إحياء علوم الفلك: من السماوات إلى الفضاء
الجزء الاول
الجزء التاني
3 – شكوك دون انعتاق: العرب والمسلمون.
للتذكير بنظرة القرآن إلى الأرض والسماء، نصدر فيما يلي بعض السور وكذا شروحا مطولة لفخر الدين الرازي نستخلص منها أنه قدم منظومة جديدة لفلك النجوم الثابتة.
سورة الرعد الآيتان 2 و3: الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش. وسخر الشمس والقمر. كل يجري لأجل مسمى. يدبر الأمر. يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون(2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا.- سورة إبراهيم الآيتان 34 و35: الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم. وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره. وسخر لكم الأنهار(34) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين. وسخر لكم الليل والنهار(35).-سورة النحل الآيتان 15 و16: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون(15) وعلامات. وبالنجم هم يهتدون(16).-سورة الأنبياء آيات 16 ثم 31 إلى 32: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين(16).-وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم. وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون(31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا. وهم عن آياتنا معرضون(32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر. كل في فلك يسبحون(33).-سورة المومنون آية 17: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين.-سورة الفرقان آية 53: مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا. -سورة لقمان آية 9: خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة. -سورة يس آيات 36-40: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون[36] والشمس تجري لمستقر لها. ذلك تقدير العزيز العليم[37] والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم[38] لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار. وكل في فلك يسبحون[39] وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون[40]. -سورة الزمر آية 6: خلق السماوات والأرض بالحق. يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل. وسخر الشمس والقمر. كل يجري لأجل مسمى..[6]. -سورة فصلت آيات 8-11: قل أينكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا. ذلك رب العالمين[8] وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين[9] ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إيتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين[10] فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح. وحفظا. -سورة ق آيات 6 و38: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج[6].. ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب[38]. -سورة الرحمان الآيتان 17 و18: مرج البحرين يلتقيان[7] بينهما برزخ لا يبغيان[18]. -سورة الملك آيات 1-5: بسم الله الرحمن الرحيم. تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير[1].. الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور[3] ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير[4] ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين...[5]. -سورة التكوير آيات 1-3: بسم الله الرحمن الرحيم. إذا الشمس كورت[1] وإذا النجوم انكدرت[2] وإذا الجبال سيرت.. وإذا السماء كشطت..-سورة الانفطار آية 1: بسم الله الرحمن الرحيم. إذا السماء انفطرت[1].
إن فهم سور القرآن لم يكن ليطرح أي مشكل خاص على عرب الجزيرة قبل اتصالهم بالعلوم الإغريقية والهندية عموما، وعلم الهيئة والمنطق خصوصا. لم يقع ذلك إلا في أواخر القرن الثامن للميلاد تحت حكم العباسيين. فالمفسرون الأولون لم يكن ليتطرقوا إذن إلى مسائل كتلك التي تطرق إليها فخر الدين الرازي (مات سنة 1209م) في "تفسيره الكبير أو مفاتيح الغيب"[25] بعدما أصبح علم الفلك مادة أساسية بالمدارس الإسلامية.
3-أ-نظرية الرازي في النجوم الثابتة:
إننا نقتصر هنا على ثلاثة مسائل قدم الرازي لها حلولا يمكن اعتبارها اجتهادا شخصيا أصيلا: مسألة الرواسي، مسألة الرجوم وأخيرا مسألة السماء الدنيا.
أ – مسألة الرواسي:
في سياق تطرقه إلى شرح الآية الخامسة عشر من سورة النحل يقول الرازي:
"والميد الحركة والاضطراب يمينا وشمالا، يقال ماد يميد ميدا. المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء، فإنها تميد من جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت قالوا: لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت بسبب ثقل هذه الجبال..".
وهذا التفسير يشكل على الرازي لأنه، كما يورد ذلك في تفسيره، بات واضحا للعموم أن تراب الأرض أثقل من الماء ويغوص تحته كلما ألقي على وجهه. وبعد إيراد إشكالات أخرى ينتهي الرازي إلى حله:
"...والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة، وثبت أن هذه الجبل على سطح الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة. إذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت [ الأرض ] كرة حقيقية خالية من الخشونات والتضريسات، لسارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب، لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركا بالاستدارة على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلا إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه. أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم. وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه بحثي في هذا الباب، والله أعلم بمراده"[26].
من هذت نخلص إلى القول إن كروية الأرض وفيزياء أرسطو كانتا قد هضمتا كل الهضم من طرف علماء العرب والمسلمين من أمثال فخر الدين الرازي. ونلاحظ كذلك أن الأرض كادت تدور.
ب – مسألة الرجوم:
إن عرض الرازي لكل المشاكل والتطرق إليها الواحدة تلو الأخرى يرغمنا على التقدير والاحترام لاجتهاداته (بكل معاني الكلمة). فالمباحث التي يوردها فيموضوع الرجم عديدة لا تخطر على بالنا اليوم ونحن لا نذكر هنا إلا واحدا منها:
"...أما قوله تعالى (وجعلناها رجوما للشياطين) فاعلم أن الرجوم جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، وذكروا في معرض هذه الآية وجهين: الوجه الأول: أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها، فإن قيل: جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها، وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها، والجمع بينهما متناقض، قلنا: ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها، وتلك الشعل هي الشهب، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار باقية".
نستنتج من هذا أن الرازي يقر، كأرسطو، بعدم تغير كواكب السماء. ونقف على منطقه المتين الذي لا يحاول الجمع بين نقيضين. هذا المنطق الذي سنراه قيد الإنتاج في المسألة الثالثة والتي قدم الرازي في إطارها نظاما جديدا لطبقات السماوات. ولنترك له الكلمة.
ج – مسألة السماء الدنيا:
"...السماء الدنيا: السماء القربى، وذلك لأنها أقرب السموات إلى الناس ومعناها السماء الدنيا من الناس، والمصابيح السرج، سميت بها الكواكب..".
![]()
![]()
"...إعلم أن ظاهر هاته الآية يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي ولا بد أن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها. فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح". غير أن الرازي كان على معرفة بظواهر الكسوف المتعددة. كان يعلم أن القمر يستر ضوء النجوم التي تكون في ممره (الرسم 15). فلا يعقل إذن أن تكون تلك النجوم أدنى من فلك القمر. وهاته الظاهرة معروفة منذ القديم. فأرسطو مثلا يورد في كتابه "في السماء" السابق الذكر، رصدا للقمر قام به حيث رأى كيف يكسف جزؤه المظلم المريخ ويقول "إن المراقبين لأحوال السماء قد لاحظوا كسوف الكواكب الأخرى، وهذا ما تؤكده الأرصاد الطويلة الأمد والموثوق بها عند البابليين والمصريين"[27]. ورجعا بنا إلى الرازي الذي يتابع تحليله على شكل محاورة لعلماء الهيئة وينتهي إلى حله لهذه المسألة:
"واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق أكر السيارات [ الكواكب المتحيرة]، واحتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، وذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة [منطقة البروج ] تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون كلها هناك، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بد وأن تكون مركوزة في كرة واحدة. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف: فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلها هناك، لأنه لا يبعد وجود كرتين مختلفيتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة. وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا. فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف".
إن الرازي يورد كما نرى حلا أصيلا يوافق به عقيدته وما يعاينه من أحوال السماء. هذا النص الواضح يمكننا من إضافة منظومة الرازي إلى منظومات العالم كما تصوره القدماء(الرسم 16).
بعد هذا نود إلقاء نظرة محلقة على تطور علم الفلك عند العرب والمسلمين والقيام بوقفتين مع بن الهيثم والبطروجي.
لقد استوعب العرب علم الفلك الموروث عن الإغريق في ظرف وجيز كما بين ذلك ريجيس مورلون[28]. وهم لم يكتفوا بترجمة كتب بطليموس وإنما أضافوا إلى مكتبتهم أعمال علماء مثل أرخميدس وأرسطرخس وغيرهما. كانت تلك الكتب مساعدة على فهم العلوم الفلكية. ولا حاجة إلى التذكير بعدد علماء الفلك الذين أنتجتهم الثقافة العربية والإسلامية. فمباشرة بعد تلقي ذلك التراث قام علماء بغداد ودمشق بالتحقق من نتائجه بواسطة الأرصاد والقياسات. وسرعان ما تبين لهم وجوب تصحيحه وإعادة حساب الوسائط التي استعملها بطليموس.
ففيما بين سنة 770م حيث يستقبل الخليفة المنصور وفدا هنديا يتضمن فلكيا يحكى أنه كان أول من قام الفزاري بنقل معارفه إلى العربية. وعصر البيروني(884-1048)، نرى علم الفلك قد قطع أشواطا مهمة. ويقوم هذا العالم الموسوعي بجمع نتائج ذلك التقدم في كتبه العديدة وخاصة منها "القانون المسعودي". لقد قام علماء الفلك العرب والمستعربون في تلك المدة بترييض الاستدلالات الهندسية وعمموا استعمال الحساب المثلثي في ذلك الميدان. ومن المفيد أن نشير إلى الجمع بين النظرية والرصد عندهم. بهذا أمكنهم، على سبيل المثال، تصحيح أوج الشمس، وثابتة مبادرة الاعتدالين وكذا زاوية الرؤية لكل من الشمس والقمر..[29].
وهاته النتائج المختلفة والمخالفة لنتائج بطليموس، تسمح بإرساء نقد –حاد في بعض الأحيان- لنظرياته. غير أن ذلك النقد لم يؤد إلى نقض تلك النظريات ولا التحرر من الأسس التي كانت مرتكزة عليها. وكأنما قد ألقى بطليموس حبال شركه على علماء ذلك العصر. وهم لم يتخلصوا منه بل –على عكس ذلك- أصلحوا وعقدوا عقده المتلاشية. إن كلامنا هذا ليس من قبيل غطرسة تحمل زمانهم ما لا يحتمله وإنما نعتقد أنه بات من واجبنا أن نقرر ذلك –رغبة في الاعتبار- عندما نقرأ أنهم كانوا على علم بحلول بديلة لكنهم لم يتفحصوها بالرزانة الكافية. فلقد عالج البيروني مثلا "موقف السماوات إلى الأرض، فخلص إلى بحث افتراض دوران الأرض حول نفسها لتفسير الحركة اليومية. وقال إن أرياباتا وتلامذته دافعوا، في الهند، عن هذه الفرضية، ولكنها متعارضة مع إحدى حجج بطليموس التي تقول بأن دوران الأرض حول نفسها يمنع الأجسام في سقوطها الحر من الوقوع عموديا على الأرض. أكد البيروني أن عالما كبيرا (لم يذكر اسمه) ادعى أن حجة بطليموس لا أساس لها من الصحة، لأن كل جسم أرضي يتحرك بحركة الدوران، على طول العمود الذي هو مساره خلال سقوطه. عرض البيروني هاته الحجة التي وجدها غير متماسكة على ما يظهر..."[30].
يمكننا هذا الموقف من لمس أحد أسباب فشل علماء القرون الوسطى: لم يهتموا بإقامة التجارب. فعبارة "على ما يظهر" هي أساس فيزياء أرسطو التي تختلف عن فيزياء أرخميدس المؤسسة على صنع الآليات وتجربتها لتبيان أخطاء المعلم الأول كما سنبين ذلك في سياق الحديث عن نظرية الحركة بالذات.
فالبيروني وعلماء العرب والمسلمين وأوروبيي القرون الوسطى لم يكن ينقصهم العلم بما وصل إلهي سابقوهم من النظريات المتعددة ولا الأدوات الرياضية والهندسية بل –وهذا ما يؤسف له حقا- نراهم مع كل ذلك الزاد يأخذون بما تبين لهم أنه مشكوك فيه، دون البحث الجدي في الحلول المخالفة. وكأنما غابت عن مجالاتهم تلكم الحرية الخلاقة المميزة لقدماء الإغريق!
3-ب-هيئة ابن الهيثم:
إن الشكوك في صحة هيئات بطليموس كانت عملة رائجة عند علماء الفلك العرب والمستعمرين. ولقد ألف ابن الهيثم كتابا يحمل عنوانا واضح الأغراض: الشكوك على بطليموس. ويحوي هذا الكتاب على نقد حاد واعتراضات عديدة. وأهم اتهاماته أنه لا يمكن إيجاد أجسام تتحرك بمثل حركة الدوائر التي تخيلها بطليموس وأن هذا الأخير لجأ إلى هيئات نظرية لا مقابل لها في عالم الملموسات "لأنه لم يقدر على غيرها"[31].
وهكذا ينتج علماء الفلك الشرقيون بعد البيروني هيئات "منقذة" لهيئات بطليموس. فلقد قام ابن الهيثم بتركيب كرات مقتبسة من كتاب الاقتصاص لبطليموس مع تعديلها. ولقد وصف ذلك التركيب في "كتاب في هيئة العالم" لم نحصل على أصله العربي ولجأنا إلى الوصف الذي ذكره Duhem في موسوعته المذكورة بلائحة المراجع.
كان بطليموس (مثل أودوكس) قد خصص لكل كوكب كرة تديره من الشرق إلى الغرب في ظرف يوم. على خلاف ذلك، يكلف ابن الهيثم الكرة الأسمى والتي مركزها الأرض بحمل الكون كله وتدويره دورته اليومية. (الهاجس الأرسطي لإخضاع الكل للمحرك الأول). والكرة الأسمى عند ابن الهيثم فارغة من الكواكب (الرسم 17). وتلي تلك الكرة "المحركة الأولى" كرة النجوم الثابتة.
وهاته الكرة تدور ببطء إلى خلاف اتجاه الكرة الأولى. هذا ما من شأنه أن ينتج عنه ظاهرة مبادرة الاعتدالين. أما أفلاك الأجرام السيارة فإنها مكونة من عدة كويرات محمولة في قشرة الكرة السميكة والتي مركزها الأرض. ومهمة الكويرات هو تمكين الكواكب من الاقتراب والابتعاد والالتواء –إذا اقتضى الحال- بالنسبة للراصد الأرضي. ونموذجه الوصفي هذا غير معزز بأعداد يمكن بواسطتها التيقن من موافقته للظواهر. والكون كما يتصوره ابن الهيثم لا يحتوي على أي فراغ. وهو –بخلاف أرسطو- يغض النظر عن مشكل الاحتكاك، هو الضليع في علم النظر والبصريات. وهيئة بن الهيثم تشبه إلى حد بعيد تلك الهيئة التي اعتمدها إخوان الصفا والتي تلائم نظرية الفيض عندهم. هاته النظرية نفسها هي التي تستلهم البطروجي بالأندلس، مع "تغييره" لاتجاه الحركات الطويلة الأمد.
3-ج-هيئة البطروجي وتعديه لحدود أرسطو:
"...كان ابن رشد يشتكي من أن علم الفلك في زمانه لم يكن علما برهانيا لأن ما فيه، إذا كان يتفق مع الحسابات الفلكية، فإنه لا يتفق مع صورة العالم السماوي في كليته وطبيعته". ومعنى ذلك أنه لا يتفق مع فيزياء أرسطو. ويهفوابن رشد، كابن طفيل قبله، إلى تفحص الهيئات الوحيدة المركز (الأرض) لأنه ربما لم يكن عالما بإفلاسها عند الإغريق وعند كل عارف، كابن رشد، باقتراب وابتعاد الشمس والقمر عن المركز الأرسطي. يعلم ابن رشد أن الهيئات البطلمية تقدم نتائج لا بأس بها وأنها تخلت عمليا عن مركزية الأرض لكنه لا يستنتج من ذلك أنه لو أخذنا مركزا غير الأرض وغير ذلك الذي أخذ به البطلميون، لوجدنا ربما حلا مكتملا لمعضلةعلم الفلك. وكأنما يدور علماء العرب في قفص ضيق ذي اختيارات محدودة (إما بطليموس وإما أرسطو لا غير!). من الممكن أن تكون لذعات قضيب المعلم قد رسخت بسلوكنا ذلك التقليد الذي يخشى تعدي حدود الأولين على العموم والمعلم الأول (الحكيم كما يسميه البطروجي) على الخصوص. هاته هي إحدى القسمات التي لم نعثر عليها بنفس القدر عند الإغريق. فعدم احترام طفولتنا والعنف السائد في العلاقة بين "لمعلم والمتعلم"، "لمتعلمة ولمعلمة" قد يكونا أساس عبوديتنا وخنوعنا وعدم إنتاجنا لسلعة نادرة بأوطاننا تدعى الحرية. قد يكون هذا أساس توفرنا على المعرفة مع ندرة الفكر الخلاق، المخالف للرواد، السالك لسبل لم يسلكها السابقون.
فخلافا لما يقوله الدكتور محمد عابد الجابري، ربما محاولة منه لتبرير عبودية ابن رشد لأرسطو، فإن الفيزياء التجريبية لم تبدأ مع كالليو بل مع أرخميدس[32]، مباشرة بعد أرسطو، أي قبل أن يدخل العرب معمعة العلم وتحت تصرفهم تلك التركة. إن التخوف من الوقوع في زلة التجاوز يجب ألا يؤدي بنا إلى التسامح والتغاضي عن زلل السابقين وإن كانوا لنا أجدادا محترمين. ويكفي هنا التذكير بإحدى مقولات أرخميدس الشهيرة: "أعطوني نقطة اعتماد أرفع لكم العالم!". إننا قد لا نفهم معنى هاته القولة حق فهمها إذا لم نقدمها في إطارها مع التذكير بالمناخ الذي كان يعمل فيه أرخميدس. إن فيزياء أرسطو كانت زاحفة (كعساكر الإسكندر لتهيمن على العقول. ومن بين مقولات تلك الفيزياء حول القوة والحركة: إن لأي قوة حد أدنى من الفاعلية. ويعطي أرسطو كعادته مثالا ليعتبر أولوا الأبصار. لجر سفينة نحو الشاطئ أو رصيف المرسى يجب أن تتوفر على عدد معلوم من العمال. وإذا ما نقصت من عدد الجاذبين، وصلت إلى حد أدنى لا يبقى معه لقوة الجذب أية فاعلية. بديهي!
يحكى أن أرخميدس دعا ملك سيراكوز وحاشيته إلى المرسى لتتبع تجربة عجيبة: كانت إحدى سفن الملك محملة بالسلع وعليها طاقمها. ولقد طلب أرخميدس من جماعة من عمال المرسى أن يجروا السفينة. فلما جذبوها بعض الشيء، طلب منهم الابتعاد عن حبال الجر. ولقد وصلها بآلة من صنعه، مكونة من مجموعة بكرات. وأخيرا يقدم بمفرده على الجر ويبين للجمع أن مقولة أرسطو ليست على صواب. ويحكى أن هاته التجربة لإعادة النظر في فيزياء البداهة إنما جاءت بعد نقاش دار بين هذا العالم وهيرون الثاني ملك سيراكوز في موضوع الميكانيك العقلانية (rationnelle) التي كان قد أسسها والقائلة بأنه يمكن تحريك أي وزن عظيم بواسطة أية قوة مهما كانت ضئيلة. ولقد قال قولته المشهورة خلال تلك المقابلة[33]. إننا كلنا ندين لأرخميدس بتخفيفه لعنائنا بواسطة البكرات واللوالب الحلزونية لرفع الأثقال وحفر الآبار..
من المهم جدا أن نفهم أن أرخميدس كان رياضيا مخترعا وصانعا بيديه لعدة آليات بجانب اهتمامه النظري. وكذلك الأمر بالنسبة لكالليو، كان صانعا لآليات يبيعها من أجل الكسب بجانب تكلفه بالتدريس الذي لم يكن يذر عليه دخلا كافيا. فليس غريبا إذن أن يحيي كالليو تجارب أرخميدس. إن الجمع بين الصناعة والتدريس هو أساس البحث العلمي الحديث. فالذكاء ذكاآن: في الذهن وفي اليدين، وما أحوج تراثنا إلى الثاني. وربما يكون النحت المتطور إلى حد البراعة عند الإغريق هو المنشط لخلايا هذا الذكاء بينما ظل ذلك النشاط وبعده الجمالي مكبوتا بأوطاننا. وكما سنرى فيما بعد، تتزامن الثورة الأوروبية مع نهضة في ميادين الرسم والنحت، وفي إيطاليا بالذات وطن كالليو.
ما انفك العرب والمسلمون وأوروبيو القرون الوسطى مقيدين بـ"خيزياء" أرسطو (على وزن خيمياء) التي يقول عنها Koestler: إنها الفيزياء التي لم تنتج للبشرية خلال ألفي سنة أي شيء ذا فائدة[34].
في الميدان الفلكي، ربما أصبح لازما تعديل الجغرافيا الفكرية التي رسم معالمها الأستاذ الجابري: فيض أفلاطوني متواجد بالمشرق وتبني للمنطق بالأندلس[35]: فأهم تجديد فلكي بالأندلس تم على يد البطروجي الذي طور هيئة يمكن تلخيصها بأنها هيئة أرسطية يحركها فيض أفلاطوني؛ بينما طورت مدرسة مراغة بالشرق حلولا هندسية لا تتقيد بمركزية أرسطو. وبالطبع بقيت المدرستان مطوقتين بدائرة أفلاطون السحرية في انتظار "تبطيخها" على يد كبلر.
فالهيئة البطروجية تعود إلى مركز وحيد للكون (عصر الموحدين) هو وسط الأرض وتضيق من حرية حركاته (بعدين عوض الثلاثة). فالكرة التاسعة (المثال) خالية من الكواكب وهي تكمل دورة في اليوم من الشرق نحو الغرب. أما الكرات السفلى فكلها متشوقة للحاق بالكرة المثلى ولكنها لا تبلغ ذلك لنقص يشوبها أو بسبب تناقص تأثير المحرك الأول مع المسافة[36]. يقول البطروجي:
"...فإنه لما كانت الحركة إنما تصدر عن المحرك الأول وقوتها ومنبعثها من هناك والقوة بالضرورة هناك أشد والدليل على ذلك سرعة الحركة فإن سرعة الحركة إنما يكون عن شدة القوة ودون شك أن الحركة اليومية أسرع الحركات فهي للفلك الذي هو أشد الأفلاك قوة..
وسائر الباقية إنما هو تابع في الحركة وتستفيدها منه وهي فإنما تقصد قصده وغايتها نحو حركته للتشبه به إذ هو غايتها"[37].
فكرة النجوم الثابتة الموالية للمثالية لا تتأخر في دورانها إلا قليلا (مبادرة الاعتدالين). وكلما ابتعد الفلك عن المحرك الأول، تزايد تأخره إلى الوراء. وهذا ما ينتج عنه حركة القمر الظاهرية نحو الشرق مثلا. هذا تجديد مهم في سبب الحركة واتجاهها. أما التجديد الأهم الذي أتى به البطروجي فهو أن ذلك التأثير يتعدى حدود الفلك القمري ليعم طبقة النار ثم الهواء ثم الماء ويصل إلى الأرض نفسها! وهذا مهم جدا لأنه متعد لحدود أرسطو التي تفصل ما تحت القمر عما فوق كرة النار. يقول البطروجي:
"إن من الدليل أيضا على ما قلناه… أنا نشاهد لعنصر النار حركة دايرة شبيهة بالحركة السماوية بما يظهر من أشباه الكواكب التي ترى في بعض الأوقات من الشهاب تكون في الموضع العالي بالعشايا حتى تخيل للرائي أنها كوكب وترى تتحرك مع حركة الكواكب.. وحركة الماء إلى من جهة المشرق هي حركته التي منبعها ما فوقه وحركته في الرجوع هي ثقله وميله إلى الأسفل لكثرته وحركة الماء أقل سرعة من الهواء ولذلك يظن به أنه تابع في الحركة لنقلة القمر.."[38].
إن المذنبات –بالنسبة للبطروجي- نار تدور كذلك مع النجوم والكواكب ومياه البحار تعرف مدا وجزرا حيث تنجذب إلى جهة ثم يردها عن ذلك انجذابها إلى مكانتها الطبيعية بوسط الأرض. والأرض نفسها (وإن بدت مستقرة) تشارك في الحركة: فهناك أراض عامرة تتحول إلى قفار، ومناخات فاسدة تصبح نقية الهواء. فهاته النظرية متماسكة لولا تشويش الهواء والرياح التي تهب في كل الاتجاهات وبسرعات تتحدى المثال. لا شك أنكم لاحظتم قفزا غير منطقي، في إطار النظرية المعروضة، من الماء إلى القمر. ومن الغريب والمفيد أن نصادف أخطاء (تلعثما) في الجزء المتطرق لطبقة الهواء بالذات بالنسخة المصورة لكتاب البطروجي التي نشرها وترجمها B.R.Goldstein. ونحاول هنا سردها مع عسر المهمة، إذ ننقل المخطوط باليد إلى المرصوص في المطبعة.
"..وأما عنصر الهواء فإن في حركته بعض الخفاف على أنه وإن كانت مضطرة به غير حافظة للنظام لما في طبيعة الهواء من قبول الاندفاع وسرعة الانخراق والتشذب فإنا ما نشاهده على الأكثر يتحرك بحركة السماء ولا سيما عند طلوع الشمس وعند ميلها بعد الزوال وعند الغروب مما نراه من تحرك الهواء الجبال والأكام وفيه غلط من البحارات المرتفعة من الأرض"[39].
ربما يدل هذا التلعثم على وعي بهشوشة النظرية. أضف إلى ذلك تشويش الكوكبين اللذين يدوران فيما بيننا وبين الشمس: فرغم تواجد الشمس وعطارد والزهرة بطبقات مختلفة عند البطروجي فإن سرعتهما المتوسطة متساوية. لكن البطروجي لا يعير للأرصاد، حتى البسيطة منها، ما يكفي من الانتباه: يضع الزهرة فوق كرة الشمس ظنا منه أنها أقل سرعة من هذا النير، بينما ينزل عطارد –وإن كان في سلوكه أشبه ما يكون بالزهرة- منزلة أدنى من الشمس.
ومن الناحية الهندسية لم يسع البطروجي إلى تغيير أي شيء بما درسه في كتاب المجسطي. فهو يصارح القارئ بذلك ويتبنى وسائط بطليموس مع جبرها في بعض الأحيان. وهيئته غير مكتملة وغالطة هندسيا كما بين ذلك Goldstein. فهي تتلخص عمليا في محاولة تقريص (قرص عوض كرة) الحركات البطلمية على سطوح كرات متماسة. فمن مطالعة كتابه في الهيئة نتأكد أن عصر البطروجي عصر تنظير تقريبي لا يحترم الظواهر ولا يخشى التناقضات. وهاته إحدى خواص القرون الوسطى التي سيتخلص منها كبلر كما سنبين ذلك.
رغم هاته النقائص، لاقت هيئة البطروجي رواجا مهما بأوروبا إذ كانت تجند من طرف المعارضين للهيئات البطلمية. فالبطروجي يدلنا على العيوب الفلسفية التي تشوب تلك الهيئة، وعلى بعض نواقص نظرية أرسطو (فالمذنبات "النارية" تدور والماء محاول لذلك..). وهو بهذا يعمم قوانين الفيزياء (لا يهم في تلك المرحلة صوابها أم لا) على الكون دون فرز ما تحت القمر
عما فوق النار. كانت هاته المعارضة للأستاذين، بطليموس وأرسطو، منشطة للبحث عن هيئات بديلة. فهي بالتالي، كما يقول Pierre Duhem، تهيء بطريقتها الخاصة التغيير الكبرنيكي لعلم الفلك.
أما بالمشرق العربي الإسلامي، فلقد طورت مدرسة مراغة (كما يسميها جورج صليبا) حلولا هندسية ابتكرها كل من الطوسي والعرضي وابن الشاطر الدمشقي[40]. وبفضلهم تتخلص هيئات بطليموس من أهم الانتقادات التي كانت توجه إليها. وبكتابه A History of Arabic Astronomy يبين جورج صليبا كيف أن مزدوجة الطوسي تمثل ثورة هندسية على الفصل الأفلاطوني-الأرسطي للحركة الدائرية عن الحركة المستقيمة. فالطوسي يبين كيف يمكن الحصول على حركة مستقيمة بإدارة كرة صغيرة داخل كرة كبيرة (الرسم 18). فهذا الحل الميكانيكي يساعد على تركيب هيئات دائرية تمكن من تقريب وإبعاد الكواكب بشكل أجدى. فهذان التجديدان، الأندلسي النظري والمشرقي الهندسي، يمثلان خطوة في الاتجاه المعيد للنظر في أسس علم الفلك التي سيتجرأ كبرنيك على تعريتها وتأسيس بناء جديد سيكون كبلر الضامن الحقيقي لمتانته و"سيكتمل" ذلك البناء على يد نيوتن.
































المفضلات