النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: البصر والبصيرة

  1. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 30-04-2023 الساعة : 07:12 PM رقم #1

    افتراضي البصر والبصيرة



    شاملى نشيط


    • بيانات احمد سلمان
      رقم العضوية : 32472
      عضو منذ : Jul 2016
      المشاركات : 56
      بمعدل : 0.02 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 8
      التقييم : Array



  2. البصر والبصيرة


    اولاً: البصر والبصيرة

    1. البصر

    قيل: البصر حاسة الرؤية. وقيل: البصر حس العين؛ والجمع أبصار.
    بصُر به بَصَراً وبَصارَة وبِصارَة، وأَبْصَرَه وتَبَصَّرَه: نظر إليه هل يبصره. قال سيبوبه: بصُر: صار مُبْصِراً. وأَبصره إذا أخبر بالذي وقعت عينه عليه. وحكاه اللحياني بَصِرَ به (بكسر الصاد) أي أَبصره. وأَبصرتُ الشيءَ: رأيته. وباصَرَه: نظر معه إلى شيء، أيهما يبصره قبل صاحبه. وباصَرَه أيضاً: أَبصَرَه.
    وقيل: باصَرْتُهُ إذا أشرفت تنظر إليه من بعيد. وتباصر القوم: أبصر بعضهم بعضاً.
    ورجل بَصِير: مُبْصِر، خلاف الضرير، فَعِيل بمعني فاعِل؛ وجمعه بُصَراء.
    وقيل معنى البصير: هو الذي يشاهد الأشياء كلها، ظاهرها وخافيها. والبصر عبارة في حقه عن الصفة، التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات. وورد البصر في القرآن على وجوه:

    أ. بصر النظر والحجة: ]الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ[ (سورة الملك: الآيتان 3، 4).

    ب. بصر الأدب والحرمة: ]مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى[ (سورة النجم: الآية 17).

    ج. بصر للتعجيل والسرعة: ]وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ[ (سورة القمر: الآية 50).

    د. بصر الحيرة والحسرة: ]فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ[ (سورة القيامة: الآية 7).

    هـ. بصر للعمي في الكفر، والجهالة: ]وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً[ (سورة الجاثية: الآية 23).
    و. بصر السؤال عن المعصية، والطاعة: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أولئك كان عنه مسئولاً[ (سورة الإسراء: الآية 36).

    ز. بصر في عدم الفائدة والمنفعة: ]فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ[ (سورة الأحقاف: الآية 26).

    ح. بصر للغي والغفلة: ]أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[ (سورة النحل: الآية 108).

    ط. بصر للغطاء واللعنة: ]أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[ (سورة محمد: الآية 23).

    ي. بصر للختم والخسارة: ]خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ (سورة البقرة: الآية 7).

    ك. بصر للنظر والعبرة: ]فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ[ (سورة الحشر: الآية 2).
    والبصير من أسماء الله تعالى وقد أخرج الإمام البخاري، في كتاب التوحيد من صحيحه ]وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[ (سورة النساء: الآية 134).
    قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب، الرد على من قال: إن معنى "سميع بصير" عليم. قال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى، الذي يعلم أن السماء زرقاء، ولا يراها؛ والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتاً، ولا يسمعها. ولا شك أن من سمع وأبصر، أدخل في صفة الكمال، ممن انفرد بأحدهما دون الآخر. فصح أن كونه ـ سبحانه ـ سميعاً بصيراً، يفيد قدراً زائداً على كونه عليماً؛ وكونه سميعاً بصيراً، يتضمن أنه يسمع بسمع، ويبصر ببصر. ولا فرق بين إثبات كونه سميعاً بصيراً، وبين كونه ذا سمع وبصر. وهذا قول أهل السنّة قاطبة. ونفى المعتزلة ذلك، واحتجوا بأن السَّمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب، المفروش في أصل الصماخ؛ وكذا البصر مرتبط بالجوارح؛ والله منزه عن الجوارح. وأجيب عليهم بأن ذلك ينطبق على المخلوقات، وبأنها عادة، أجراها الله ـ تعالى ـ فيمن يكون حيّاً، فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور. والله ـ سبحانه وتعالى ـ يسمع المسموعات من دون الوسائط؛ وكذا يرى المرئيات من دون المقابلة وخروج الشعاع. فذات الباري، مع كونه حيّاً موجودًا، لا تشبه الذوات؛ فكذلك صفات ذاته، لا تشبه الصفات.
    وقال البيهقي في الأسماء والصفات: "السميع: من له سمع، يدرك به المسموعات. والبصير: من له بصر، يدرك به المرئيات. وكل منهما، في حق الباري، صفة قائمة بذاته". وقد أفادت الآية الرد على من زعم أنه سميع بصير، بمعنى عليم.

    وفي الحديث ]أنُّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، إِلَى قَوْلِهِ ـ تَعَالَى ـ سَمِيعاً بَصِيراً. قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقْرَؤُهَا وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ الْمُقْرِئُ: يَعْنِي إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْنِي أَنَّ لِلَّهِ سَمْعًا وَبَصَرًا. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ[ (سنن أبي داوود، الحديث الرقم 4103).
    قال البيهقي: وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السّمع والبصر لله، ببيان محلهما من الإنسان؛ يريد أن له سمعاً وبصرًا، لا أن المراد به العلم. فلو كان كذلك، لأشار إلى القلب؛ لأنه محل العلم، ولم يرد بذلك الجارحة؛ فإن الله ـ تعالى ـ منزّه عن مشابهة المخلوقين.
    وفي الحديث: ]إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وأشار بيده إلى عينه[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 3184).
    عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ]إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ[ (رواه مسلم، الحديث الرقم 4651).

    2. البصيرة

    والبَصِيرة: عقيدة القلب. وقيل: البصيرة اسم لما اعتقد في القلب، من الدين وتحقيق الأمر. وقيل: البصيرة: الفطنة؛ تقول العرب: أعمى الله بصائره، أي فِطَنَه. وفي حديث ابن عباس، أن معاوية لمّا قال: يا بَني هاشم، تصابون في أبصاركم؛ قالوا له: وأنتم، يا بَني أمية، تصابون في بصائركم. ويُقال: فعل ذلك على بصيرة، أي على عمد، وعلى غير بصيرة أي على غير يقين. وفي حديث عثمان: ولتختلفن على بصيرة، أي على معرفة من أمركم ويقين.
    والبصيرة: العبرة؛ يقال: أما لك بصيرة في هذا؟ أي عبرة تعتبر بها.
    والبصيرة هي قوة القلب المدركة. قال تعالى: ]مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[ (سورة النجم: الآية 11)، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر.
    ولا يكاد يقال للجارحة الناظرة بصيرة؛ إنما هي بصر؛ نحو: ]كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ[ (سورة القمر: الآية 50). ويقال للقوة التي فيها أيضاً: بصر. ويقال منه: أبصرت، ومن الأول: أبصرته، وبصرت به. وقلّما يقال في الحاسة، إذا لم تضامه رؤية القلب: بصرت. ومنه: ]أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ[ (سورة يوسف: الآية 108)، أي على معرفة وتحقق. وقوله: ]بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ[ (سورة القيامة: الآية 14)، أي عليه من جوارحه بصيرة، تبصره وتشهد عليه، يوم القيامة.
    وقال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة؛ كما يقال: فلان جود وكرم. فهاهنا كذلك؛ لأن الإنسان، ببديهة عقله، يعلم أن ما يقربه إلى الله هو السَّعادة، وما يبعده عن طاعته الشقاوة. وتؤنّث البصيرة؛ لأن المراد بالإنسان هنا جوارحه. وقيل: الهاء للمبالغة، كعلاّمة، وراوية. والضرير يقال له: البصير، على سبيل العكس. والصواب أنه قيل له ذلك، لما له من قوة بصيرة القلب.
    وقوله: ]لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ[ (سورة الأنعام: الآية 103)، حمله كثير من المتكلمين على الجارحة. وقيل: في ذلك إشارة إلى ذلك، وإلى الأذهان، والأفهام. والباصرة: الجارحة الناظرة.
    ]وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً[ (سورة الإسراء: الآية 12)، قيل معناه: صار أهله بصراء؛ نحو رجل مخبث ومضعف، أي أهله خبثاء وضعفاء. ]وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[ (سورة القصص: الآية 43)، أي جعلناها عبرة لهم. وقوله: ]وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ[ (سورة الصافات: الآية 179)، أي انتظر حتى ترى ويروا. وقوله ]وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ[ (سورة العنكبوت: الآية 38)، أي طالبين للبصيرة. ويصح أن يستعار الاستبصار للإبصار؛ نحو استعارة الاستجابة للإجابة. وقوله: ]تَبْصِرَةً وَذِكْرَى[ (سورة ق: الآية 8)، أي تبصيراً وتبييناً. يقال: بَصَّرته تَبْصِيراً، وتَبْصِرة؛ نحو ذكّرته تذكيراً وتذكرة.
    وقال أحد العلماء: "من غض بصره فتح الله بصيرته". يقول: "عليك، أيها المؤمن، بغض طرفك، من حين خروجك إلى سبيلك، إلى حين ترجع. ولتذكر قول الله تعالى: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[ (سورة النور: الآية 30). وليعلم أن بصره نعمة من الله عليه، فلا يكن لنعم الله كفوراً؛ وأمانة من عند الله، فلا يكن لها خائنًا. وليذكر قوله تعالى: ]يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ[ (سورة غافر:الآية 19)؛ وقوله تعالى: ]أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى[ (سورة العلق: الآية 14).
    ومن غضّ بصره، فتح الله بصيرته؛ جزاء وفاقاً. ومن ضيّق على نفسه في دائرة الشّهادة، وسّع الله عليه في دائرة الغيب.
    وقال بعضهم: "ما غض أحد بصره عن محارم الله، إلا أوجده نوراً في قلبه، يجد حلاوة ذلك".
    وقد عرّف الإمام ابن قيم البصيرة، بقوله: "البصيرة هي نور في القلب، يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه. فأبصر الناس، وقد خرجوا من قبورهم، مهطعين لدعوة الحق؛ وقد نزلت ملائكة السماوات، فأحاطت بهم. وقد جاء الله، وقد نصب كرسيه لفصل القضاء؛ وقد أشرقت الأرض بنوره، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء. وقد نُصب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه. والحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، وقُسمت الأنوار، دون ظلمته، للعبور عليه، والنار يحطم بعضها البعض تحته، والمتساقطون فيها أضعاف الناجين.

    فينفتح في قلبه عين، يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد يريه من شواهد، الآخرة ودوامها، والدنيا وسرعة انقضائها".

    فـ "البصيرة" نور يقذفه الله في القلوب، يُرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين؛ فيتحقق، مع ذلك، انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم. وهذا معنى قول بعض العارفين: "البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء، أو بمعرفة التضرر به". وقال بعضهم: "البصيرة: ما خلصك من الحيرة؛ إما بإيمان بالشيء، أو بمعرفة التضرر به". وقال بعضهم: "البصيرة ما خلصك من الحيرة؛ إما بإيمان، وإما بعيان".

    أ. مراتب البصيرة

    البصيرة على ثلاث مراتب: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد.

    (1) البصيرة في الأسماء والصفات

    أن لا يتأثر إيمان المؤمن بشُبه، تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله؛ بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك، عنده، بمنزله الشّبه والشكوك في وجود الله؛ فكلاهما سواء في البلاء، عند أهل البصائر. ومقتضى هذا، أن يشهد قلبك أنّ الرب ـ تبارك وتعالى ـ مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه، بصيراً بحركات العالم وأشخاصه، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم. أن تراه موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزّهاً عن العيوب والنقائص والمثال. هو، كما وصف نفسه في كتابه، حي لا يموت، قيوم، لا ينام؛ عليم، لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات، ولا في الأرض. بصير، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلّت صفاته أن تقاس بصفات خلقه. له الخلق والأمر، وله النّعمة والفضل، وله الملك والحمد، له الثناء والمجد. كل شئ من مخلوقاته دالٌّ عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه. لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً. ولذا، فإن العلماء أتم بصيرة، وأقوى إيماناً، وأعظم تسليماً للوحي، وانقياداً للحق.

    (2) البصيرة في الأمر والنهي

    وهي التخلي عن المعارضة، بتأويل أو تقليد أو هوى؛ فلا تخامر قلب المؤمن شُبهة، تعارض العلم بأمر الله ونهيه؛ ولا شهوة، تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به؛ ولا تقليد، يريحه من بذل الجهد، في تلقّي الأحكام من مشكاة النصوص.

    (3) البصيرة في الوعد والوعيد

    وهي الشهادة بقيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل، وفي دار الجزاء؛ وأن ذلك هو موجب أُلوهيته وربوبيته، وعدله وحكمته. ولا يليق أن ينسب إليه إيجاد الخليقة، ثم إرسالها هملاً، وتركها سُدًى؛ تعالى الله عن النسيان والإهمال علواً كبيراً. ولهذا، كان الصحيح، أن المَعاد معلوم بالعقل؛ وإنما اهتُدِيَ إلى تفاصيله بالوحي؛ ولذا، يجعل الله ـ سبحانه ـ إنكار المَعاد كفراً به؛ لأنه إنكار لقدرته ولألوهيته؛ قال تعالى: ]وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[ (سورة الرعد: الآية 5).

    ب. درجات البصيرة

    البصيرة على ثلاث درجات.

    (1) الدرجة الأولى

    اليقين بأن ما أخبر به الرسول الكريم، صادر عن حقيقة صادقة، لا يخاف متبعها فيما بعد مكروهاً، بل يكون آمناً من عاقبة اتّباعها؛ إذ هي حق، ومتبع الحق لا خوف عليه، فهو ينفذ أوامر الله، بامتثال صادر عن تصديق محقق، لا يصحبه شك؛ وبأن يغضب على من خالف ذلك، غيرة على حق الله عليه، أن يضيع ويهمل جانبه.

    وإنما كانت الغيرة من تمام (البصيرة)؛ لأن ذلك دليل على محبة صاحب الحق، وإجلاله وتعظيمه؛ وذلك عين البصيرة. فكما أن الشك في كمال الامتثال، يخالف كمال البصيرة، كذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق الله، إذا ضُيِّعت محارمه وانتهكت، يخالف كمال البصيرة.

    (2) الدرجة الثانية

    اليقين بالعدل الإلهي في هدايته لمن هداه، وفي إضلاله لمن أضله. وذلك لأمرَين:
    أحدهما: تفرد الله بالخلق والهدى والضلال.
    والثاني: وقوع ذلك من الله على وجه الحكمة والعدل؛ فالله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال تعالى: ]وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ[ (سورة الأنعام: الآية 53).
    وأهل البصيرة هم الذين يعرفون قدر نعمة الله بالهدى، ويشكرونها له. ويحبونه ويحمدونه على أن جعلهم من أهله. فهو ـ سبحانه ـ ما عدل عن موجب العدل والإحسان، في هداية من هدى وإضلال من أضل. ولم يطرد من بابه، ولم يبعد عن جنابه، مَنْ يليق به التقريب والهدى والإكرام؛ وإنما طرد من لا يليق به إلاّ الطرد والإبعاد، ذاك الذي تأبى حكمته وحمده تقريبه وإكرامه، وجعْله من أهله وخاصته وأوليائه.

    (3) الدرجة الثالثة

    البصيرة تزرع في أرض القلب الفراسة الصادقة، التي هي نور يقذفه الله في القلب؛ فيفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب؛ قال الله تعالى: ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ[ (سورة الحجر: الآية 75). قال مجاهد: للمتفرسين؛ وذلك لحديث أبي سعيد الخدري t عن النبي r، أنه قال: ]اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ[ (رواه الترمذي، الحديث الرقم 3052).
    والتوسم من السِّيما، وهي العلامة. فسُمِّي "المتفرس" متوسماً؛ لأنه يستدل على ما غاب عنه بعلاماته الواضحة. ولهذا، خص الله تعالى بالآيات والانتفاع بها، هؤلاء الذين يستدلون بما يشاهدون منها، على حقيقة ما أخبرت به الرسل، من الأمر والنهى والثواب والعقاب. وقد ألهَم الله ذلك آدم وعلّمه إياه، حين علّمه أسماء كل شيء؛ وبنو آدم هم خلفاؤه، وكل قلب سليم قابل لذلك، وباليقين والاعتبار تقوم الحجة، وتحصل العبرة، وتصح الدلالة. وبعث الله، باليقين، رسله، مذكرين، ومنبهين، ومكملين لهذا الاستعداد، بنور الوحي والإيمان؛ فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد، فيصيران نوراً على نور، فتقوى البصيرة، ويعظم النور. ومن لم يقبل هدى الله، ولم يرفع به رأساً، دخل قلبه في الغلاف والأكنة؛ فأظلم وعمي عن البصيرة، فحجبت عنه حقائق الإيمان، فهو يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، والرشد غيّاً، والغي رشداً؛ قال تعالى: ]كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[ (سورة المطففين: الآية 14)؛ و"الرَّيْن" و"الران"، هو الحجاب الكثيف، المانع للقلب من رؤية الحق والانقياد له.
    وعلى قدر قوة البصيرة وضعفها، تكون الفراسة. وهي نوعان:
    فراسة علوية شريفة، يختص بها أهل الإيمان. وتشمل فهْم أمور الدنيا، والاستعداد للآخرة. وفراسة سفلية دنيئة، يختص بها الكافر والفاسق. وهي لا تهتم إلاّ بالدنيا وظاهرها، ولا تهتم بأن تزرع في النفوس صلاحاً، ولا زكاة، ولا إيماناً، ولا معرفة. وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السُّفليات؛ لأنهم محجوبون عن الحق ـ تعالى ـ؛ فلا ترقى فراستهم إلى التمييز، بين أوليائه وأعدائه.
    وأما الصادقين، العارفين بالله، فإن فراستهم متصلة بالله، متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان؛ فهي تميز ما يحبه الله مما يبغضه، من الأقوال والأعمال، فضلاً عن تمييزها الخبيث من الطيب، والحق من الباطل، والصادق من الكاذب.



    منقول

    احمد سلمان غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  3. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 05-05-2023 الساعة : 07:33 AM رقم #2
    كاتب الموضوع : احمد سلمان

    افتراضي رد: البصر والبصيرة



    نائب المدير العام


    الصورة الرمزية نسائم الرحمن

    • بيانات نسائم الرحمن
      رقم العضوية : 6009
      عضو منذ : Jan 2012
      المشاركات : 5,178
      بمعدل : 1.13 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 64
      التقييم : Array


  4. بارك الله فيك ومشكور على الطرح القيم

    يمكنك مشاهدة توقيعي بالنقر على زر التوقيع

    نسائم الرحمن غير متواجد حالياً
    • توقيع نسائم الرحمن






  5. رد مع اقتباس
  6. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 11-05-2023 الساعة : 12:40 PM رقم #3
    كاتب الموضوع : احمد سلمان

    افتراضي رد: البصر والبصيرة



    شاملى جديد


    • بيانات كراميلا
      رقم العضوية : 33443
      عضو منذ : Mar 2022
      المشاركات : 15
      بمعدل : 0.02 يوميا
      معدل تقييم المستوى : 0
      التقييم : Array


  7. مشكوووووووور

    كراميلا غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك