات " فإن دام هذا الفعل من الإنسان استفاد ملكة الالتفات إلى جهة الحق والإعراض عن الباطل وصار شديد الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية - وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله تعالى وكان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن يتذكر الله تعالى ويعرض عن غيره لكان جديراً بأن يفوز من هذا الذكاء بحظ فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي من عند الله وبإرسال الله وواجب في الحكمة الإلهية إرساله وأن جميع ما يسنه فإنما هو واجب من عند الله أن يسنه وإنما يسنه من عند الله فالنبي فرض عليه من عند الله أن يفرض عباداته وتكون الفائدة في العبادات للعابدين بما يبقى به فيهم السنة والشريعة التي هي أسباب وجودهم وبما يقربهم عند المعاد من الله زلفى بزكاتهم ثم هذا الإنسان هو الملي بتدبير أحوال الناس على ما تنتظم به أسباب معيشتهم ومصالح معادهم وهو إنسان يتميز عن سائر الناس بتألهه.
تم الكتاب والحمد والثناء لواهب العقل والحكمة في المبدأ والمآب.
|
 |
|
المفضلات