الروحانيات، السلوك الإنساني و مصير الشعوب.منقول
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على رسوله الكريم و على آله الطيبين و صحبه الكرام.
اللقطة الأولى: للمحبة و القبول.
تكتب على بركة الله بماء الورد و الزعفران مثلث الغزالي العددي ب(قوله الحق و له الملك) و تدوّره بقوله تعالى (فلما رأينه أكبرنه و قطعن أيديهن و قلن حاش لله ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم)، و ترصد للكتابة وقتا سعيدا خاليا من النحوس، و تبخر ما كتبت ببخور طيب و تحمله معك في محفظتك. لن يأخذ منك هذا العمل إلا دقائق معدودة، و ها أنت أصبحت في أعين الناس كالبدر التمام و كل من رآك يحبك و كنت وجيها لديهم.
هنيئا لك هذه الكرامة و هذه النتيجة الخارقة للعادة المنسجمة مع زمن السرعة.
اللقطة الثانية: للدخول على الحاكم الظالم.
من جديد تكتب بماء الورد و الزعفران الآتي: حم (لا ينطقون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا)، حم (سيهزم الجمع و يولون الدبر)، حم (أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)، حم ( فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء)، كهيعص كفيت، حمعسق حميت. أكتب ذلك على ورقة بيضاء و احمله على ذراعك الأيمن، ثم ادخل على الحاكم الظالم، ترى ما يسرك و يقضي حوائجك.
(لا داعي لتجربة هاتين الفائدتين الغير مجربتين فقد نسجتهما من عالم الخيال و صغتهما على غرار ما يوجد في كتب أصحاب الروحانيات الذين لم يتركوا بابا من الأحوال الطبيعية و الإنسانية إلا و أوجدوا له ترياقا و لم يبقى لهم إلا أن يُوجِدوا لنا طلسماً للدخول إلى الجنة !).
النقد:
في اللقطة الأولى:
إذا نجح معك الأمر و شُغِف الناس بحبك و أطاعوك و أصبحت مقبولا لديهم، لا تنسى أن تسأل نفسك ما يلي:
1) بماذا استحقَّيت كل هذا الحب؟
2) ماذا لو كان الناس لا يحبونني في قرارة أنفسهم؟
3) ماذا لو كان هذا الحب صوريا خياليا و زيفًا لا يطابق أيَّ واقع؟
4) لماذا أريد أن يحبني الناس أجمعون و هذا الحب لم يكتب حتى لأنبياء الله و رسله؟
5) ألا يعتبر الأمر نرجسية و حباًّ للذات؟ ألا يترجم هذا العمل حالة العجز و الكسل من اكتساب محبة الناس بالأسباب الطبيعية؟ ألا يعتبر الأمر فشلا علاقاتيا و اجتماعيا؟ ألا يعتبر ذلك تعطيلا للعمل الإنساني الكريم؟
بهذا العمل، أنت تريد أن تصبح الكعبة التي يطوف حولها الناس، و حَِريٌّ بك أن تكون مع الناس تطوف حول الكعبة الطبيعية التي فطرك الله و فطر الناس عليها. هذه الفطرة تقتضي أن يُحبك أناس و يكون أناس آخرون أقل حبا لك، و كذلك أن تُحب أناس و يكون حبك لآخرين أقل.
ففي هذه اللقطة يظهر أنك لا تنسجم مع الطبيعة الإنسانية، يظهر فيها خوفك و قلقك أو عجزك و كسلك، فتعالج الأمر بماء الورد و الزعفران، مع أنك في الواقع لم تعالج شيئاً بل شُبِّه لك.
قد تحتج بأن كذا أمر موجود في الأثر حيث يقول الله تعالى لجبريل عليه السلام: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في الخلائق: إن الله يحب فلانا فأحبوه، ثم يكتب له القبول في الأرض. أتدري بماذا استحق فلان هذه الدرجة، استحقها بسلامة قلبه و بالعمل الدؤوب و بإصلاحه لما بينه و بين الناس، يخدمهم، يمشي في قضاء حوائجهم، يعفو عمن ظلمه و يشكر من أكرمه، فكانت كرامته بحب الناس له ليست إلا مرآة تعكس ما انفجر من ينابيع قلبه الطيب و ما عملت يداه من بر و إحسان. فمحبة الناس لهذا الصالح حق و حقيقة بنيانه مرصوص، أما حب الناس لك فزعفرانيٌّ أصفر لا أساس له.
و انظر أخي الكريم إلى الآية التي حوَّطتَ بها مثلت الغزالي، فانبهار النسوة و إعجابهن الشديد بيوسف يطابق حقيقةً ما كان عليه من الحسن و الجمال.
العمل الروحاني قد يعطل الفعل الإنساني.
في اللقطة الثانية:
قد تقضى حوائجك عند ذلك الحاكم الظالم بتلك الفائدة أو غيرها، لكن، هل حُلَّت المشكلة، هل زال ظلم ذلك الظالم. بمجرد خروجك من عنده، يرجع ظلمه بين جنبيه و لن يسلم من بطشه عامة الشعب و من ليس لديه أي فائدة زعفرانية.
لقد أُوتيت الحكمة فانجيت نفسك من ظلم الظالم، لكن حكمتك قاصرة، فردية. حكمتك حجبتك من تحمل مسؤولية جسيمة بتغييرك للمنكر و بمحقك للظلم. حكمتك كُتبت بالزعفران، و الزعفران يُمحى سريعا، و كان حَرِيٌّ بك،إن كنت حكيما، أن تكتب حكمتك بمداد لا يبلى، دَمٌ شهيد أو نقش رشيد ينور العقول.
الحكمة أن ندخل جميعنا على الحاكم بلا خوف، الحكمة أن نَحكم الحاكم بسلطان القانون لا بماء الورد و الزعفران.





























المفضلات