 |
بتاريخ : 05-01-2017 الساعة : 11:14 PM
رقم
#1
التّصوفُ والسُّلطة في الهند :الفصل الأول: نشأة الطريقة الچشتية
|
نائب المدير العام
|
التّصوفُ والسُّلطة في الهند
علاقة الصوفية الچشتية والسُهروردية مع سلاطين دهلي[1]
(602-790هـ/1205-1388م)
بقلم: صاحب عالم الأعظمي الندوي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واتبع هداه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
تمهيد
التصوف في التاريخ الإسلامي: التصوف نـزعة روحية وظاهرة إنسانية عامة وفطرة بشرية موجودة في كل العصور وفي كل الأديان. أما التصوف في التاريخ الإسلامي فهو جـزء من الأجـزاء التي يتألف منها التراث الديني والعقلي والنفسي للإسلام، خضع كما خضع غيره من مظاهر الحياة الإسلامية لعوامل النشوء والارتقاء، فهو ميراث روحي من الصحابة لمن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين إلى آخره. وقد مر التصوف في الإسلام بمراحل طويلة وأصبح جـزءًا لا يتجـزأ من تاريخ الإسلام نفسه ومظهرًا من مظاهر هذا الدين، وما أحاط به من ظروف، وما دخل فيه من شعوب وفلسفاتها ومعتقداتها الدينية والفكرية، مما دفعت التصوف في الإسلام إلى مرحلة غلو، ومرحلة انحراف عن الإسلام وعن مبادئه من خلال عملية التأثير والتأثر، والأشياء التي اجتلبت في التصوف من الخارج من الفلسفات الهندية والإغريقية والفارسية كلها لم تكن لها أي صلة بالدين الإسلامي الصحيح وروحه وتعاليمه.[2] ومن هنا، يجب علينا ألا ننكر وجود مؤثرات خارجية ساعدت من خلال نظرياتها الفلسفية على نمو التصوف في الإسلام وتطوره، فقد تعاونت العناصر الروحية الوافدة من الهندوسية والبوذية وغيرها على البيئة الإسلامية وعملت معها على تطوير التصوف وبلوغه النضج والكمال في الغلو والانحرافات الدينية سيما في القرنين الثالث والرابع الهجريين. وهو الأمر الذي آل فيه إلى الفصل بين أمرين: وكأن كلا منهما يضاد الآخر: شريعة وحقيقة، وظاهر وباطن. وأن صاحب الباطن لا يهتم بالظاهر، وأن صاحب الظاهر لا يهتم بالباطن، وأن صاحب الشريعة لا يهتم بالحقيقة وأن صاحب الحقيقة لا يهتم بالشريعة و هكذا.[3]
وهنا لا أريد أن أدخل إلى تفاصيل نشأة التصوف في التاريخ الإسلامي والمراحل التي مر بها ولكني أريد أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أن الدولة العربية التي حكمت في السند خلال العصر الأموي والعباسي الأول بعد إتمام فتح السند وشمال غربي الپنجاب عام 96هـ/714م، أسهمت في نقل الثقافة الهندية من العلوم العديدة وقامت أيضًا بنشر الإسلام بالحسنى من خلال تفعيل المساجد والمدارس وغيرها من القنوات الفعالة والتي لعبت دورًا كبيرًا في تحويل واعتناق كثير من الناس من العامة والخاصة للدين الإسلام،[4] ولكن هؤلاء الهنود المسلمين الجدد لم يخرجوا من عاداتهم وتقاليدهم القديمة الهندوسية والبوذية وبالتالي لدى وصول بعض الصوفية إلى الهند ومنهم أبو يـزيد البسطامي المتوفى 261هـ/874م وهو من أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، تأثروا بالشيوخ والعلماء الهنود حديثي الإسلام والذين كانت قد بقيت فيهم كثير من العادات والأفكار الهندوسية.[5] وتفيد بعض الكتب الموثقة أن الصوفي المذكور أعلاه كان له أستاذ روحي من السند وقد قال مرة”لقد تعلمت علم الفناء والتوحيد من أبي علي السندي، وأبو علي تعلم دروس التوحيد الإسلامي مني[6]” هذا، وقد أشار بعض الباحثين ومنهم نيكلسون في كتابه فيقول:”إن المفهوم الصوفي لفناء الشخص في العالم يبدو مؤكدًا وأعتقد أنه من أصل هندي، وأن أول شارح له هو الصوفي العظيم أبو يـزيد البسطامي الذي يبدو أنه تلقاه عن أستاذه أبي علي السندي.” ثم يذكر الأستاذ المذكور أدلة عديدة تؤكد على ما قاله[7]. وهكذا يرجع تأثير السند المتين في ميدان التصوف الإسلامي إلى تلك الفترة المبكرة، ففكرة الفناء عند البسطامي، ومثلها فكرة وحدة الوجود وتوحيد الأديان عند الحلاج وغيره تسربت إلى التصوف الإسلامي من المصادر الهندية.[8] ومن الصوفية الكبار ذوي الصيت الأعلى أبي الحسن علي الهجويري الذي كان عالمًا من علماء الصوفية في القرن الخامس الهجري، وكان معاصرًا للدولة الغـزنوية وتوفي في عهد السلطان إبراهيم الغـزنوي عام 456هـ. وكان الهجويري من أوائل الصوفية القائمين بنشر الفكر الصوفي في شبه القارة الهندية[9]، وقبل استقراره في مدينة لاهور تجول كثيرًا في البلدان الإسلامية تحت رعاية الدولة الغـزنوية، وتأثر بكبار الصوفية المعاصرين له لا سيما أبا القاسم عبد الكريم القشيري صاحب الرسالة القشيرية، وأبي سعيد بن أبي خير الميهني الذي يعد من أكبر الشخصيات الصوفية التي عاشت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس، والصوفي المعروف أبي مغيث الحسين بن المنصور المعروف بالحلاج. وقد استقر الهجويري في لاهور في زيارته الثانية لها وظل الهجويري يعمل على نشر الأفكار الصوفية والتعاليم الروحية في مدينة لاهور حتى أدركته الوفاة بها حوالي سنة 465هـ، ودفن بهذه المدينة، ولا يـزال قبره بها داخل مزاره المعروف بمـزار “داتا گنج بخش” وهو الاسم الذي يعرف به الهجويري في شبه القارة الهندية.[10] وعلى حسب المصادر المعاصرة له يعد هو أول من أنشأ الخانقاه في لاهور، والذي يتردد عليه المريدون من لاهور وجميع أنحاء منطقة الپنجاب، ولم يكن تأثيره مقصورًا على المسلمين بل كان يحضر مجالسه عدد كبير من غير المسلمين.[11] وللشيخ أكثر من 12 مؤلفا في التصوف ألفها خلال تجواله واستقراره وأهمها “كشف المحجوب”, و”ثواقب الأخبار” و”كشف الأسرار” والتي ألفها خلال الفترة التي قضاها في لاهور, معتمدًا على الكتب الصوفية المكتوبة في العربية والفارسية والهندية والتي وجدها في الهند آنذاك حيث أكد هو في كتابه كشف المحجوب معبرًا عن أسفه لعدم الحصول على المراجع والمصادر التي كانت في حوزته في غـزنة وتركها لدى مغادرتها إلى الهند.[12] وهذا يدل على أنه أيضًا تأثر بالفلسفات الهندية المكتوبة في الكتب الهندية آنذاك. وقد ترك الشيخ بعض تلاميذه لتفعيل النشاط الصوفي ونشره في ربوع الهند ولكن هذا لم يحدث إلا بعد نشأة كل من الطريقة الچشتية والسُهروردية والنقشبندية خلال القرن السابع الهجري أي في القرن الثالث عشر الميلادي وما بعدها، حيث إن الدول الإسلامية في آسيا الوسطى والعراق وفارس شاهدت الهجمات المنغولية والتي أسقطت هذه الدول الإسلامية واحدة تلو الأخرى مما أدى إلى سقوط هذه البلدان سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ودفع الأسر العلمية والصوفية إلى الهجرات العظمى إلى الهند واستقرارها في دهلي وأطرافها مع الاندماج الكامل في المجتمع الهندوسي والبوذي والجيني[13].
أهمية البحث: سيكشف هذا البحث عن نشأة طريقة الچشتية والسهروردية في الهند وعلاقتهما مع سلاطين دهلي، حيث يعتبر عصر سلطنة دهلي نواة لتأسيس الدولة الإسلامية في شبه القارة الهندية التي حكمت على أراضيها سبعة قرون متتالية، حاولت خلالها إيجاد العلاقات الدينية والفكرية مع شيوخ الطرق الصوفية العديدة ومنها مع الطريقة الچشتية والسهروردية. ونجد هذه العلاقات تمر بمراحل عديدة بين التوسع والضيق على حسب ميول سلاطين دهلي الدينية والفكرية.
الهدف من البحث: ونظرًا لأهمية دراسة علاقات الملوك والسلاطين بشرائح المجتمع الهندي خلال العصور الوسطى، والطبقة الصوفية جـزء مهم من المجتمع الهندي، تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الصورة الحقيقية لهذه العلاقات سيما علاقة الصوفية الحقيقية وتطويرها مع سلاطين دهلي، أخصها الطريقة الچشتية والسهروردية، وموقفها الدينية والثقافية والسياسية والفكرية خلال فترة البحث.
الدراسات السابقة: على حد علمي لا توجد أي رسالة أو كتاب في اللغة العربية يختص بمعالجة هذا الموضوع على الرغم أن الموضوع مهم للغاية ومن الصعب أن يستوعب مثل هذا البحث كل الجوانب المتعلقة بالطرق الصوفية ونشاطاتها وعلاقاتها مع السلاطين والمجتمع. وقد اطلعت على بعض الرسائل العلمية التي تتناول من ضمن المحاور الأخرى نشأة الطرق الصوفية في عصر سلطنة دهلي[14].
دراسة المصادر والمراجع المهمة حول الصوفية: أكبر عائق أمام البحث والدراسة عن المظاهر الحضارية في عهد سلطنة دهلي، بما فيها طبيعة العلاقات بين الصوفية والسلاطين هي الكتب المعاصرة التي دونت جلها تقريبًا في اللغة الفارسية، ومنها التاريخية ألفها المؤرخون الرسميون، والتي لا تشفي الغليل خصوصًا حول العلاقات بين سلاطين والشرائح الأخرى من المجتمع الهندي. وهناك مصادر معاصرة أخرى والتي تعطي معلومات قيمة حول ذلك ألا وهي كتب الملفوظات والمكتوبات أي الرسائل وكتب الحوار وكتب التراجم والتذكرة وغيرها والتي دونها تلامذة الصوفية ومريدوها ومن أهم الكتب التي اعتمدت لإبراز مواقف الصوفية من السلاطين والعكس هي كتب الرسائل والملفوظات. ومنها على سبيل المثال، فوائد الفوائد لأمير حسن السجـزي، وسير الصدور للشيخ فريد الدين محمود، وخير المجالس لحميد قلندر، وسراج الهداية لمخدوم زاده، وأحسن الأقوال لمولانا حماد، وجوامع الكلمات لسيد محمود الحسيني، وأنيس الأرواح ودلائل العارفين وفؤاد السالكين وأسرار الأولياء وراحة القلوب وغيرها من أهم المؤلفات التي تعالج الجوانب الدينية والاجتماعية وغيرها. وبجانب كتب الصوفية من الملفوظات والمكتوبات هناك بعض الدراسات قام بها الهنود باللغة الإنجليزية والأردية حول نشأة هذه الطرق الصوفية وتطويرها، ومن أهمها والتي توجد في حوزتي، تاريخ مشايخ چشت لخليق أحمد نظامي، و(Chishti Sufis in the Sultanate of Delhi 1190-1400 by Tanvir Anjum/ Khaliq Ahmad Nizami: Religion and Politics in India during the thirteenth century) أما ما يتعلق بالأوضاع السياسية والدينية والثقافية في عصر سلطنة دهلي، فتم الاعتماد على المصادر الأصلية، من أهمها:”تاريخ فيروز شاهي”، لكل من ضياء الدين برني(ت 757هـ/1357م) وشمس سراج عفيف، هذا بجانب المصادر العربية والفارسية التي تتحدث عن تاريخ سلطنة دلهي، ومن أهمها تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، لابن بطوطة (ت799هـ/1402م)، و”طبقات أكبري” للمؤرخ خواجه نظام الدين أحمد بخشي الهروي(ت1003هـ/1594م)، وتاريخ مبارك شاهي، ليحيى أحمد سرهندي، ومن أهم الكتب الأردية التي تتناول الميول الدينية والوضع الديني في عصر سلطنة دهلي فهو “سلطنت دهلي كي مذهبي رجحنات” أي الميول الدينية لدى سلاطين دهلي، للمفكر والمؤرخ خليق أحمد نظامي.
منهج البحث: وقد اتبعت في إعداد هذا البحث المنهج الموضوعي والتحليلي وأيضًا الوصفي الاستقرائي التاريخي عند الحاجة إليه.
هذا، ويتضمن محتوى هذا البحث مدخلًا تمهيديًا يتناول بداية ونشأة التصوف في التاريخ الإسلامي والمراحل التي مر بها خلال العصور الطويلة بين التأثير والتأثر، مع الإشارة إلى وصول أول فوج من الصوفية ذات الثقافة الإيرانية إلى الهند وقيامها بنشر الفكر الصوفي متأثرًا بالأفكار الهندوسية وفلسفاتها. ولقد كان هذا المدخل ضروريًا لتوضيح تغلغل الفكر الصوفي في الهند والذي تسلل إلى عصر سلطنة دهلي لدى قيامها، ثم استقر وأصبح منهجًا متكاملًا ذا تأثير بالغ في المجتمع الهندي وكان له تأثير كبير في الحياة الاجتماعية والدينية والفكرية فيما بعد في الإمارات الإسلامية المستقلة ثم في عصر الدولة المغولية. أما المبحث الأول فقد تناول بداية ونشأة طريقة الچشتية بإيجاز، أما المبحث الثاني فقد تعرض لعلاقة الصوفية الچشتية مع السلاطين مع ذكر المواقف المهمة مع بعضهم بعضًا. وتعرض المبحث الثالث لعلاقة سلاطين دهلي مع الشيوخ السهروردية ومواقفهم مع بعضهما بعضًا. وانتهى البحث بخاتمة تناولت فيه النتائج المهمة التي توصلت إليها خلال هذه الرحلة العلمية، مع ذكر قائمة المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها لإعداد هذا البحث. والله ولي التوفيق
الفصل الأول: نشأة الطريقة الچشتية
من الصعب استقصاء طرق الصوفية التي نشأت وترعرعت في الدول الإسلامية شرقًا وغربًا. وعند بعض الباحثين يصل رقم الطرق الصوفية في القرون الوسطى إلى أكثر من ثلاثة وسبعين بعد المائة.[15]وتفيد بعض المصادر أن الطرق القديمة هي ثلاثة وهي طريقة “خواجگان”، وطريقة “الكبروية” أسسها الشيخ نجم الدين كبرى المتوفى عام618هـ/1221م، و”طريقة القادرية” التي وصلت ونشرت في الهند متأخرًا.[16] أما الهند فدخلت أربع طرق رئيسية في القرن الثاني والثالث عشر للميلاد ألا وهي سلسلة خواجگان[17]، و الطريقة الچشتية منسوبة إلى الشيخ معين الدين الچشتي و الطريقة السُهروردية المنسوبة إلى شهاب الدين عمر السهروردي المتوفى سنة 632 هـ صاحب كتاب “عوارف المعارف”[18]. والنقشبندية المنسوب إلى محمد بهاء الدين شاه نقشبند المتوفى 791هـ/1388م، الذي قام بنشر وترويج أفكار طريقة خواجگان في عامة الناس إلى أن تحولت هذه الطريقة إلى النقشبندية واشتق اسمها منه، ومن ثم عرفت به [19]. ونحن هنا بصدد الطريقة الچشتية المذكورة، أما السهروردية فهي كانت معاصرة للطريقة الچشتية، أما النقشبندية فهي انتشرت في الفترة المتأخرة في العصور الوسطى في عصر الدولة المغولية. وكانت لكل هذه الطرق طريقة واحدة لدى وصولها إلى الهند، حيث إنها تطورت ودخلت إلى أهم طور في التاريخ الإسلامي، ثم تعددت الطرق بتعدد من أخذها عنهم مباشرة أو بالوساطة ونسبت إلى الآخذين عنهم لتفرعها عن الأصل وتعددت الفروع.[20]
أما الطريقة الچشتية والسهروردية، فتفيد المصادر المعاصرة واللاحقة أنها أول طريق تم تأسيسها لدى قيام سلطنة دهلي عام، وتوسعت وترعرعت خلال فترة حكم سلطنة دهلي. وسرعان ما انتشرت في ربوع الهند وفشا أمرها بين أهلها، وتم تنظيمها وقامتا بإنشاء دائرتهما. ولم يمض وقت طويل إلا أن انتشرت الخانقاوات والزوايا لكل من هاتين الطريقتين.[21] وفي بداية القرن الرابع عشر للميلاد يذكر الرحالة شهاب الدين الدمشقي حول وجود أكثر من ألفين من الخانقاوات والزوايا والربط وجماعات خانة في دهلي وأطرافها.[22]
تاريخ نشأة الطريقة الچشتية: كانت هناك ثلاثة مدن في أفغانستان، يطلق عليها “فيروز كوه”، چشت” و”جام” الواقعة في منطقة “هري رود”. ومن العجيب أنه اشتهرت هذه الأماكن الثلاثة في وقت واحد، حيث ظهرت منها الحركات السياسية والدينية والثقافية وغطت المساحة الشاسعة من أراضي الشرق والغرب. وقد اختارت الدولة “الشنبائية” مدينة فيرزو كوه عاصمة لها وولد ونشأ فيها السلطان شهاب الدين الغوري مؤسس سلطنة دهلي. وقام الشيخ أبو إسحاق بإنشاء الطريقة الروحية في مدينة “چشت”، أما مدينة “جام” فأصبحت منطقة ثقافية حيث كانت له مركزية في نشر الثقافة والعلم. فقد قام أهالي فيروز كوه بإنشاء سلطنة دهلي وقام أهالي چشت بتسخير قلوب الناس في الهند من خلال نشر التعاليم الروحية.
ويعد أبي إسحاق الشامي المتوفى 329هـ/940م أول شيخ يذكر اسمه مع مصطلح “الچشتي”. وللأسف الشديد لا توجد مصادر موثقة كافية تسلط الضوء الكامل على حياته وسيرته وأعماله الفكرية والروحية. وتفيد بعض المصادر بأنه ولد ونشأ في الشام ثم غادرها ووصل إلى بغداد في خدمة الشيخ خواجه الدينوري المتوفى 298هـ/910م، وقضى عنده فترة طويلة تعلم خلالها المعارف الصوفية. وقد اختاره الشيخ الخواجة الدينوري لتفعيل عملية النصح والإرشاد في منطقة “چشت”، فتوجه أبو إسحاق الشامي إليها وأسس الطريقة الچشتية هناك والتي سرعان ما أصبح مركـزًا روحانيًا كبيرًا للإصلاح والإرشاد.[23]
وعلى الرغم أن بعض الشيوخ الچشتية قد زاروا الهند قبل وصول المؤسس الحقيقي إلا أنهم لم يتركوا بصمة كبيرة في توسيع نطاق الفكر الچشتي في الهند[24]. فهذا كان من نصيب الشيخ معين الدين الچشتي الأجميري المتوفى 633هـ/ 1236م، حيث وصل الشيخ بعد قيام سلطنة دهلي واستقر في منطقة أجمير في شمال الهند، لتفعيل وترويج الفكر الصوفي الچشتي.[25] وللأسف الشديد لا يوجد من المصادر المعاصرة الكافية ما يتناول حياة الشيخ معين الدين بصورة دقيقة وتعطي المعلومات الكافية حول نشاطاته العلمية والدعوية. والمصادر المعاصرة واللاحقة من أعمال الملفوظات التي كنا نتوقع منها أن تعطي معلومات كافية حول ذلك ولكن كلها صامتة بهذا الصدد. ومن أهمها مجموعة ملفوظات الشيخ نظام الدين الأولياء والذي يعتبر من أوثق المصادر عن الشيوخ الچشتية ونشاطاتهم الإصلاحية والدعوية لم يأت اسم الشيخ معين الدين الچشتي في هذا المصدر المهم إلا ثلاث مرات فقط وبشكل غير مباشر[26]. والأغرب من ذلك أننا لا نجد اسمه مذكورًا ولو مرة في المصدر الثاني المهم وهو “خير المجالس”. مع أن هذين الكتابين يذكران اسم الشيخ قطب الدين بختيار الكعكي مرات عديدة ضمن نشاطاته الإصلاحية والفكرية. والغريب أن الشيخ اختار مكانًا كان يعتبر مركزًا دينيًا للهندوس الذين كانوا يشدون رحالهم إليه لأداء الطقوس الدينية.[27] ويدل قراره للوصول والاستقرار في مثل هذا المكان على جرأته البالغة وثقته العالية. ولكن مما يتعلق بعدد مهول من الهندوس باعتناق الإسلام على يديه فهو أسطورة أكثر من الحقيقة[28]. فمعظم المصادر اللاحقة والمتأخرة تشير إلى وقوع الخوارق والكرامات مما دفعت الناس إلى اعتناق الإسلام ولكن لم تعط هذه المصادر أي معلومة دقيقة حول اعتناق الهندوس الإسلام من خلال الجهود و عملية الدعوة والتبليغ[29]. وسكوت المصادر المعاصرة المذكورة أعلاه حول ذلك تدل على أنه لم يبذل الشيخ في الواقع أي مجهود في تحويل الناس إلى الإسلام ولو قام بذلك فلم يكن لها أي قيمة في نظر تلاميذه ومريديه كي يذكروها في أعمالهم المهمة[30]. ومهما كانت الأسباب إلا أننا نستطيع أن نستنج أن عملية التبليغ والدعوة إلى الإسلام لم تكن من مقاصده الأساسية وإن كان قد اعتنق بعض الناس الإسلام بسبب أو بآخر فلم يكن مما يستحق الذكر والاهتمام لدي المؤرخين المعاصرين وتلاميذه ومريديه. وهذا الموضوع خارج نطاق البحث لأنه يحتاج إلى بحث مستقل لتوضيح حقيقة دور الصوفية في نشر وترويج الإسلام في الهند. وعلى كل حال تفيد بعض المصادر أن الشيخ معين الدين الچشتي كان يعيش حياة تقشفية، فكان هذا المؤسس للثورة الاجتماعية يسكن في كوخ صغير ويرتدي الملابس العادية جدًا وما كان يستهلك الخبـز أكثر من خمس مثقال ذرة من المال.[31]
وقد قام تلميذه ومريده خواجه قطب الدين بختيار الكعكي المتوفى 632هـ/1235م، والشيخ حميد الدين الصوفي السوالي وبابا فريد مسعود گنج تلميذ قطب الدين بختيار الكعكي المتوفى 663هـ/1265م والذي خلفه الشيخ نظام الدين أولياء المتوفى725هـ/1325م الذي اختار تلميذه الشيخ نصير الدين چراغ الدهلوي كخلفه الأول بتوسيع وتنظيم الطريقة الچشتية في ربوع الهند، وكان المشايخ من الطريقة الچشتية في الدور الأول ينتمون إلى الطبقة الأولى من الصوفية وهم الذين قاموا بتوطيد الأنظمة الفكرية والتنظيمية في ربوع الهند من خلال إنشاء جماعات خانات وتربية الجيل الكامل من الصوفية الذين لعبوا دورًا مهمًا في نشر وترويج أفكار الطريقة الچشتية في عصر سلطنة دهلي.
دوافع انتشار الطريقة الچشتية في الهند: والسؤال الذي يطرح هنا على نفسه هو كيف كان لهؤلاء الصوفية أن ينجحوا في عملية الإصلاح والإرشاد والتربية خصوصًا وأن معظمهم اختاروا مكانا بعيدًا عن الجاليات الإسلامية في المجتمع الهندوسي البحت وما هي الأسباب التي دفعت الطبقات الدنيا والمتوسطة إلى قبول نصحهم والاندماج مع الصوفية من خلال الحضور بجماعت خانات. والجواب أنه قد وجد الصوفية لدى وصولهم إلى الهند فراغًا دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا بسب الصراع الديني والطبقي بين الناس في المجتمع الهندوسي، ومن ثم سنحت الفرصة الذهبية للصوفية القادمين، لتقديم تعاليم الإسلام الواضحة والبسيطة المتعلقة بعلاقة الإنسان مع بعضهم البعض على أساس الاحترام المتبادل والسواسية مع تقديم النظريات الاجتماعية الحرة؛ مما أثر في الشعب الهندوسي تأثيرًا بالغًا، فاقترب إليهم عامة الناس قبل الخاصة خصوصًا الطبقة المنبوذة التي لم يكن مسموحًا لها أن تدخل إلى المدينة وما فيها إلا للعمل وبعد ذلك ترجع إلى منازلهم في المساء وكانت أبواب المدينة تغلق عليهم بالليل[32]. وقد فهم ذلك الصوفية المسلمون ومنهم الخواجه معين الدين الچشتي وتلاميذه وأذكر هنا ما كتبه صاحب سير الأولياء حيث يقول عن إسهام الشيخ الچشتي في إخراج الهندوس من الصراعات الدينية والطبقية إلى التفاهم والود والمحبة، فيقول:”ومن كرامة الشيخ معين الدين الچشتي أنه أشرق على الهند كشمس ساطعة في الوقت الذي كان الكفر والشرك وعبادة الأوثان والحيوانات والجمادات شائعا في المجتمع الهندي وكان ذلك هو دين الناس منذ دهر طويل، حتى وصل الأمر إلى أن يدعي كل واحد الألوهية قائلًا:” أنا ربكم الأعلى”. وبسبب عبادة هذه الأوثان ران على قلوبهم ما كانوا يعبدون، وأغلقت قلوبهم فهم في غيهم يعمهون، إلا أن رياح الإيمان والإسلام والأخلاق هبت عليهم بفضل مساعي الشيوخ المشكورة ومنهم معين الدين الجشتي ، وكانت بمثابة الفجر الذي اكتسح ظلام الكفر والجهل والفسق والفجور.”[33]
هذا، وبعض الأقوال التي جمعها السيد محمد مبارك كرماني الملقب بـأمير خورد في كتابه، وتسلط على عقيدة الشيخ الدينية والاجتماعية فاتحة أمامنا نوافذ نستطيع من خلالها أن نرى ذلك الرجل المتعاطف مع كافة الناس إلى أقصى حد، المتمتع برؤية واسعة للأديان والمعتقدات والأفكار الأخرى متقبلة لوجودها معبـرة بعمق عن المشاعر الإنسانية. وقد بنيت عقيدة الشيخ الدينية والإنسانية على أسس ثلاثة يمكن في ظلها فهم كل النشاطات الدينية والاجتماعية التي قام بها طيلة حياته والذين جاءوا فيما بعد من الطريقة الچشتية:
يقول الشيخ وهو يتطرق إلى أفكاره حول الكون:
1- حين تجاوزنا الظواهر ونظرنا حولنا وجدنا أن المحب والمحبوب والحب نفسه واحد، ففي دائرة الوحدة الجميع واحد. وقد أدى هذا التوجه الوجودي إلى اقترابه من كنوز الديانة الهندوسية القديمة، خاصة الأوبنشاد، وهيأ المجال لتبادل الأفكار على مستوى أرقى.
2- ثم يلخص الشيخ أعلى أشكال التبتل لله في: ” تفريج كرب المكروبين، وقضاء حاجة المساكين، وإطعام الجائعين”. وهو بهذا يسمو بالدين فوق مستوى الطقوس والرسميات الإكليركية ويجعل من خدمة الإنسانية جوهره الأساسي.
3- وأخيرا يؤكد الشيخ أن الصفات التي تحبب المرء إلى الله هي: “أولًا، كرم ككرم البحار، ثانيًا دفء كدفء الشمس، ثالثًا عطاء كعطاء الأرض”[34].
هذا، وقبل أن أختم هذا الفصل علي أن أسلط الضوء على الأسس والأصول التسعة التي عاش بموجبها الشيوخ الچشتية طيلة حياتهم وهي كالآتي: 1. طاعة المريد والتلميذ للشيخ، 2. ترك الدنيا وما فيها والتوكل على الله، 3. الاستقلالية التامة من الدولة وإدارتها، 4. الجواز في القيام بالسماع، 5. الاهتمام و التحمس في أداء الصلوات والواجبات الدينية الأخرى، 6. كسب القوت اليومي من الأعمال الزراعية أو من الفتوح أي الهدايا، 7. عدم جواز إظهار الكرامات والخوارق، 8. تقديم الخدمة للآخرين في صورة الإصلاح والتربية ومن خلال توزيع الأموال والمواد الغذائية الفائضة، 9. التسامح مع غير المسلمين واحترام حريتهم الدينية والفكرية.[35]
تابع
يمكنك مشاهدة توقيعي بالنقر على زر التوقيع
|
 |
|
المفضلات